- الأشعل: الجيوش تلعب دورًا مهمًّا في عدم تحول مسار الثورات

- أبو طالب: ما يحدث في ليبيا واليمن يرجع لتركيبتهما القبلية

- عمار: الطبقات الوسطى والمهنية تحمي الثورة من الدموية

- عفيفي: الحشد والإصرار ووحدة الأهداف ضمانات حقيقية للنجاح

 

تحقيق: يارا نجاتي

قطار الثورات العربية انطلق بدون توقف.. هذا هو توصيف الواقع العربي منذ اندلعت ثورة الشعب التونسي، وتلتها الثورة المصرية التي فجَّرت برميل الوقود، وأزاحت أكثر النظم العربية ظلمًا وفسادًا واستبدادًا، وهو نظام حسني مبارك، وامتدت الثورة إلى دول عربية أخرى بعضها ملاصق للحدود المصرية مثل ليبيا، والأخرى لا يفصلها عن مصر سوى البحر مثل اليمن والأردن، ودول أخرى تطل بنظرة ثاقبة على ما حدث في مصر مثل سوريا والبحرين.

 

هذا المشهد الذي يؤكد أن الشعوب العربية غيَّرت من جلد السلبية والخوف والخضوع، بجلد آخر يتحدى رشاشات المياه، ويتصدى لطلقات الرصاص والقنابل، طرح العديد من التساؤلات عن بوصلة الثورات العربية، وهل ستصمد أمام شلالات الدماء التي أعلن عنها القذافي وعبد الله صالح ومعهم من بعيد بشار الأسد؟، ولماذا لا تفهم الأنظمة العربية رسائل شعوبها بشكل سريع وترحل قبل أن يزيد الوضع اشتعالاً بدماء الشهداء والمصابين؟ هذا ما نطرحه على المختصين في هذا التحقيق:

في البداية يؤكد الدكتور عبد الله الأشعل، مساعد وزير الخارجية الأسبق وأستاذ القانون الدولي بالجامعة الأمريكية، أن الحكام العرب فاسدون ومتسلطون لا يمكنهم التخلي عن كراسيهم وملكهم، حتى إن احترقت الأوطان، وقتلوا الشعوب التي يحكمونها بالرعب والفزع، موضحًا أنهم يعتبرون البلاد التي يحكموها كملكية خاصة لهم ولأسرهم ولا قيمة لديهم تُذكر للشعب.

 الصورة غير متاحة

د. عبد الله الأشعل

 

ويُحَمِّل الأشعل مسئولية الحفاظ على الشعوب العربية، وحقن دمائهم في أيدي القوات المسلحة بكلِّ دولة من الدول التي تندلع بها الثورات والاحتجاجات المشروعة، مؤكدًا أن الوظيفة الرئيسية للقوى العسكرية في أي بلد هي مساندة الشعب في حماية مطالبه، وليس مساندة الحاكم، منتقدًا ما يحدث من انقسامات وانشقاقات في صفوف الجيوش العربية في اليمن وليبيا.

 

ويوضح الأشعل إلى أن القوات المسلحة عليها أن تحسم أمرها مع ثورة الشعب طالما أنها ثورات سلمية، وقامت على المطالبة بحقوق عادلة، ولذلك فإن على جيش الدولة الوقوف على الحياد، ولا يميل مع أي من الطرفين، ويقوم بالوظيفة الأساسية له، وهو حماية الوطن من العدوان الخارجي على أراضيها، موضحًا أن تخلي الجيش أو القوات العسكرية عن دورها وميلها تجاه النظام، فإنه سيؤدي إلى اشتعال الحروب الأهلية.

 

ويضيف الأشعل أن التدخل الأجنبي في الشئون الداخلية للدول، وخاصة التدخل الغربي، لن يصب مطلقًا في مصلحة الشعب؛ لأن القوات الأجنبية تدير الأمر وفقًا لمصالح الدول التابعة لها، سواء دلَّ ذلك على بقاء الديكتاتور أو رحيله، مشيرًا إلى أن الثورات العربية تبدأ سلمية دائمًا، وتتعرض لبطش الحكام، ولكنها في النهاية تنجح بخروج الشعب بأكمله للتأكيد على حقوقه، مشيرًا إلى أن كلَّ الأنظمة العربية غير شرعية، وقد جاءت بناءً على رغبات غربية وليس برغبة الشعوب، لذلك نرى نفس السيناريو يتكرر مجددًا مع كل ثورة تندلع في أي دولة عربية؛ لأن هؤلاء الحكام لا يتركون مقاعدهم إلا بعد الحصول على أوامر من الغرب بالرحيل.

 

سلوك اضطراري

 الصورة غير متاحة

د. حسن أبو طالب

ويتفق معه في الرأي الدكتور حسن أبو طالب، نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية والسياسية، مشيرًا إلى أن طبيعة المجتمعين الليبي واليمني والدور الذي تلعبه مؤسسات الدولة بما فيها من سيطرة لعائلة الحاكم على المواقع العسكرية والأسلحة والذخيرة، هو السبب الأساسي في الانقسامات الدموية التي تشهدها المؤسسات والتشكيلات العسكرية، ويرى أن أحد أسباب تحول بعض الثورات إلى ثورة مسلحة، هو استخدام العنف المفرط؛ مما يجبر المدنيين على الدفاع عن أنفسهم، واللجوء إلى استخدام السلاح ضد الجيش، وفي ليبيا بشكل خاص كان سلوكًا اضطراريًّا للمواطنين، بسبب كثرة عدد المرتزقة الذين جلبهم القذافي لقتل أبناء وطنه.

 

ويؤكد أبو طالب أن تماسك المؤسسات العسكرية هو الطريق لنجاح ثورات الشعوب العربية سلميًّا، لنزع الشرعية من الحكام، إلى جانب التعلم من الثورات التي نجحت سلميًّا كمصر وتونس، والاثنتان قامتا على الاحتجاجات والاعتصامات المتتالية، وجمعهم مكان واحد كرمز للمقاومة والصمود، كميداني التحرير وبورقيبة، مشيرًا إلى أن بقاء جزء من الشعب والقوات العسكرية مع الرئيس تشعره بالقوة والشرعية التي تجعله يتمسك بالحكم أطول مدة ممكنة.

 

الطبقات المتوسطة

 الصورة غير متاحة

د. عمار علي حسن

ويرجع الدكتور عمار علي حسن، مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط، حفاظ الشعبين المصري والتونسي على ثورتهما سلمية إلى أن الشعبين غير مسلحين، وكل ما قاموا به لم يتعد الدفاع عن النفس، على العكس من ليبيا واليمن؛ حيث تحولت بهما الثورات إلى الطريق الدموي، مؤكدًا أن السبب يرجع لاختلاف طبيعة المجتمعات هناك، فهي مجتمعات قبلية مقسمة، وعندما قامت الثورة في بدايتها استولى الثوار على الأسلحة، واشتبكوا بها مع قوات النظام، وبعدها ظهر خروج جزئي لقوات الجيش عن سلطة الحاكم؛ مما جعل الأوضاع تنزلق إلى مواجهات أشبه بالحرب الأهلية.

 

ويبين أن انتشار السلاح في أيادي المواطنين يدفع إلى العنف ويستحيل معه الإبقاء على سلمية الثورة بعد دفع قوات النظام الأمور إلى القتل والعنف، مشيرًا إلى أن اليمن وصل فيها عدد الأسلحة المتوافرة في أيدي المواطنين إلى 60 مليون قطعة، بمعدل 3 قطع لكلِّ فرد، مطالبًا بضرورة تفعيل ثقافة السلمية والوطنية داخل المجتمع، والبعد عن الثقافة القبلية بين أبناء الشعب الواحد، والدعوة لها على مستوى واسع قبل التفكير في البدء بالثورة على النظام الحاكم.

 

ويرى أن توقف العنف والدم في بلدين كليبيا واليمن لن يكون سوى بسقوط الأنظمة وحدها، التي يتداخل فيها النظام مع القبائل العائلية والمتحالفة معها، بالإضافة إلى طبيعة الدور الذي قد تلعبه الطبقات المتوسطة المتعلمة والهيئات المهنية المختلفة التي تحمي الثورات وتوجهها في طريق السلمية.

 

التنشئة السياسية

ويرى اللواء د. وجيه عفيفي، مدير المركز العربي للدراسات السياسية والإستراتيجية، أن حال الدول العربية وما حدث بها من ثورات يؤكد أن الحكام العرب لا يهمهم سوى اغتصاب المليارات من المواطنين، ولذلك فإنهم يسعون لتخريب المنطقة العربية، خاصة بالاتصالات المشبوهة مع الكيان الصهيوني، والعلاقات الدبلوماسية مع المخابرات الأمريكية (CIA)، والموساد الصهيوني، وإحاطة أنفسهم بأجهزة أمنية قوية ليس لديها إلا سلاحا البطش والإرهاب.

 

ويشير اللواء عفيفي إلى أن كلَّ تلك العوامل تجعل السلاح والعنف والقوة المفرطة هو عنوان مواجهة الثورة السلمية لأي شعب، موضحًا أن هناك عددًا من عوامل نجاح الثورات سلميًّا، منها الحشد الكثيف للمواطنين، والخروج للاحتجاج، والمطالبة بالإصلاح، مع العمل على توحيد صفوف الشعب بكلِّ مستوياته وتجميع مختلف المطالبات في مكان واحد بحيث تشكل قوة كبيرة، مع الإصرار على البدء وإبقاء الثورة سلمية حتى أبعد الحدود.