هنا نركز على دور العابد الذي حقق العبودية لله عز وجل ونهض بنفسه.. كيف ينهض بغيره وما دوره في مشروع النهضة؟

 

وقد يستغرب البعض هذا الفهم.. ويقول: ما علاقة العبودية لله بنهضة الأمم؟!

 

لنتفق جميعًا على مرجعية..

تدلنا على الصواب حال التنازع واختلاف الرؤى ووجهات النظر، ومن المعلوم من الدين بالضرورة أن مرجعيتنا كمسلمين هي الكتاب والسنة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنتي"، وقول الله عز وجل في سورة النساء: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (النساء: من الآية 58).

 

تلكم آيات الله التي تتحدث عن العبودية وأثرها الفعال ودورها المباشر الأكيد في تحقيق النهضة والنصر والتمكين.. (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: 55).

 

وفي ظلال هذه الآية يقول الشهيد "سيد قطب": "وإنه ما من مرة سارت الأمة على نهج الله وحكّمت هذا النهج في الحياة وارتضته في كل أمورها إلا تحقق وعد الله بالاستخلاف والتمكين والأمن، وما من مرة خالفت عن هذا النهج إلا تخلفت في ذيل القافلة، وذلت، وطُرِد دينها من الهيمنة على البشرية، واستبد بها الخوف وتخطفها الأعداء..

 

ألا إن وَعْدَ الله قائم، ألا وإن شرط الله معروف.. فمن شاء الوعد فلْيُقِم الشرط.. ومن أوفى بعهده من الله؟ فإذا استقمتم على النهج، فلا عليكم من قوة الكافرين.. فما هم بمعجزين في الأرض وقوتهم الظاهرة لن تقف في طريقكم.. لأنكم أقوياء بإيمانكم.. أقوياء بنظامكم.. أقوياء بعدتكم التي تستطيعون.. وقد لا تكونون في مثل قوتهم من الناحية المادية.. ولكن القلوب المؤمنة التي تجاهد تصنع الخوارق والأعاجيب.. فالإيمان حقيقة.. الإيمان.. عمل.. نشاط.. وحقيقة الإيمان تستغرق النشاط الإنساني كله "Faith is action".. هذا العمل هو العبادة الحقة.. وهذه العبادة هي التي يتحقق بها وعد الله عز وجل.. (يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) فهي طاعة وعبادة لله واستسلام لأمره في الصغيرة والكبيرة، لا يبقى معها هوى في النفس، ولا شهوة في القلب، ولا ميل في الفطرة إلا وهو تبع لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله..

 

فهو الإيمان الذي يستغرق الإنسان كله بخواطر نفسه وخلجات قلبه وأشواق روحه وميول فطرته وحركات جسمه ولفتات جوارحه وسلوكه مع ربه في أهله ومع الناس جميعًا.. يتوجه بهذا كله إلى الله، وهذا هو مفهوم العبادة الشامل (يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا)" انتهى كلام الأستاذ/ سيد قطب.

 

والعبادة بهذه الصورة وعلى هذا النهج هي التي يتحقق لنا بها وعد الله في النهضة والريادة للعالم بأسره في عطاء الله عز وجل.

 

في "الاستخلاف".. لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ

و"التمكين".. وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ

و"الأمن".. وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا

 

هل هناك متطلبات للنهضة غير هذا المناخ الإلهي الذي يؤمّن للناس حياتهم وأعراضهم وأموالهم، وفي مثل هذا المناخ الذي نعيشه هذه الأيام في ظل الحرية والعدالة؟!

 

نحن جميعًا مدعوون لننطلق في تحقيق هذه "الواجبات العملية" لاستكمال مسيرة النهضة والمحافظة على مكتسبات الثورة.

 

1- مواجهة التحديات بالعمل الدءوب المستمر.. من خلال استثمار واستنفاد جميع الطاقات والإمكانيات والجهود. كلٌّ في ميدانه.. من خلال تخصصه وعمله الحياتي وشعارنا في ذلك: (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)) (هود).

 

2- تحقيق القدوة العملية فهي أقصر الطرق لنشر الصلاح والإصلاح في المجتمع.. نُريد أن نرى "قبل أن نتكلم" (إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ (36)) (يوسف).

 

وتلكم وصية حكيم لمعلم ولده: " ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك؛ فإن الحسن عنده ما فعلته، والقبيح عنده ما تركته".

 

والواجب الثاني يحقق "الأمانة"، وهذان الواجبان هما مقومات العامل الناجح الذي لديه القدرة والإمكانية والطاقة على إحداث النهضة.. وهذا قول الله عز وجل.. (إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ (26)) (القصص).

 

3- امتلاك مبادرة الروح؛ فالروح من أمر الله.. (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا (85)) (الإسراء)، ولولا نفخة الله فينا من روحه ما تحركنا ولا سمعنا ولا أبصرنا ولا وعينا، وهذا قول الله عز وجل: (ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ* الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ* ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ* ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَّا تَشْكُرُونَ) (السجدة- 6: 9).

 

وأمين الوحي سيدنا جبريل عليه السلام" روح".. (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (193)) (الشعراء) على روح النبي صلى الله عليه وسلم.. (عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ (194)) (الشعراء)، وكتاب الله "روح"، (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) (الشورى: من الآية 52)، فهيا نمتلك "روحًا" تحرك " الجسد" وتنهض بنفسها ثم  بمن حولها..

 

4- امتلاك مبادرة القيام..والقيام هو الأمر من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم في بداية الدعوة، والقيام عكسه القعود.. (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ* قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً) (المزمل).. (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنذِرْ) (المدثر)

 

وقام النبي ومضى إلى السيدة خديجة حاسماً أمره، عازمًا على الالتزام بأمر الله، قائلاً لها: "مضى عهد النوم يا خديجة".

 

فهيا إلى القيام.. لننجو من النفاق

فالقعود صفة من صفات النفاق.. وفي سورة التوبة "الفاضحة- الكاشفة"؛ لأنها فضحت المنافقين وكشفت أمرهم.. يقول ربنا عز وجل: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46)) (التوبة) كره الله حركتهم.. كره الله خروجهم، لماذا؟ لأنهم لم يريدوا الخروج ولم يعدوا له العدة.

 

وفي موضع آخر في نفس السورة: (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83)) (التوبة)

 

يا للفضيحة.. يا للعار!!..

إن الذي يقعد ولا يقوم ليس له مكان بين الرجال.. فليقعد مع الخالفين في منازلهم.
أيها العباد.. الناهضون.. القائمون.. لتنهضوا بالأمة

 

لنتفق على ميثاق.. في صدر سورة المزمل الآيات من 1 إلى10 ستة ميادين للنهضة:
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ* قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً* نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً* أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً* إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً* إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وطئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً* إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلاً* وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً* رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً* وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً) (المزمل).

 

الميدان الأول: قم..

الميدان الثاني: رتل..

الميدان الثالث: اذكر..

الميدان الرابع: تبتل..

الميدان الخامس: اصبر..

الميدان السادس: اهجر..

 

---------

* مدارس "الإيمان الإسلامية" بدمياط.