بقلم: د. صلاح عبد الحميد زيدان

 

اعلم أيها الصائم أن عبادة الصوم من أعظم العبادات وأجل الطاعات، وهي عبادة السر التي قال الله تعالى عنها كما في الحديث القدسي: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به، إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي".

 

وكان شأن الصالحين من هذه الأمة سلفًا وخلفًا الفرح لقدوم هذا الشهر الطيب المبارك ويتمنون أن يدركهم رمضان وهم أحياء ليتقربوا إلى مولاهم، ويتعرضوا إلى رحمات الله ونفحاته، ويستغفروا الله ويتوبوا إليه، سائلين مولاهم العظيم أن يعتق رقابهم من النار في هذا الشهر العظيم، فالصوم حماية ووقاية من النار، فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الصوم جُنّة يستجن بها العبد من النار"وقال أيضاً: "من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا"

 

وإذا بلغهم رمضان جدُّوا واجتهدوا في العبادة وأخلصوا لله وهم على وجل؛ خشية ألا يقبل منهم صومهم وقيامهم، فتراهم خاشعين كأنهم مرضى، وما هم بمرضى، فإذا انقضى رمضان حزنوا عليه حزنًا شديدًا، كأن القوم فقدوا عزيزهم وحبيبهم الذي يبلغهم منازل الأبرار، فتراهم مشفقين.. يسألون الله أن يتقبل منهم صلاتهم وصيامهم وصدقاتهم اعتكافهم، وتمر الأيام والليالي وقلوبهم شاخصة إلى رمضان القادم؛ ما وجدوا في رمضان الماضي لذة الطاعة وحلاوة النجوى وأنس القربى، فيصومون النوافل؛ انتظارًا للغائب الحبيب، ووصالاً لتلك الطاعة العظمى، وتمر السنون وهم ما بين مستقبل متلهف مشتاق يدنو بناظريه إلى قدوم هذا العزيز الغالي، وبين معانق لياليه يكابد السهر ويعالج النوم واقفًا يتلو آيات الله ويناجي ربه في جوف الليل، ويستشعر عظمة الله، ويوقن بأنه قريب إليه؛ حيث ينزل ربنا إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الأخير؛ ليغفر الذنوب، ويتجاوز عن المسيء.

 

فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: "قد أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه، فيه تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم".

 

إن شهرًا بهذه الأوصاف، لخليق بنا أن نحسن استقباله، وأن تزداد أشواقنا إليه، شوق الحبيب الذي طال انتظاره؛ لما يحمله من منح ربانية، ونفحات إيمانية، بفتح أبواب الجنان، وغلق أبواب النيران، وحبس شياطين الجان، وفي نهايته تعتق الرقاب من النيران، برحمة رحيم كريم منان، وأعمال صالحة توضع في الميزان، جعلنا الله وإياكِم من أهل الإيمان والإحسان.

 

ومن صور استقبال الصالحين للشهر الكريم يقول أحد السلف عن إخوانه: "كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر بعد انتهائه أن يتقبله منهم".

 

وهذا أحد السلف هو يحيى بن أبي كثير يصف لنا دعاء الصالحين فيقول: من دعائهم: "اللهم سلمني إلى رمضان، وسلم لي رمضان، وتسلمه مني متقبلاً".

 

كيف يستعد المسلم لشهر رمضان؟

1- ممارسة الدعاء قبل مجيء رمضان ومن الدعاء: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان"، "اللهم سلمني إلى رمضان وسلم لي رمضان وتسلمه مني متقبلاً".

 

2- هناك نيَّات صالحة ينبغي استصحابها قبل دخول رمضان: ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه في الحديث القدسي: "إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا اكتبها له حسنة"، ومن النيات المطلوبة في هذا الشهر: نية ختم القرآن لعدة مرات مع التدبر، ونية التوبة الصادقة من جميع الذنوب السالفة، ونية أن يكون هذا الشهر بداية انطلاقة للخير والعمل الصالح وإلى الأبد بإذن الله، ونية كسب أكبر قدر ممكن من الحسنات في هذا الشهر؛ ففيه تضاعف الأجور والثواب، ونية تصحيح السلوك والخلق والمعاملة الحسنة لجميع الناس، ونية العمل لهذا الدين ونشره بين الناس مستغلاًّ روحانية هذا الشهر، ونية وضع برنامج مليء بالعبادة والطاعة والجدية بالالتزام به .

 

3- الفرح بقرب بلوغ هذا الشهر العظيم، فإن بلوغ شهر رمضان من نِعَم الله العظيمة على العبد المسلم؛ لأن رمضان من مواسم الخير، الذي تفتح فيه أبواب الجنان، وتُغلق فيه أبواب النيران، وهو شهر القرآن، قال الله تعالى: "قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ"

 

4- إبراء الذمة من الصيام الواجب: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَقُولُ: "كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلا فِي شَعْبَانَ". قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ويؤخذ من حرصها على ذلك في شعبان أنه لا يجوز تأخير القضاء حتى يدخل رمضان آخر.

 

5- الجلوس مع أهل البيت من زوجة وأولاد؛ لإخبارهم بأحكام الصيام وتشجيع الصغار على الصيام.

 

6- تذكر هذه الأقوال طيلة زمن الصوم: "إنما فرض الله الصيام ليستوي به الغني والفقير"، "إنما أُمرنا بالصوم لكي نعرف ألم الجوع والعطش فنستدل على فقر الآخر"، "لكل شيء زكاة وزكاة الأبدان الصيام"، "صوم النفس عن لذات الدنيا أنفع الصيام"، "فرض الله الصيام ابتلاء لإخلاص الخلق".

 

---------

* موجه اللغة العربية بإدارة إدفو التعليمية بأسوان.