اللهم بارك لنا فيما بقي من شعبان وبلّغنا رمضان..
يقول ربنا عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾ (البقرة).
ويقول رسولنا صلى الله عليه وسلم: "ألا إن لربكم في أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها".
وتلكم نسائم نفحة هذا الشهر العظيم قد أهلّت.
ونسائم شهر رمضان العظيم هذا العام قد أهلّت بعد أن أنعم الله عزَّ وجلَّ علينا بنسائم الحرية.. نسائم الأمن والأمان والسكينة والطمأنينة.
بعد هذا العهد البائد الذي كان عنوانه تعكير الصفو على المسلمين وإرهابهم حتى في مساجدهم، وفي هذا يقول ربنا عز وجل: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114)﴾ (البقرة).
فطهّرنا الله بقوته ومعيته من هؤلاء الذين يصدُّون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا.. فحقٌ لنا أن نفرح بذلك.. نفرح بنصر الله وتمكينه.
نفرح بتطهير مساجدنا ممن كان يمنعها أن يُذكر فيها اسم الله، وكان يسعى في خرابها، وهذه نعمة تستوجب الشكر العملي.. إننا الآن مطالبون جميعًا بالعمل والعمل الجاد الدءوب الذي يتطلب قوة نفسية عظيمة تتمثل في عدة أمور:
* إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف... الإرادة.
* وفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر... الوفاء.
* تضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل... التضحية.
* معرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له- يعصم من الخطأ فيه، والانحراف عنه، والمساومة عليه، والخديعة بغيره... المعرفة.
هيا أيها الأحبة نُتم هذا الشكر العملي لنعم الله عزَّ وجلَّ علينا، واستجابة لقائدنا ورسولنا صلى الله عليه وسلم الذي دعا إلى تقديم وتبني المبادرات العملية بقوله:
"تكون بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا ، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا ، يبيع أقوام دينهم بعرض الدنيا".
هلموا إلى رحمات ربكم ومغفرته وعتقه سبحانه وتعالى لنا من النار.
هيـــا إلى المبادرات العملية طاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم ولربنا عزَّ وجلَّ.
* فلنبادر باستحضار واستعظام نية عمارة المساجد في صلوات الجماعة، ولنتنافس ولنتسابق على الصف الأول: "إن الله وملائكته يصلون علي الصف الأول".
* لنبادر باستحضار واستعظام نية المحافظة على تكبيرة الإحرام لنستأهل البراءتين.. وذلكم حديث النبي صلى الله عليه وسلم "من صلى لله أربعين يومًا لا تفوته تكبيرة الإحرام كُتب له براءتان: براءة من النفاق وبراءة من النار".
فلنبدأ من اليوم هذه المبادرة الروحية، ونطلب من الله العون عليها أثناء رمضان ثم نُتبع رمضان بصيام ست من شوال، ولنستمر في مبادرة تكبيرة الإحرام.
(أيام بقيت من شعبان + شهر رمضان ثلاثون يومًا + ست من شوال) فيكتمل لنا بفضل الله الأربعون يومًا.. إن شاء الله عزَّ وجلَّ.
ولا تنس أخي الحبيب.. أختي الفاضلة:
أنك بتلك المبادرة أيضًا ستنال فضل الله عزَّ وجلَّ وتُصبح من عُمّار المسجد.. لقوله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ (18)﴾ (التوبة).
الفرحة بعمارة المساجد وهي لأول مرة منذ ثلاثة عقود- على الأمل- تتحرر من أولئك الذين كانوا يُسخّرونها لأغراض شخصية تصب في مصلحة النظام، وخرجت بذلك من رسالتها.
ولْنسعد جميعًا بنداء الله عزَّ وجلَّ "إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زواري فيها عُمّارُها .. فطوبى لعبدٍ تطهر في بيته ثم زارني في بيتي ، فحقٌ على المزور أن يُكرم زائره".
وهل هناك أكرم من الله الكريم؟!.
إنها منح الله وعطاياه في هذا الشهر الكريم.
وتذكر أخي الحبيب.. أختي الفاضلة.. ثواب المحافظة على النوافل الراتبة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي روته أم المؤمنين السيدة أم حبيبة رضي الله عنها وأرضاها: "من صلى لله اثنتي عشرة ركعة تطوعًا غير الفريضة في يومه وليلته بنى الله له بيتًا في الجنة".
والثواب العظيم لفضل قيام رمضان.. في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه".
والفضل العظيم من الله العظيم الكريم في قيام ليلة القدر.. في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه".
* هيا إلى الفرحة الكُبرى.. الفرحة بالصيام، ولنبادر باستحضار واستعظام نية صيام خصوص الخصوص، الذين لا يصومون فقط عن الطعام والشراب والشهوة ولا يصومون فقط بجوارحهم وإنما يجتهدون ويصومون بقلوبهم عن الدنيا، يصومون بقلوبهم وهمتهم وإرادتهم عن سفاسف الأمور؛ لكي يُصنعوا على عين الله لحمل المهام والتبعات التي لا يقْوى على حملها إلا الرجال.
وتلكم غاية الصوم العُظمي... ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
وحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يصخب، وإن سابه أحد أو قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم".
إني صائم اللغو.. المقاتلة.. الشتيمة..
إني صائم بجوارحي.. إني صائم بقلبي.. إني صائم بإداراتي وهمتّي..
وهذا هو العمل الوحيد الذي اختصه الله به: "كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به".
* ولنبادر جميعًا في هذا الشهر العظيم بمبادرة الروح حتى نحمل أرواحًا نتحرك بها لله عزَّ وجلَّ.. نُجاهد بها.. ننهض بها.. ثم ننهض بمن حولنا.
فإذا امتلكنا الروح.. استطعنا أن نرى بأرواحنا كما قال إمامنا الشهيد حسن البنا: "أنتم روحُ تسري".
وهذه المبادرة أركانها:
* القرآن العظيم: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)﴾ (الشورى).
* حامل الوحي الأمين: جبريل عليه السلام ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾.
* النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ (194)﴾ (الشعراء).
* وأنت أيها الإنسان بعد أن نفخ الله عزَّ وجلَّ فيك من روحه ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ (9)﴾ (السجدة).
* مبادرة القرآن الكريم:
ومن فضل الله علينا في شهر الصيام أنه شهر القرآن الكريم، وزاده الله شرفًا بنزول القرآن الكريم جملةً واحدة في ليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر:
("إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)) (القدر)
فلنبادر بروح تعلق القلب وأشواق التلاوة والتدبر للقرآن الكريم؛ حيث إن الثواب يُضاعف في شهر رمضان
"ومن تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه"..
وثواب تلاوة الحرف الواحد من القرآن الكريم كما بشرنا بذلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، (عشر حسنات)
"لا أقول (ألم) حرف، ولكن "ألف" حرف و"لام" حرف و"م" حرف".
فلك أيها الأخ الكريم.. أيتها الأخت الكريمة.. مضاعفة الأجر والثواب لكل حرف تقرؤه من القرآن الكريم ..إنها عمليات حسابية للترغيب في الأجر والثواب، ولكن مثل ذلك كله نحن نوقن أن فضل الله لا حدود له فالله، سبحانه وتعالى، يُضاعف لمن يشاء، والله عز وجل هو الواسع العليم.
فلنبادر بالتنافس في هذا الميدان الخصب الذي يبعث فينا الروح.
لننطلق.. لننهض.. ثم لننهض بمن حولنا..
ثم مصرنا الغالية.. ثم أمتنا العربية والإسلامية.
(وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ (26)) (المطففين).
* وتلكم هي مبادرة العبادة والنهضة:
في صدر سورة المزمل الآيات من 1 إلى 10.. ستة ميادين للنهضة.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ *قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلا *نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلا *أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا *إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وطئا وَأَقْوَمُ قِيلا *إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلا *وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا *رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا *وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا) (المزمل).
الميدان الأول: قم..
الميدان الثاني: رتل..
الميدان الثالث: اذكر..
الميدان الرابع: تبتل..
الميدان الخامس: اصبر..
الميدان السادس: اهجر..
* ثم تأتي مبادرة الذِّكر.. وما أدراك ما الذكر:
الذي قال عنه النبي، صلى الله عليه وسلم: "هل أدلكم على خير أعمالكم وأزكاها عند مالككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، يا رسول الله، قال: "ذكر الله تعالى".
وهذا الصحابي الذي قال لرسول الله، صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، كثُرت عليَّ شرائع الإسلام، فدلني على شيء أتشبث به، قال: "ليكن لسانك رطبًا بذكر الله".
فلنبادر بإعداد "ورد ذكر يومي".. وما أرحب هذا الميدان وأوسعه! من تسبيح وتحميد وتهليل وتكبير واستغفار وتلاوة للقرآن وصلاة على النبي محمد، صلى الله عليه وسلم.
ولنستثمر الأوقات البينية في الذكر المُطلق الذي لا حدود له؛ لقول الله عز وجل في سورة الأحزاب.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا *وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا *هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) (الأحزاب).
وقوله سبحانه وتعالى أيضًا: (والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات) (الأحزاب: من الآية 35).
فالذكر الكثير علامة من علامات البراءة من النفاق: (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلاً (142)) (النساء).
فالبدار.. البدار..
والتمام ..التمام..
والتنافس.. التنافس...
موقنين بقول الله تعالى: (ما عندكم يَنْفَد وما عِنْدَ الله باق) (النحل: من الآية 96).
* مبادرة العبادة وفعل الخيرات:
يدخل في تلك المبادرة كل أنواع الخير، من صلة للأرحام، ومواساة للأيتام، وبر وصدقات، خاصة صدقة السر التي لا يراك فيها سوى الله: "ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه"، وإطعام للطعام، وإفشاء للسلام، ولين في الكلام؛ حيث إن في الجنة غرفًا يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها.. قالوا لمن يا رسول الله؟ قال: "لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام".
والسعي في حاجة الأرملة والمسكين من خلال بر رمضان الواسع الرحب الفسيح إلى غير ذلك من الميادين التي يفتح الله بها علينا.
* مبادرة الجهاد وإعزاز الشريعة:
نأتي إلى حصاد المبادرات كلها في الطاعات والعبادات التي نهضت بالمسلم والمسلمة فسعدوا بفضل الله، وخرجوا بصيامهم وفطرهم وستكون الفرحة الكبرى عند لقاء الله تعالى.
والحصاد لذلك كله هو مجاهدة النفس؛ لكي ترى سعادتها في إسعاد الآخرين: (وجاهدوا في الله حق جهاده) (الحج: من الآية 78).
وهنا ستتحقق لك "خشية الله وحده".. فلم يعد هناك من يُرهبك، لم يعد هناك من يمنعك من ذكر الله في المسجد، لم يعد هناك من يسعى في خراب المساجد
إخواني.. أخواتي..
وأخيرًا وليس آخرًا..
لنحذر.. الرياء.. النفاق.. حب المحمدة.. العُجْب..
لنحذر من أمراض القلوب .. مداخل الشيطان..
والعاصم من ذلك كله هو الإخلاص الكامل لله عز وجل؛ لقوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5)) (البينة).
فالله لا يتقبل من العمل إلا ما كان خالصًا صوابًا.. خلاصًا لوجهه الكريم.. وصوابًا؛ لأنه موافق لسنة النبي الأمين محمد، صلى الله عليه وسلم.
تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.
-----------
* مدير مدارس الإيمان الإسلامية