- أصر على نقله مع الضابط صديقه فاستشهدا معًا

- عرف بإمامته للمجندين وكان خطيبهم المحبب

- وضع في أول رمضان مع زملائه الجنود برنامجًا لقيام الليل

- عائلته تطالب بالقصاص من الكيان الصهيوني

حوار: سارة محمد علي

 

أن يحزن أهل على فقدان ابنهم فهذا أمر طبيعي، أما أن نجد منطقة بأكملها يخيم على كل أهلها الحزن والألم لفقدان شاب من شبابها، فهذا ما يثير التساؤل عن سر ذلك الشاب الذي جعل كل العيون تدمع عليه، ولا يفارق قلوب كل من عرفوه الحزن والألم.

 

نتحدث عن طه محمد عبد القادر، مجند شاب عمره 22 عامًا استشهد على الحدود المصرية برصاص صهيوني غادِر خلال العدوان الصهيوني على حدودنا فجر الجمعة الماضي، فخرج كل أهالي المعصرة عن بكرة أبيهم يبكونه ويودعونه بقلوب تعتصر ألمًا وحزنًا على فراقه.

 

البر يتجسد

(إخوان أون لاين) كان في قلب الحدث، وانتقل لمنزل الشهيد بعرب سلام بالمعصرة، وحدثتنا والدته وعيناها لا تتوقف عن الدمع عن ثان ابن لها تفقده بعد أن فقدت ابنها الأكبر غرقًا في البحر منذ عامين، واليوم يلحق به ابنها الأصغر لكن ألمها هذه المرة أكبر بكثير؛ لأنه كان أبرَّ أبنائها بها، فكان لا يمر يوم دون أن يطمئن عليها بأكثر من اتصال يوميًّا، وفي حالة وجوده في القاهرة كان لا يتركها إلا ليذهب لعمله أو للصلاة وباقي الوقت يقضيه معها محتضنًا لها ومقبلاً لرأسها ويديها كل دقيقة، ومهما اعترضت على أي تصرف له لا يجادلها ولو بكلمة واحدة، ويطيعها ويفعل لها كل ما تأمره به وينفذه بمنتهى الرضا والسعادة حتى إن كان على عكس إرادته، وكان يحرص كل الحرص على عدم إزعاجها، فإن وجدها نائمة في أي وقت يبقى صامتًا تمامًا ولا يُحدثُ أي أصوات في البيت حتى لا يقلقها.

 

وظل طه كذلك حتى آخر إجازة له جاء فيها إلى القاهرة في أول أيام شهر رمضان المبارك، وكانت أول مرة يصر فيها على إزعاج أمه وإيقاظها من نومها بأي طريقة، وحينما تعجبت من فعله هذا الغريب عليه، قال لها: "سامحيني يا أمي أني أيقظتك لتجلسي معي، فربما تكون تلك هي آخر مرة نجلس فيها معًا وأنا أريد أن أشبع منك".

 

صلة الرحم

قاطعتها أخته الكبرى هدى لتضيف على كلام والدته قائلة: "لو كنا فكرنا فيما قاله لأمي وما فعله معنا لكنا علمنا أنها لحظات حياته الأخيرة، فقد أصر على تجميع إخوته السبعة أول يوم رمضان، رغم أنها لم تكن عادتهم، لكنه أصر على تجميعهم وقال لهم: "ربما يكون آخر رمضان نلتقِي فيه معًا، وبعد الإفطار أخذهم ومر بهم على كل أقاربهم ليزوروهم حتى من كانوا على قطيعة دامت لسنوات، ويقول لهم لنتحمل ونأتي على أنفسنا، ونذهب لهم، ولنصل رحمنا حتى إن إحدى قريباته رفضت تفتح له فأصر على الذهاب إليها مرارًا وتكرارًا حتى استرضاها، واطمأن أنه سوف يموت وقد وصل كل رحمه وضمن رضاء كل أهله وأقاربه عنه.

 

وبينما تتحدث هدى انهارت من البكاء أمل أخته الوسطى قائلة عنه: لو لم يكن طه شهيدًا فمن إذاً يستحق الشهادة؟، لقد عاش حياته كلها بارًّا بوالديه طائعًا لربه خائفًا إياه، معلمًا لكل من حوله الالتزام والتدين ومساعدًا لهم على التقرب من الله، وبعيدًا عن أي شيء يغضبه.

 

الإمام الشهيد

 الصورة غير متاحة

 المجند طه عبد القادر

ويؤكد هذا الكلام المجند محمد سعيد صديق طه على الجبهة، والذي حكى لنا أن طه كان إمامهم دائمًا في صلاة الجماعة، وكان يخطب فيهم خطبة الجمعة، وفي رمضان كان طوال الشهر يصلي بهم قيام الليل ويوعظهم مواعظ رمضانية، ويحثهم فيها على اغتنام كل دقيقة في هذا الشهر الكريم، ويساعدهم في وضع برامج لاستغلال الشهر استغلالاً صحيحًا واكتناز أكبر كم من الحسنات.

 

ويضيف أنه عندما كانت تحدث مشكلات أو قلق على الحدود، خاصةً وقت القصف الصهيوني لغزة كان يمر طه على المجندين زملائه يثبتهم، ويقول لهم إنهم إن ماتوا فهم شهداء، وكان يتمنى دائمًا أن يستشهد، وكثيرًا ما سمعه أصدقاؤه يدعو الله أن يرزقه الشهادة حتى استجاب ربه لدعائه، موضحًا أن طه كان جندي اتصال، وكان يخدم في نقطة أخرى غير تلك التي استشهد فيها، ومنذ أيام تم نقل الضابط المقرب إليه أحمد جمال إلى النقطة 76 شرق، ووقتها ألّح طه وأصر على أن يُنقل معه؛ لأنه كان يحبه جدًّا، وبالفعل تمت الاستجابة لطلبه وتم نقله ليستشهد بعد أيام هو والضابط الذي أحبه وحارب لينقل معه نفس النقطة؛ ليستشهدا معًا ويلقيا ربهما معًا ويدخلا الجنة معًا بإذن الله.

 

 وقع الصدمة 

لحظة تلقي خبر استشهاد طه كانت أقسى لحظة مرت على والده في حياته، حيث ذهب ليصلي الجمعة في المسجد المجاور لمنزله ففوجئ بإمام المسجد ينعى ابنه في الخطبة فلم يصدق الأب؛ لأن من المفترض أن كان يتم إبلاغ الأب أولاً باستشهاد ابنه قبل إمام المسجد، فصرخ في الإمام متهمًا إياه بالكذب، فأخبره الإمام أنه رأى الخبر في نشرة الأخبار فكذَّب الأب، وتعهد برفع قضية على تلك القناة التي أذاعت خبرًا كاذبًا عن ابنه.

 

وظل الأب في حالة عدم التصديق حتى فوجئ بجثمان ابنه قد وصل إليه ومعه شهادة وفاته وتصريح دفنه، ولكنه ظل أيضًا في حالة ذهول، وحاول كشف وجه ابنه ليتأكد ولكن الضباط رفضوا ومنعوه هو وأهله من رؤية ابنهم الشهيد، فطلب الأب من زوج ابنته أن يصوره داخل القبر؛ لأنه المكان الوحيد الذي لن يستطيع أحد فيه منعهم من كشف وجهه لأن السنة تقتضي كشف وجه المتوفى في القبر.

 

الشهيد المبتسم

وبالفعل التقط زوج الابنة صورة للشهيد في قبره، وعندما رآها الأب كانت اللحظة الأولى التي يصدق فيها أن ابنه قد فارق الحياة، ووقتها شعر بأسى وحزن لم يشعر بهما من قبل في حياته، لكن ما كان يخفف عنه مصيبته هو أن تلك الصورة التي التقطت لابنه داخل القبر تظهر وجه ابنه وهو مبتسم، ما جعل الأب يصبر نفسه ويطمئن بأن ابنه في منزلة عالية عند ربه، وخير ألف مرة من تلك الدنيا التي طالما آسى فيها وعانى من آلامها.

 

قتل عمد

كلام الأب قاطعته الابنة الصغرى لمياء والأخت الأقرب للشهيد طه قائلة: "أريد القصاص لدم أخي الذي حُرمت منه، أخي الذي قتل غدرًا بيد كافرة لا تعرف دينًا ولا عهدًا، أخي الذي شارك الكل في قتله، فطالما حكى لنا عن عدم الاهتمام بتأمينهم على الحدود، بينما يؤمن الجندي الصهيوني بكل الوسائل الممكنة، أخي الذي قُتل وبعدها يقال إنه قُتل خطأ ونحن على يقين أنه قتل عمدًا وليس خطأً، والرصاصة التي كانت في جسده رصاصة غائرة محدد مكانها بدقة، وليست رصاصة طائشة، ورغم ذلك بقي حيًّا ينزف بلا إسعاف حتى وصل إلى مستشفى العريش التي تبعد ساعات عن مكان حراسته.

 

وتكمل لمياء متسائلة: "هل هذا جزاء من يحمي حدودنا ويحافظ على أمن بلدنا؟، يموت غدرًا ولا نرى أي رد فعل ويقولون لنا: "نحن لا يمكننا دخول حرب، ونحن نقول لهم ليكن"، ولكن هل من الصعب أن نطالب بتسليم من قتل أبنائنا للعدالة لنقتص منهم؟، ثم ماذا لو كان المقتول عسكري صهيوني؟ هل كانوا سوف يصمتون ويقبلون القول بأننا قتلناه خطأ؟، لماذا هذه الاستهانة بدماء شهدائنا، حتى مجرد سحب السفير أو قطع العلاقات مع بني صهيون لا نقدر عليه؟ وأي اعتذار هذا الذي يتحدثون عنه؟ هل الدم يساوي اعتذارًا؟ واعتذار هزلي لا قيمة له؟ لا وألف لا،ولن نصمت قبل القصاص لحق أخي وإخوانه الشهداء.

 

أواصر الأخوة

جهشت لمياء بالبكاء ثم عادت تستجمع قواها وترتب كلماتها لتحكي لنا عن آخر موقف حدث بينها وبين أخيها الشهيد، وتروي أنها نجحت في الثانوية العامة منذ أيام، فأقام لها طه حفلاً كبيرًا وجمع لها فيه كل أقاربها وأصدقائها، وبارك لها واحتضنها حضنًا جعلها تشعر وقتها بشيء غريب، وكأنه كان يعلم أن تلك هي آخر مرة يحتضنها فيها.

 

وبينما تتحدث لمياء لفت انتباهنا أطفال صغار لا يتجاوز عمرهم سبع السنوات، يبكون بكاء شديدًا، وبسؤالهم عن سبب بكائهم اتضح أنهم يبكون على صديقهم الشهيد الذي على الرغم فارق السن بينه وبينهم، فإنه كان دائمًا يلعب معهم ويدخل السرور على قلوبهم ويصطحبهم معه للصلاة في المسجد ويحفظهم القرآن، ويحدثهم عن الجنة ونعيمها ويحثهم على العمل من أجل دخولها والتنعم فيها.

 

أخلاق الشهداء

أخلاق طه يحكي عنها كل أهله وجيرانه وأقاربه والكل يذكره بالخير، ويؤكدون أنهم لم يروا شابًّا بروعة أخلاقه؛ لكن أكثر شيء يؤكدونه ويمتدحونه فيه هو غضه لبصره وتعليمه تلك القيمة لكل من حوله وحثهم عليها.

 

وحول حكايته مع ثورة الخامس والعشرين من يناير يقول صديقه عبد الله، إن طه حاول بكل الطرق أخذ إجازة والنزول للقاهرة للمشاركة في الثورة، لكن قياداته رفضت وقالوا له إن مصر في وقت  زمة الآن، ولا بدَّ من أن تبقى لحماية الحدود حتى لا يستغل أحد الفرصة للدخول إلى الأراضي المصرية متسللاً؛ فبقي طه على الحدود، لكنه كان يتصل يوميًّا بكل أهله ليطمئن أنهم يشاركون في الثورة وموجدون بالميدان، ويحكي لهم عن رغبته الشديدة في المشاركة في الثورة، والاستشهاد في الميدان؛ لكن الله شاء أن يعطيه الشهادة التي أرادها لكن في مكان آخر أراده الله له.