![]() |
| أ. د/ مصطفى هيكل |
المتأمل للمشهد المصري الحالي وما يحدث من انفلات مجتمعي رأينا ظواهره في أحداث مباراة كرة القدم في الدوري المحلي بين نادي الاتحاد السكندري ونادي وادي دجلة, تلك الواقعة المؤسفة التي أعقبت إحراز فريق لهدف في مرمى الفريق الآخر، وما ترتب على ذلك من إحراج لفريق له جماهيريته في الثغر، وما أشبه هذا الحدث بأحداث مباراة أخرى سابقة بين فريق نادي الزمالك المصري وفريق الإفريقي التونسي، وحالة الغضب التي اجتاحت الجماهير فأخرجتها عن شعورها فنزلت إلى أرض الملعب، وقامت بتكسير الكراسي وأساسات المنشآت الرياضية في كلتا المباراتين.
والغريب حالة التشابه الكبير بين الحالتين في كلٍّ من القاهرة والإسكندرية، فقد أصاب الإستادين الرئيسيين تلف كبير من قبل الجمهور، وأن الفضيحة كانت منقولة عبر الفضائيات في أنحاء العالم، هذا العالم الذي شهد فترةً استثنائيةً في حياة المصريين، ظلت لمده ثمانية عشر يومًا، قدم المصريون خلالها نموذجًا للسلوك الحضاري الرفيع ونموذجًا للتوحد نحو غاية واحدة وهدف واحد، جعلهم يتناسون الأفكار والأيديولوجيات والخلافات، وجعلتهم يسمون إلى أرقى مراتب الرقي الإنساني؛ حيث احترام أصحاب الديانات المختلفة شعائر بعضهم بعضًا، بل وتعاون كل أصحاب عقيدة على تمكين أصحاب العقيدة الأخرى من إقامة هذه الشعائر.. نعم رأينا ذلك في ميدان التحرير وفي ميادين مصر كلها، رأينا المسيحية وهي تصب الماء للمسلم كي يتوضأ، ورأينا المسلمين وهم يشكلون حائطًا بشريًّا للمسيحيين أثناء إقامة قداسهم وأيضًا وهم يحمون الكنائس في الأعياد المسيحية.
رأينا كل هذا وشاهده العالم وأشاد به ساسة العالم، ودفعهم ذلك إلى أن يطلبوا من أبناء جلدتهم أن يتعلموا من المصريين ويقتدوا بهم، ويدعوا أيضًا إلى تدريس النموذج المصري لأبنائهم في المدارس وفي الجامعات، ورأينا الشعوب تستحضر التاريخ والإرث الحضاري للشعب المصري، فهل كان ذلك حدثًا استثنائيًّا في سلوك الشعب المصري الذي انقلب كثير منه من هذه الحالة إلى حالة مناقضة تمامًا.
فمن الناحية الفكرية والأيديولوجية تباينت المواقف، وبشدة، بين التيارات السياسية والتي تناسى معظمها خيار الشعب المتمثل في الاستفتاء الشعبي، وانقلبت كثير من التيارات تحاول الالتفاف حول نتائج هذا الاستفتاء، مستحضرين الشعارات والكلمات المنمقة حول أساس العمارة قبل البناء، وكأن ما ينطقون به هو الحق المطلق الذي لا مراء فيه.
ومن الناحية السلوكية رأينا ما حدث في هاتين المباراتين ورأينا الحوار بالشوم وبالكراسي في المؤتمرات السياسية، رأيناه في استقبال عمرو موسى، المرشح الرئاسي، أثناء زيارته لمحافظتين من محافظات الصعيد وفي استقبال الدكتور محمد البرادعي، المرشح الآخر للرئاسة، أثناء إدلائه بصوته في الاستفتاء على التعديلات الدستورية، وأيضًا رأينا ذلك في مؤتمر للحزب الجديد المزمع قيامه؛ حزب المصريين الأحرار.
وعلى المستوى الطائفي رأينا صورةً مغايرةً تمامًا للصورة الجميلة سالفة الذكر، رأينا اعتداءات على الكنائس في أطفيح وإمبابة، ولا ندري لماذا يتم الخلط بين المشاكل الاجتماعية التي تحدث بين البشر, بل قد تحدث بين أبناء العائلة الواحدة وبين الاعتداء على دور العبادة, تلك الدور التي حثنا المولى جل وعلا على احترامها بل والدفاع عنها والاستشهاد دونها حين قال في كتابه الكريم: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: من الآية 40).
إذا كان ما حدث في خلال الثمانية عشر يومًا من أحداث الثورة حدثًا استثنائيًّا فإن علينا أن نحوله إلى حدث دائم، وذلك من خلال إعادة بناء الإنسان المصري بناءً تربويًّا وعقائديًّا وحضاريًّا، وذلك من خلال المؤسسات التربوية المتاحة وإعادة الدور الحقيقي لهذه المؤسسات، سواء كانت مؤسسة المسجد والكنيسة أو مؤسسة المدرسة والجامعة، أو مؤسسات الإعلام والصحافة، أو مؤسسة البيت, تلك المؤسسات التي طالها جميعًا التجريف خلال العهد الناصري والساداتي واللا مباركي, فهل يمكن أن تستعيد هذه المؤسسات دورها من خلال بناء دولة ديمقراطية مدنية حديثة تكون مرجعيتها الشريعة الإسلامية السمحاء.. اللهم وفق عقلاء الأمة إلى ذلك.
