انقضى شهر رمضان شهر الصيام والقيام، شهر أقبلت فيه أنفس بجدٍ واجتهاد على العبادة والتقرب إلى الله بأنواع الطاعات، وشتى القربات، الشهر الذي جعل الله فيه الصيام لحكمة ذكرها عز وجل فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)) (البقرة).

 

فهل تحقق معنى التقوى في القلوب؟ أم أنها أيام انقضت وأدينا فيها ما أدينا ثم نعود لما كنا عليه من سالف أيامنا قبل رمضان؟

 

إذا أردت أن تعرف فانظر إلى حالك بعد رمضان هل أنت من الثابتين؟

 

هل ضاع منك فجر يوم العيد وما بعده؟ هل هجرت كتاب الله؟ إن كنت كذلك فأنت من عُبَّاد رمضان، وقد انقضى رمضان وذهب إلهك.

 

أما إن كنت عابدًا لله فالله في كل الشهور وفي كل الأوقات وهو ربها وخالقها، فلِمَ تهجره بعد رمضان؟ أم أنك صرت من الواثقين من قبول أعمالهم وركنوا إليها؟

 

لقد كان السلف الصالح يجتهدون في إكمال العمل وإتمامه وإتقانه ثم يهتمون بالقبول ويخافون من رده: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60)) (المؤمنون).

 

عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله، (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) أهو الرجل يزني ويشرب الخمر؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويتصدق ويخاف ألا يقبل منه".

 

وعن الحسن قال: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) قال: يعملون ما عملوا من أعمال البر، وهم يخافون ألا ينجيهم ذلك من عذاب ربهم.

 

وقال الحسن أيضًا: إن المؤمن جمع إحسانًا وشفقةً، وإن المنافق جمع إساءةً وأمنًا، ثم تلا الحسن: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60)) (المؤمنون)، وقال المنافق: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي) (القصص: من الآية 78).

 

وحكى ابن جرير قول سعيد بن جبير: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ): يفعلون ما يفعلون وهم يعلمون أنهم صائرون إلى الموت وهي من المبشرات.

 

أي أنها علامة القبول للأعمال الصالحات، فالخوف والوجل من أن يُردَّ العمل دليلٌ على حقيقة إيمان العبد بوعد الله ووعيده، وهي أيضًا أعمال صالحة يُثاب عليها العبد كما يثاب على أعمال الجوارح، والخوف والوجل عندما يأتيان بعد عمل صالح يكون ذلك من باب إلحاق العمل الصالح بعمل صالح آخر، وهي علامة أخرى على قبول العمل.

 

فيا أهل الصيام، تذكروا أنكم إلى ربكم راجعون.. ويا أهل القيام، تأملوا.. هل بلغ بكم من الخوف والوجل بعد رمضان ما يجعلكم من أولئك الذين يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون؟ فعليكم بمواصلة العبادة بعد رمضان، والدوام على القيام والصيام والصدقة والذكر وقراءة القرآن.

 

بعد انقضاء شهر رمضان، شهر القرآن وشهر الغفران والعتق من النيران، ماذا عن الخوف من أن ترد الأعمال على صاحبها؟ هل تحقق الخوف والوجل الدافع لدوام العمل؟.

 

بعد ذلك تأمل قول عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: كونوا لقبول العمل أشد اهتمامًا من العمل، ألم تسمعوا قول الله عز وجل: (قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ (27)) (المائدة).

 

سئل الإمام أحمد عن معنى المتقين في هذه الآية فقال: يتقي الأشياء فلا يقع فيما لا يحل له.
وورد في الآية آثار كثيرة عن سلفنا الصالح، منها ما جاء عن أبي الدرداء قال: لأن أستيقن أن الله تقبل مني صلاةً واحدةً أحب إليَّ من الدنيا وما فيها إن الله يقول: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ (27)).

 

وقال علي رضي الله عنه: لا يَقِلُّ عمل مع تقوى وكيف يَقِلُّ ما يُتقبل؟.

 

كتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل: أوصيك بتقوى الله الذي لا يقبل غيرها ولا غيرها، ولا يرحم إلا عليها، ولا يثيب إلا عليها، فإن الواعظين بها كثير والعاملين بها قليل.

 

سئل موسى بن أعين عن قوله: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِين) فقال: تنزهوا عن أشياء من الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام فسماهم متقين.

 

دخل سائل على ابن عمر رضي الله عنهما، فقال لابنه: أعطه دينارًا، فأعطاه، فلما انصرف قال ابنه: تقبل الله منك يا أبتاه فقال: لو علمت أن الله تقبل مني سجدةً واحدةً أو صدقة درهم لم يكن غائب أحب إلي من الموت تدري ممن يتقبل الله: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِين).

 

وروى ابن جرير عن عامر بن عبد الله العنبري أنه حين حضرته الوفاة بكى، فقيل له ما يبكيك فقد كنت وكنت؟ فقال يبكيني أني أسمع الله يقول: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِين).. فمن منا أشغله هذا الهاجس!! قبول العمل أو رده، في هذه الأيام؟ ومن منا لهج لسانه بالدعاء أن يتقبل الله منه رمضان؟

 

فلقد كان السلف الصالح يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم شهر رمضان، ثم يدعون الله ستة أشهر أن يتقبل منهم. لقد حان وقت الرحيل، وحمل رمضان أمتعته وخيراته وبركاته ورحل عنا في تلك الليالي- وربما يكون إلى غير عودة بالنسبة لنا- فيا ترى ماذا ترك لنا؟ القبول والرضا؟ أم الخسران والمعاصي؟ نسأل الله أن يتقبله منا ويجعلنا من عباده المتقين وألا يطلع علينا فجر يوم العيد إلا وقد غفر لنا، فإن كنا غير جديرين بالمغفرة فهو جدير بالعفو وهو أهل ذلك.

 

العيد السعيد

"الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله.. الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلاً، لا إله إلا الله".

 

هتاف رائع تتغنى به الدنيا جميعًا يوم العيد، بعد أن أدى الجميع ما عليهم فرحة بالعمل، وفرحة بالقبول إن شاء الله، وفرحة بالفطر، وفرحة بالتطهر، وفرحة بقرار التوبة النصوح ولزوم باب الله، وفرحة بإدخال السرور على المحتاجين بتوزيع صدقة الفطر، سعادة غامرة تملأ القلب الذي طهر بنور الله في شهره الكريم، والذي عاش أفضل ما يكون المؤمن، وقرر أن يستمر بعدها في رحاب الله، فرحة بمولود جديد اسمه المسلم الجديد الذي قرر أن يغير العالم، وأن يحمل رسالة النور الذي رآه إلى رحاب الدنيا كلها، وأن يكون على نهج المصطفى صلى الله عليه وسلم وصحابته الذين لم يدفن منهم في أرض رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى عشرين ألف صحابي فقط، وأكثر من مائة ألف صحابي انطلقوا في رحاب الدنيا ينشرون كلمة الله حاملين الخير للعالم كله، مصلحين غير مفسدين، منشدين مع منظومة الكون الكبرى: الله أكبر الله أكبر الله أكبر.. تخلينا وتحلينا وتجلينا مع الله عز وجل وفي رحاب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وها نحن يوم العيد بعد أن لبسنا ثوب التقوى فكان العيد سعيدًا نذهب إلى ساحات الصلاة بعد أن أدينا صلاة الفجر في موعدها وبعد أن أحيينا ليلة العيد.

 

 ذكر الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه الوسيط في فقه الشافعية سنن العيد فذكر منها إحياء ليلته بالعبادة. واستدل على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أحيا ليلة العيد لم يمت قلبه يوم تموت القلوب" قال ابن الصلاح: إحياء ليلتي العيد جاء فيه ما ذكر. لكن نقله الشافعي موقوفًا على أبي الدرداء، ولفظه: "من قام ليلتي العيدين لله محتسبًا، لم يمت قلبه حين تموت القلوب" قال الإمام الشافعي رحمه الله: "وبلغنا أنه كان يقال: الدعاء يستجاب في خمس ليالٍ: في ليلة الجمعة، وليلة الأضحى، وليلة الفطر، وأول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان".

 

والحديث يحث على قيام ليلتي العيد في طاعة الله عز وجل وشكره، والثناء عليه وتعظيمه، ويحصل هذا الثواب لمن أحيا بعض هاتين الليلتين أو معظمهما، وقد خص من يحيي هاتين الليلتين بهذه الصفة العظيمة، وهذا الأجر الجزيل، بحيث يظل قلبه حيًّا بينما تموت كثير من القلوب؛ لأنه أحيا هاتين الليلتين في طاعة، بينما غفل غيره عن ذلك، أو أحياهما فيما يغضب الله، أو يسخطه.

 

وذلك لأن المؤمن لا ينسى الله عز وجل في أي وقت، وأنه إنما يفرح بفضل الله تعالى ورحمته، ويسعد بإتمام نعمة الله عليه، وتوفيق إياه لما يرضي ربه قال الله تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)) (يونس)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "للصائم فرحتان: فرحة يوم فطره، وفرحة يوم لقاء ربه".

 

فلنذهب إلى الصلاة بتلك الروح الطيبة، نذهب من طريق ونعود من طريق حتى نلتقي بكل من لم نلاقيه حين الذهاب، ونصافح جميع من يلاقينا من المسلمين؛ لتتساقط الذنوب من بين أيدينا، وتتصافى القلوب حتى ترفع الأعمال، ولنبدأ حياة جديدة يملؤها العمل الجاد والروح الوثابة، فعسى ألا يعود علينا رمضان آخر فنلقى الله إلا وقد وفينا.

 

نسأل الله عز وجل أن يعيده علينا أعوامًا كثيرة، ويجعل كل أيامنا طاعات وبركات وقربى، وأن يعيد الأمة الإسلامية إلى مكانها في مقدمة الأمم، وأن يستعملنا في دينه ولا يستبدلنا، إنه على ذلك قدير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

والله أكبر ولله الحمد، والله أكبر والنصر للإسلام.