اليوم 10 يوليو 2010م، تحل الذكرى الأولى لوفاة العالم الجليل الدكتور أحمد العسال- رحمه الله- وقد زال النظام المستبد الذي طالما اضطهد العلماء، وحاصر الدعاة، وجعل من "مصر الأزهر" بيئة طاردة للمفكرين وأهل العلم، وصنع من أشباه العلماء وأنصافهم رموزًا وقيادات في مواقع الرأي والتأثير.

 

من المفارقات أن النظام البائد في الوقت الذي كان يجاهر بعلمانيته ونهجه في الفصل بين الدين والدولة، كان يستدعي الدين لتوظيفه كلما شاء، فقد رأيناه يستخدم بعض علماء السلطان لإضفاء الشرعية على بعض قراراته وقوانينه كما في حالة بناء الجدار الفولاذي بين مصر وغزة المحاصرة منذ خمس سنوات، بل كان يعين أحد هؤلاء في مجلس الشعب للتصدي لمشاريع الإسلاميين، وتاريخه الأسود حافل بهذه الثنائية في المواقف.

 

مناخ التبوير والتصحير وتجفيف الينابيع الذي صنعه النظام المستبد  لم يُقعِد د. العسال عن القيام بواجباته الدعوية والأكاديمية، فقد مشى في مناكب الأرض، وحط رحاله في العديد من دول العالم ، وترك بصماتٍ واضحةً في كلِّ مكان حل به، ودشن مسيرة زاخرة بالعمل الدءوب والعطاء، ولا نبالغ إذا قلنا إنه أوقف حياته لله تعالى ولا نزكيه على الله سبحانه، الأمر الذي جعل تجربته جديرة بالتأمل والاحتذاء.

 

وللتذكير فقد استهل حياته بحفظ القرآن الكريم، وهو في سن العاشرة والنصف، وحصل على جائزة الملك فاروق التي خصصها لِمَن يُتِم حفظه كاملاً قبل سن الثانية عشرة، هذه البداية الصحيحة أهلته لكي يكون رمزًا من رموز الدعوة والفكر على مستوى العالم.

 

كنت قد تعرفت على الراحل الجليل عن بعد، وتحديدًا من خلال مذكرات العلامة الدكتور يوسف القرضاوي "ابن القرية والكتاب"  وثنائه الدائم عليه طوال صحبة دامت أكثر من 65 عامًا؛ حيث كان رفيقًا لدربه الدعوي منذ سني حياته الأولى في المعهد الديني وحتى وفاته رحمه الله، وكنت أنظر إلى مواقف هذه الشخصية الكريمة بإعجاب في زمن عزت فيه القدوة الحسنة.

 

ومضت الأيام وشاء الله تعالى أن أسافر للعمل في الكويت، وتعرفت عليه عن قرب، وتعددت لقاءاتي معه من خلال زياراته المتكررة لهذا البلد، وكان كلما حل ضيفًا عليه ضربت معه موعدًا لإجراء حوار صحفي، وكلما قابلته أزداد له حبًّا، ورغبة في مرافقته، فالرجل كان مدرسة ربانية في كسب القلوب وتأليفها وتنوير العقول وتوجيهها، وبعث الأمل في النفوس وتزكيتها، وكان رحمه الله إذا التقيته يخجلك بحسه المرهف وشدة تواضعه وزهده وأدبه الجم ودماثة خلقه ورقته النادرة، بل ويبهرك بعلمه الغزير وقوة منطقه واعتزازه بدينه وثقته في نصر الله.

 

وحتى أواخر حياته كان رحمه الله إذا حل ضيفًا على الكويت لا يمِل ولا يكِلُّ من التواصل مع رموز المجتمع وقياداته الخيرية والإسلامية على اختلاف أفكارهم وتياراتهم؛ ليعرض عليهم مشكلات الأمة وهمومها وآلامها وآمالها، ويدعوهم إلى دعم هذا المستشفى أو تلك المدرسة أو الجامعة الفلانية، وكان رحمه الله محل ثقة هؤلاء جميعًا، وقد عاينته يتحدث مع أصحاب الفكر الإخواني والسلفي والصوفي بأسلوب راقٍ ورقيقٍ، ويستحث الجميع على تضافر الجهود من أجل تعليم أبناء المسلمين الفكر الوسطي المعتدل لمواجهة حملات التغريب.

 

وتطورت العلاقات حتى صرت واحدًا من رواده، ألتقيه كلما سنحت الفرصة، وأذكر أنني زرته ذات مرة في بيته بحي المعادي، وكان في ضيافته عدد من العلماء، وما أثرى مثل تلك اللقاءات، وتحدث كل عالم وأفاض، وكان منهم د. محمد سليم العوا المرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية، ود. سيد دسوقي المفكر المعروف وآخرون لا أذكرهم، وما زال في ذاكرتي بعض المواقف التي ذكرها د. العوا ، وثني عليها الباقون، وكانت تدور حول علاقة شيخ الأزهر الأسبق جاد الحق علي جاد الحق بنظام مبارك الغاشم.

 

الموقف الأول: أن الراحل الشيخ جاد الحق كان إذا علم أن النظام سيورطه في مقابلة مع شخصيات صهيونية أو غيرها مما يسيء لقاؤها للأزهر ومواقفه، كان يختفي عن الأنظار تمامًا حتى ينتهي إلى علمه أن هذه الشخصية قد غادرت البلاد، ولم تكن الهواتف النقالة قد اخترعت بعد حتى يتوصلوا إلى مكانه.

 

الموقف الثاني: أن الشيخ جاد الحق كان يتخذ له مستشارين غير رسميين من خارج المشيخة طالما وثق في علمهم وصدقهم وإخلاصهم، وذلك لإبداء الرأي في القضايا ذات الصلة، ومن هؤلاء المستشار طارق البشري ود. العوا.

 

الموقف الثالث: أن الرئيس المخلوع اتصل بالشيخ جاد ذات مرة ليراجعه في شأن فتوى أصدرتها هيئة كبار العلماء، وكان ببساطة يريد إلغاءها بغض النظر عن المشروعية من عدمها، ولا أذكر حول أي موضوع، فما كان من الشيخ جاد- وفق رواية د. العوا- إلا أن وعده بإحالة المسألة إلى العلماء لدراستها مرة ثانية، وذلك بعد إصرار من الرئيس المخلوع ومحاولات من الشيخ جاد لإقناعه بصحة الفتوى وبحثها جيدًا من جانب العلماء، وذكر د. العوا الذي حضر الوقعة، أن الراحل ظل ثابتًا على مبدئه طوال المهاتفة التي استمرت لدقائق.

 

 وعلى عادة أستاذه وإمامه الشهيد حسن البنا، لم يشغل د. العسال نفسه كثيرًا بتأليف الكتب، فقد كان مهمومًا بإعداد الرجال وبناء الكوادر وصناعة الرموز وإقامة المؤسسات، وكان إذا التقاه أحد للمرة الأولى، يتجاذب معه أطراف الحديث حول الأمة وهمومها وتحدياتها، فيشعر وكأنه أصبح واحدًا من تلامذته ومريديه، وقد لا ينصرف من لقائه إلا وقد ارتبط معه بتكليف أو عمل ما، وربما يتصل به لاحقًا ويسأله عن هذا التكليف هاتفيًّا أو لدى لقائه في مرات مقبلة.

 

كان رحمه الله لا يزوره أحد إلا ويبدأ معه الحديث من منطلق قرآني؛ فيقول قرأت اليوم الآية الكريمة ثم يتلوها ويتناول ظلالها، ثم ينطلق منها مستدلاً بالسيرة النبوية والسنة الشريفة، ثم يعقد مقارنة مع الواقع، ويطلب من زائريه أن يتدبروا في معاني القرآني الكريم ويستخرجوا منه الكنوز واللآلئ، ويدرسوا السيرة النبوية والسنة الشريفة حتى يحسنوا التعامل مع الواقع.

 

ولم يحل عدم اهتمامه بتأليف الكتب دون تكريس جل حياته في وضع المناهج التعليمية والاهتمام بقضية التعليم وتربية الشباب والتركيز في دروسه ومحاضراته على ضرورة تحصين هذه الشريحة الواعدة ضدَّ الأفكار التغريبية.

 

كان رحمه الله أحد أبرز مؤسسي الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد، وعلى مدى عشرين سنة قضاها في إدارة الجامعة- أستاذًا ونائبًا للرئيس ورئيسًا ومستشارًا- نجح رحمه الله مع عددٍ من العلماء ورجالات الخير في أن يجعل منها منارةً للعلوم والثقافة الإسلامية في قارة آسيا، يؤمها الطلاب من كل حدب وصوب، حتى أطلق عليها البعض "أزهر آسيا".

 

جاب رحمه الله دولاً كثيرة حول العالم، وخاصة دول الخليج طارقًا الأبواب لجلب التمويل لبرامج الجامعة ومشاريع تطويرها، وفيها تخرج آلاف الطلبة الآسيويين والروسيين والأفارقة، وعادوا إلى بلادهم دعاة متسلحين بالفكر الإسلامي الوسطي.

 

والخطير في الأمر أن الجامعة تعيش حالةً من اليتم من بعده، تعاني تدهورًا حادًّا ولا يتقاضى بعض أساتذتها رواتبهم، مما قد يؤثر سلبًا في مستقبلها، وقد رفعت مصر دعمها عنها في عهد النظام المخلوع تحت حجج ودعاوى واهية، وهو الأمر الذي يتطلب من أهل الخير أن يهبُّوا لنجدتها وتقديم الدعم لها تعزيزًا لرسالتها التعليمية الوسطية.

 

وقد روى أحد المقربين من الراحل أنه كان- رحمه الله- مرجعيةً لكثير من الباحثين وطلبة العلم، ونُقِل عن العلامة الدكتور يوسف القرضاوي أنه قال في جمع من طلبة العلم: إن "العسال مرجعية وموسوعة فقهية، غير أنه لم يلقَ حظه من البروز الإعلامي، وإن كان ذلك قد وفق رغبته"،وحينما كان البعض يستفتي د. القرضاوي في بعض المسائل كان يطلب من مستفتيه أن يسأل د. العسال؛ لإلمامه بتفاصيل هذه القضية أو تلك على أرض الواقع.

 

 ورغم أن الراحل كان يحمل فوق رأسه هموم الأمة في حله وترحاله، فإنه كان دائم التفاؤل والاستبشار، ولم يكن حديثه يخلو من الكلام حول النهضة والحضارة والمستقبل وأخلقة المجتمع والقراءة والثقافة والعلم والتعلم، وأن الأموال لا تصنع الحضارات وإنما الأخلاق والمبادئ هي التي تبني الأمم ويستدل بقول أمير الشعراء:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت               فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا

 كما كان- رحمه الله- لديه أمل كبير في التغيير، ولعل هذا الشعور النبيل كان نابعًا من إخلاصه- ولا نزكيه على الله- وصدقه وثقته في الله وإيمانه بقوة المنهج الإسلامي وحاجة الأمة الماسة إلى تطبيقاته بعد فشل كل المشاريع والأفكار والنظريات الرأسمالية والشيوعية والمادية.

 

الراحل أحب الخير وأهله، وأعطى بلا حدود، وأسهم في تأسيس العديد من المؤسسات الخيرية والإسلامية والتعليمية ومنها: الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، ويروي عارفوه أنه طوال عمله في الجامعة الإسلامية كان يحصل فقط على 50% من راتبه، ويتبرع بالنصف الآخر لدعم الأنشطة الإسلامية والدعوية، كما كان يتبرع بكل ما يحصل عليه من علاوات وامتيازات مالية لمساعدة طلبة العلم، بل ذكر عنه أنه أنشأ في إحدى مقاطعات الصين معهدًا لإعداد الدعاة من ماله الخاص، وأعد صندوقًا من ماله أيضًا لمساعدة أبناء الأقليات المسلمة بل كان يسهم في زواجهم حتى يضمن لهم أسرًا مسلمة مستقرة؛ تستطيع أن تعمل للإسلام في بلدانها. 

 

 وقد شاء الله تعالى والتقيت شابًّا صينيًّا ضمن وفد إسلامي كان يزور الكويت، وتحدثت معه عن أوضاع المسلمين في الصين، وكان يعمل مترجمًا من وإلى العربية في أوساط شريحة رجال الأعمال، ولما وجدته يتحدث اللغة العربية بطلاقةِ سألته عن المدرسة أو الجامعة التي تعلم فيها وعلى يد من؟، فذكر الجامعة الإسلامية العالمية وعلى يد أحد مؤسسيها الدكتور العسال، بل أضاف أنه هو الذي سعى لتزويجه من إحدى بنات وطنه وقدم له الدعم المادي، وأخذ عليه عهدًا وموثقًا أن يعمل للدعوة بعد تخرُّجه، وها هو الشاب قد نفذ وعده، وخصص موسمًا معينًا للعمل، وهي فترة معينة يزور فيها التجار العرب الصين، ثم يتفرَّغ بقية العام للعمل الدعوي، وذلك لندرة الدعاة.

 

لم يكن الدكتور العسال عالمًا تقليديًّا حافظًا للمتون والحواشي، وإنما كانا مربيًا فاضلاً وعالمًا عاملاً ومجاهدًا واسع الأفق، يؤمن بشمولية الإسلام كمنهج حياة، لديه خبرة إدارية واسعة في إدارة المؤسسات، أمضى حياته متجولاً في العديد من دول العالم دارسًا ومحاضرًا وداعية إلى الخير وقيم الإسلام، عقيدةً وشريعةً، عبادةً ومعاملةً، دعوةً ودولةً ودينًا ودنيا.

 

كان رحمه الله يجيد اللغة الإنجليزية ويتحدثها بطلاقة ويخطب بها، فقد سافر إلى إنجلترا عام 1965م؛ لدراسة الدكتوراه وحصل عليها من جامعة كمبردج في أصول الفقه عام 1968م، وظل هناك حتى عام 1970 م، واستثمر هذه الفترة التي قضاها في لندن فأنشأ دار الرعاية الإسلامية التي أصبح لها الآن أكثر من 20 فرعًا، وكانت تسكن بجواره بعض العائلات المسلمة غير الملتزمة، وقد أُعجِبَ أفرادها بحسن أخلاقه وطريقة معاملته الراقية وسعة اطلاعه وأسلوبه الحسن في توجيه النصيحة؛ فتأثروا به كثيرًا، وأصبحوا من أهل المبادئ والقيم.

 

صحيح أن الراحل لم يُرزَق أولادًا، لكنه كان أبًا روحيًّا لكل مَن عرفه وتتلمذ عليه، جمع الله في قلبه حب الناس وخاصة أبناء الصحوة الإسلامية على اختلاف مشاربهم الفكرية، فكان لا يعرف الكره ولا الضغينة، كان يتحدث بالقرآن والسيرة والسنة ما جعله محلاً للإجماع.

 

بعد أن أقعده المرض ولزم الفراش كان دائم السؤال عن تلامذته من أبناء الصين وتايلاند وسريلانكا وإفريقيا، وكان يقول لمحدثيه: "استوصوا بهم خيرًا"، وكان يرى أن إفريقيا بصدد العودة إلى الذات الإسلامية، وأن الغرب يهتم بها الآن، وعلى المسلمين أن يولوها اهتمامًا خاصًّا.

 

هذه مجموعة من الخواطر والمواقف التي أسأل الله تعالى أن ينفعنا بها، ورحم الله أستاذنا الكبير الدكتور العسال وأدخله فسيح جناته.