رؤية الإمام البنا في مشروع التحرير كانت تقوم على:

- أن متانة الإعداد العسكري لا تقوم على مجرد التدريب، وإنما لابد لها من تربية وتكوين صحيح للشخصية المجاهدة، لكي تكون قادرة على الاستمرار وعلى تحمل التضحيات والتجرد والإخلاص، وهذا على مستوى الأفراد، وعلى مستوى الجماعة لابد أن يراعى التدرج في الخطوات والعمليات، وعدم كشف كل الأوراق، واختيار التوقيت المناسب، وتجنب التصفية.

 

- أهمية بناء الوعي الشعبي الحقيقي الذي لا يقوم على مجرد شعارات أو فورات حماسية ولكن أن تتحول العاطفة إلى إجراء عملي واقعي يقاوم المحتل ويحقق الاستقلال معنويًّا وفكريًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا، لقد حرص الإمام في خطته ووسائله أن يقاوم الاحتلال في مظاهره داخل النفوس والأفكار والعادات، وكان من مظاهر ذلك تحفيز الأمة لمقاطعة المنتجات الإنجليزية وصور الثقافة الغربية.

 

- كما كان له رؤية عميقة بشأن تحقيق الاستقلال الاقتصادي ليسير هذا الهدف مع تحقيق الاستقلال من الاحتلال العسكري، ولهذا كان جهاده لتمصير الشركات وتشجيع المنتج الوطني، وإنشاء الصناعات الوطنية.

 

- دعوته لتوحيد القوى الوطنية حول مشروع قومي واحد هو طرد المحتل وتحقيق الاستقلال الحقيقي، والنهوض بالأمة، وترك هذا التنازع الحزبي، واعتبر أن هذه الأحزاب قد حل بها الفساد وأصبحت ألعوبة في يد الإنجليز.

 

- الاهتمام بالضغط الإعلامي  والسياسي داخليًّا وخارجيًّا واستيعاب المتغيرات العالمية وموازين القوى الجديدة والاستفادة من ذلك.

 

لقد كان أسلوب الإمام الشهيد يقوم على العمل المتكامل وفق إستراتيجية عميقة بعيدة المدى، احتاجت منه عشرين عامًا ليصل إلى النتيجة التي استهدفها، وبهذه الرؤية وذلك الإعداد   كانت  مسألة  طرد  المحتل قد حسمت وأصبحت المواجهة العسكرية  ضد قواعده في القناة هي المرحلة الأخيرة والمسمار الأخير في نعشه، وقد أدرك الإنجليز ذلك وعرفوا أنهم سيرحلون قطعًا، ولكنهم كانوا يريدون أن يتفقوا مع من يعطيهم أكبر قدر من التنازلات.. وكان لكل هذه القوى الأجنبية هدف واحد وطلب واحد هو ضرب هذه الجماعة ومحاولة القضاء عليها.

 

ومن المهم الإشارة إلى أن الإخوان قد رفضوا بحسم ووضوح الفكرة التي تحرك بها بعض الوطنيين بالترحيب بالألمان، وتقدمهم لاحتلال مصر نكاية في الاحتلال الإنجليزي  وكان منطلق رأى الإخوان نابعًا من عقيدتهم، وكيف نستبدل مستعمرًا بمستعمر آخر؟ وإن معنى الكفاح عندهم ينبع من تفجير طاقات الأمة لدفع غوائل الاستعمار أيًّا كان لونه إنجليزيًّا أو ألمانيًّا أو غير ذلك، ولهذا لم يشاركوا في تظاهرات بعض القوى السياسية التي كانت تهتف: إلى الأمام يا روميل في 1942.

 

موجز للفعاليات والعمليات التي شملتها خطة الإخوان:

- حملات التوعية: من صحف ومجلات ونشرات وبيانات صادرة من الإخوان مع حرص الإخوان على ربط قضية الجلاء بالعقيدة، وأن تشمل الدعوة إلى فعاليات بكراهية الإنجليز ومقاطعتهم وعدم التعاون معهم، والضغط على المتعاونين معهم.

 

- عقد المؤتمرات الشعبية والندوات الجماهيرية: حول هذا الأمر، وكذلك مشاركة مؤسسات الجماعة كلها في ذلك:

 

- فكان المؤتمر العام السادس في 9/1/1941 للهيئة التأسيسية، ومسئولي شعب الإخوان وتناول فيه الإمام برؤية واضحة شئون مصر السياسية والاجتماعية والاقتصادية ومشكلة احتكار الشركات الأجنبية.

 

- المؤتمر الذي دعا إليه المركز العام ثاني أيام عيد الفطر (8 سبتمبر 1945) كل رؤساء المناطق والشعب وأعلنوا فيه بأنه على بريطانيا الاعتراف بحق مصر في الاستقلال التام وضرورة نيلها الاستقلال ورفع القيود الاقتصادية والتجارية عنها وأن لا تتدخل الحكومة البريطانية في شئون السودان، وأن تعترف الأمم المتحدة بحق مصر في ذلك (1).

 

- المؤتمر الشعبي في 28/8/1946م بالقاهرة وحضره نصف مليون فرد وطالب ببطلان معاهدة 1936م ورفض أي معاهدة قبل الجلاء التام عن وادي النيل.

 

- كانت كل احتفالات الإخوان في المناسبات الوطنية أو الدينية، تعتبر هذا الموضوع من الموضوعات الأساسية.

 

- الندوات والدروس المسجدية وخطب الجمعة، وكذلك جولات على المقاهي وأماكن التجمعات لشرح أبعاد القضية وواجب كل مصري تجاهها.

 

* الحملات الشعبية الميدانية: ومن أمثلة ذلك:

- حملة تحريق مصادر الثقافة الإنجليزية (المجلات والمنشورات).

- حملة مقاطعة كل ما هو مكتوب باللغة الإنجليزية.

- حملة تحطيم اللافتات المكتوبة باللغة الإنجليزية في المؤسسات والمحلات (وذلك بأسلوب الإقناع وإثارة الروح الوطنية وليس بأسلوب التخريب أو الفوضى) وذلك ضمن المقاومة الفكرية والثقافية لمظاهر الاحتلال.

- حملة توزيع شارة الجلاء وهي على شكل قلب ذات لون أحمر وفي وسطها كلمة الجلاء، وقد تم توزيعها في جميع أنحاء البلاد فخرجت الأمة في يوم واحد تعلق هذه الشارة على صدرها.

 

* حملات المقاطعة الاقتصادية: لكل المنتجات الإنجليزية، وكانت توجيهات الإمام الشهيد لأفراد الإخوان ولجموع الأمة: "لا تأكل ولا تلبس إلا من صنع وطنك" وقامت بطبع قائمة بالمنتجات الإنجليزية وكذلك مقاطعة المتعاونين مع الاحتلال.

 

* الإضرابات المدنية: حيث قادها الإخوان ودعوا إليها جميع أفراد الشعب وكان تفاعل الشعب معها واستجابته لها أقوى من أي استجابة للقوى الأخرى، ومن هذه الإضرابات:

- إضراب يوم الجلاء 21/2/1946.

- الإضراب العام 10/5/1946.

- الإضراب العام 8/6/1946.

- الإضراب العام21/2/1947(وذلك كيوم وطني للجلاء)

- الإضراب العام26/8/1947(استنكارًا لمعاهدة 1936)

 

* المظاهرات الحاشدة: للمطالبة بالجلاء التام: حيث نظم الإخوان وقادوا عدة مظاهرات كبيرة منها:

- مظاهرة 9/2/1946 تحت قيادة طلبة الإخوان وعلى رأسهم مصطفى مؤمن وتوجهت إلى قصر عابدين.

 

- سلسلة مظاهرات متتالية، من ضمنها مظاهرة كوبري عباس 1946 حيث فتح البوليس الكوبري على الطلاب، وأطلق عليهم الرصاص.

 

- مظاهرات أكتوبر 1946 بالقاهرة والأقاليم.

 

- مظاهرات أغسطس 1947 من الجامع الأزهر بقيادة الإمام البنا، وكان هذا متزامنًا مع عرض قضية مصر على مجلس الأمن في 5/8/1947.

 

وقد طلب الإمام يومها من جميع فئات الشعب أن يتوجهوا إلى المساجد في صلاة الظهر في ذلك اليوم للدعاء والمناصرة، وقد سبق هذا عشرات الفعاليات الجماهيرية الصغيرة والمتوسطة الحجم قبل هذا بسنوات.

 

* الضغط على الحكومة: ومطالبتها بإعلان بطلان معاهدة 36: وكانت الإضرابات والمظاهرات الحاشدة والبيانات وتعاون كل القوى السياسية في ذلك من الوسائل الأساسية للضغط على الحكومة،وكانت المطالب التي احتشدت الأمة وراءها هي قطع المفاوضات– بطلان معاهدة 36 – سحب القوات البريطانية من مصر ووادي النيل بلا قيد ولا شرط – وحدة وادي النيل... واستمر الإخوان يقودون فعاليات ضاغطة في ذلك الأمر حتى تم إلغاء المعاهدة في حكومة الوفد في 10/10/1951.

 

* الضغط الإعلامي الخارجي: ومن أمثلة ذلك:

- إرسال أحد زعماء الإخوان ( مصطفى مؤمن) إلى أمريكا أثناء عرض قضية مصر على مجلس الأمن في 5/8/ 1947، ليرد على افتراءات الإنجليز ويطالب بالجلاء التام عن مصر، ويعقد المؤتمرات الصحفية من أجل ذلك ويسد الضعف والتراجع الذي كان عليه الوفد المصري هناك.

 

- مخاطبة الشعب الإنجليزي بنداء وجهه الإمام بعد الحرب العالمية لشعب انجلترا، يطلب منهم الجلاء عن مصر طواعية، وإن إخلاف وعدها بالجلاء سيكلفها الكثير.

 

- استخدام الإمام الشهيد الضغط النفسي على الإنجليز، بتوجيه رسائل مفتوحة للشعب الإنجليزي وبرلمانه، كما أشار إلى أن سلطانهم سيزول على يد القوة الأمريكية الصاعدة بعد الحرب العالمية، وأن الأفضل لها أن تنسحب (2).

 

وأعلن أكثر من مرة أن جرائمها لن ننساها وسيأتي اليوم الذي نحاسبها عليها، وأن ما نهبته من اقتصاد مصر ومن أموالها دين عليها يجب أن توفيه.

 

- زرع عناصر لهم داخل القواعد الإنجليزية: والرصد وتجميع المعلومات عن قوات الاحتلال والشريحة المتعاونة معهم... وقد بلغ الإخوان شوطًا كبيرًا في ذلك رغم الإمكانيات القليلة وظهرت كفاءة ذلك في عمليات المقاومة.

 

- إنشاء الجهاز الخاص 1940، الذي يُعد نواة للمقاومة الفعلية وكان برنامج التربية والتكوين الشديد لأعضاء هذا الجهاز يؤهلهم لمستوى عال من العقيدة ومن الانضباط والاستعداد للتضحية، وكان لبطولاته على أرض فلسطين ثم على ضفاف القناة ما أذهل الأعداء وأثار رعبهم.

 

- تأمين منظومة السلاح وإعداد المجاهدين بها، عند مرحلة العمليات العسكرية ضد قوات الاحتلال... وقد استفاد الإخوان من مخلفات معارك الحرب العالمية الثانية، واعتمد الإخوان على جيوبهم ومواردهم في شراء المناسب من الأسلحة، وكذلك في ترتيب عمليات جريئة للحصول عليه من داخل المعسكرات الإنجليزية ومخازنها.

 

- ترتيب آليات التدريب وتوظيف عناصر الجيش والشرطة التي انضمت للإخوان.

 

- القيام بعمليات نوعية صغيرة بدءًا من عام 1940، وذلك لعمل إزعاج للمحتلين، وتدريب المجاهدين، ولكن لم يعلن الإخوان عن نسبة هذه العمليات لهم تأمينًا للإعداد، ومن أمثلة هذه العمليات:

 

- إلقاء قنابل على النادي البريطاني في أيام عيد الميلاد سنة 1942، وسنة 1947، واتهم فيها الطالب نفيس حمدي، وحسين عبد السميع، وهما من شباب الإخوان ومن أعضاء النظام الخاص.

 

- الجناية العسكرية رقم 88 لسنة 42 قسم الجمرك التي اتهم فيها جمال فكيه ومحمد عبد السلام فهمي بأنهما يعدان جيشًا لمحاربة الإنجليز.

 

- حادث القطار الذي كان يحمل جنودًا إنجليز في الشرابية، فألقيت عليه القنابل من الرصيف إلى داخل القطار أثناء تهدئته ورصدت الحكومة خمسة آلاف جنيهًا لمن يتقدم لها بدليل لضبط الفاعل.

 

لا ندعى أن كل الحوادث والعمليات كانت من عمل الإخوان، فقد كان هناك أيضًا بعض الأفراد والمجموعات الصغيرة المتحمسة من أفراد الشعب، ولكن الفرق كان جوهريًّا،فكان هناك حرص من الإخوان على ألا يصاب أحد من المصريين  وأنها كانت  ضمن   إستراتيجية  مستمرة   ومتصاعدة.

 

- مقاومة الجانب الاقتصادي للاحتلال الأجنبي: كان من وسائل المقاومة التي دعا إليها الإمام الشهيد، وانتهج بشأنها نهجًا عمليًّا، مقاومة التبعية والارتباط الاقتصادي بالاحتلال الإنجليزي واتخذ ذلك مسارات مختلفة بجانب مقاطعة منتجاته:

 

- نادى الإمام باستقلال نقد الوطن وألا يرتبط بأي عملة أخرى "إن الإسلام يوجب استقلال نقدنا واعتماده على رصيد ثابت من مواردنا ومن ذهبنا لا على أذونات الخزانة البريطانية، ودار الضرب البريطانية، والبنك البريطاني، ومن أفظع التغرير بهذا الشعب أن يسلم جهوده ومنتجاته نظير أوراق لا قيمة لها إلا بالضمان الإنجليزي".

 

أ‌- واهتم كثيرًا بقضية تمصير الشركات وإحلال رءوس الأموال الوطنية محل رءوس الأموال الأجنبية كلما أمكن ذلك وتخليص المرافق العامة – وهي أهم شيء للأمة – من يد غير أبنائها، فلا يصلح بحال أن تكون: الأرض والبناء، والنقل، والماء، والنور، والمواصلات الداخلية، والنقل الخارجي حتى الملح والصودا في يد شركات أجنبية تبلغ رءوس أموالها وأرباحها الملايين من الجنيهات لا يصيب الجمهور الوطني ولا العامل الوطني إلا البؤس والشقاء والحرمان" (3).

 

- وكذلك التصدي لاستغلال الشركات الأجنبية لثروات البلاد، واستغلالها للعامل المصري، والضغط لإحلال العمالة المصرية محل الأجنبية (4).

 

- كما حذر الإمام من السيطرة الإنجليزية على الاقتصاد المصري، وكذلك من الشركات اليهودية، وكيف أن 320 شركة أجنبية تسيطر سيطرة كاملة على اقتصاد الوطن (5).

 

- تقديم حلول عملية في هذا الميدان بتكوين الشركات الوطنية وتشجيع الملكيات الصغيرة وقام بتأسيس عدد من الشركات الوطنية... مثل شركة التعدين، شركة لصناعة الزجاج – شركة الصحافة – شركة الطباعة – شركة المعاملات الإسلامية.. إلخ.

 

وكما طالب  بسرعة استغلال منابع الثروة الطبيعية والعناية بالمشروعات الوطنية وتشجيع الصناعات المنزلية..إلخ (6).

 

- معارك القناة وتنظيمها: مع استمرار تصاعد وتيرة العمليات الفردية والصغيرة ضد قوات الاحتلال، ومع التحرك السياسي والزخم الجماهيري وتعبئة الأمة، انتقل الإخوان إلى المرحلة الأخيرة في المواجهة العسكرية مع قوات الاحتلال، ونشير  باختصار إلى ملامح هذه المواجهة وبعض الأحداث الهامة فيها:

 

- لقد دخل الإخوان معارك القناة بكتائب النظام الخاص، ومن جميع شُعب الإخوان على امتداد خط القناة ومحافظة الشرقية، بخلاف أعداد المتطوعين الإخوان من أنحاء القطر، وكذلك أعدوا كتيبة من طلاب الجامعة من خلال معسكرات التطوع.

 

- كان الإخوان بمنطقة الإسماعيلية من أسبق الشُّعب في العمليات العسكرية ضد الإنجليز حتى قبل إلغاء المعاهدة حيث كانت تقوم بـ: خطف لقادة الإنجليز – نسف لطرق قوافلهم – مهاجمة معسكراتهم – وكانوا هناك تحت قيادة الشهيد الشيخ محمد فرغلي والشهيد يوسف طلعت حتى إن الإنجليز أعلنوا عن مكافأة سخية لمن يرشد عن أيهما.

 

- وكذلك في السويس نجح الإخوان في ضرب مخازن الذخيرة وصهاريج البترول.

 

- وكانت هناك مجموعة "كامل الشريف" و"محمد سليم" حيث كانت تعمل في المنطقة من الإسماعيلية حتى بورسعيد.

 

- ومجموعة منطقة القنطرة، اشتهر منهم " د. عصام الشربيني" و "فتحي البوز" و"فوزي فارس".

 

- وكذلك مجموعة بورسعيد بقيادة " علي صديق" وكانت تضم عددًا من طلبة الإخوان والنظام الخاص، منهم الإخوة : "يوسف علي يوسف" و "فتحي العجمي" و"إسماعيل عارف".

 

- وكتيبة جامعة القاهرة ( كان اسمها وقتها جامعة فؤاد) وهي من طلبة الإخوان المسلمين بالجامعة، وقد انضم إليها بعض الأفراد الوطنيين من غير الإخوان، وكانت بقيادة " حسن دوح" وتركزت عملياتها في منطقة القرين والتل الكبير.

 

- افتتح الإخوان أيضًا معسكرات للتدريب في جامعات مصر تحت قيادتهم:

 

* معسكر جامعة الأزهر، يشرف عليه الأخ د. أحمد العسال.

 

* معسكر جامعة عين شمس، يشرف عليه الأستاذ "مهدي عاكف" والأخ د."سعيد النجار"، و "وائل شاهين".

 

* تولى كامل الشريف قيادة نصف خط المواجهة (من الإسماعيلية حتى بورسعيد) لمدة 6 شهور، ثم توحيد قيادة الجبهة كلها لمنطقة القناة إلى الأخ محمود عبده، وذلك بعد معركة التل الكبير المشهورة.

 

- من نماذج العمليات المؤثرة التي قاموا بها:

- نسف كوبري أبو حليفة.

- نسف القطار الحربي الإنجليزي بالقرب من الإسماعيلية.

- نسف معسكر أبو سلطان ومخازن الذخيرة به، وقد استمر الحريق عدة أيام.. وقد قام بهذه العملية الجريئة الشهيد يوسف طلعت.

- ضرب المصفحات الإنجليزية والدوريات الراكبة.

- نسف القطار الحربي بمنطقة الكاب.

- نسف الخطوط الحديدية وإعاقة حركة المواصلات التي يستخدمها الإنجليز.

- معركة التل الكبير حيث نسف الإخوان الخط الحديدي، وقتلوا نجدة سلاح المهندسين الإنجليز بالكامل، ثم اشتبكوا في نطاق واسع مع القوات الإنجليزية هناك عند ترعة الإسماعيلية، وكسروا الحصار الذي حاول الإنجليز فرضه، واستشهد فيها من الإخوان "عمر شاهين"، و "أحمد المنيسي"، في 11 يناير 1952. وأحدثت هذه المعركة دويًّا سياسيًّا وشعبيًّا كبيرًا.

 

- كان للشيخ محمد فرغلي دور معروف في فك حصار القوات الإنجليزية على مبنى محافظة الإسماعيلية في 25 يناير 1952 وأرغمهم على الانسحاب في نهاية الاشتباكات التي استشهد فيها عدد كبير من جنود الشرطة المصرية.

 

* كانت هناك عشرات بل ومئات العمليات، وكانت جميع شعب الإخوان على امتداد منطقة القناة في حالة استنفار وعمليات قتالية مستمرة، وساعد الإخوان فيها أيضًا الإخوان الضباط الذين كانوا بالجيش المصري وقتها مثل اليوزباشي عبد المنعم عبد الرءوف، واليوزباشي عبد الفتاح غنيم وعدد من الضباط الأحرار الذين كانوا أعضاء قبل ذلك في الإخوان، وكذلك المرحوم اللواء صلاح شادي ( من ضباط الشرطة).. وأحال الإخوان حياة الإنجليز بالقناة إلى جحيم لا يطاق.

 

* لقد سار الإمام حسن الهضيبي على نفس السياسة وعلى نفس المراحل التي رسمها الإمام البنا، وكان في عزمته في كفاح الإنجليز أقوى عزيمة وأشدّ صلابة من كل من حوله من الشباب الذين كلفهم ووجههم لقيادة وخوض معارك القناة.

 

ومضى ركب المجاهدين والشهداء إلى غايته، وأبى المرشد أن ينسب فخار هذا الجهد للإخوان المسلمين وحدهم، وإنما أعلن للناس كافة وللإنجليز خاصة، أن الأمة كلها قامت لتجاهد الاحتلال حتى لقد رفض أن يكون تشييع جنازة الشهيد عمر شاهين وأحمد المنيسي من المركز العام للإخوان المسلمين، وإنما أصر أن تخرج من ساحة جامعة فؤاد (جامعة القاهرة حاليًّا) في الجيزة لتكون رمزًا لجهاد الشعب كله وليس للإخوان المسلمين خاصة.

 

وكل ذلك كان بفضل الله نتيجة هذا الجهد وذلك الإعداد طوال تلك السنين..

 

وقفة مع نموذج لمواجهة الإمام الشهيد للغزو الأجنبي:

عند اعتداء الأجانب على بلاد المسلمين يهب الإخوان للدفاع عن أوطانهم وحرياتهم ودينهم، ويكونون في مقدمة الصفوف ويقدمون الشهداء والتضحيات، ويحكم حركتهم في ذلك:
التخطيط الجيد، استيعاب الواقع الذي يواجهونه، والحرص على استمرار المواجهة، وتفويت الفرصة على الأعداء أن يتمكنوا من محاصرة الجهاد وتصفيته، كما أنهم يتعاونون مع كل المخلصين من أبناء الوطن لدفع المعتدين، ويحرصون على وحدة الصف ويدعون لذلك، ويهتمون بتأييد الشعب للجهاد ومساندته له.

 

وقد واجه الإمام الشهيد نموذجين للاحتلال الأجنبي:

النموذج الأول: وفيه جاء المحتل الغاصب للبلاد واستولى عليها وثبت أقدامه فيها قبل ظهور دعوة الإخوان أو اشتداد ساعدها فيها، مثلما حدث مع الاحتلال الإنجليزي لمصر، والذي سيطر فيه الإنجليز على أوجه الحياة فيها، وتحكموا في مجالات المجتمع وساحته السياسية، وترسخت أقدامهم وأصبح هناك طبقة وفئة منتفعة ومؤيدة لهم، وخضعت الأمة في ظاهرها تقريبًا لسلطانهم.

 

والإخوان في مواجهة هذا الواقع الممتد الجذور وتلك الغفلة من عموم الشعب، يواجهون ذلك بخطة طويلة المدى، وعلى كل المسارات والمجالات. يستهدفون تكوين أفراد الأمة التي ستواجه وتقاتل هذا المحتل من خلال برنامج تربوي  جهادي، مع إيقاظ الأمة وتحريك روحها، وربطها بدينها وعقيدتها، والسير بخطوات متوازنة مدروسة لتحقيق هذا الهدف. وقد اتضح هذا تمامًا فيما فعله وقام به الإمام الشهيد.

 

وقد رفض الإمام أن تكون مواجهته للإنجليز مجرد مغامرة محدودة يسهل سحقها وضربها، وإنما أعد خطة وبرنامجًا متكاملاً لهذه المواجهة.

 

النموذج الثاني: وهو نموذج الغزو المتزامن في وجود الجماعة، مثلما حدث في اغتصاب اليهود لفلسطين، وهنا أصبح على الأمة أن تواجه الغزو وأن تستمر في المعركة مهما كانت إمكاناتها وأن تستبسل في الدفاع عن نفسها وأرضها، مع مراعاة ضوابط محددة:

 

- أن المعركة ضد المحتل قد تكون طويلة ولا يمكن حسمها في الوقت الحالي، نظرًا لقوة المحتل وتمكنه من السيطرة.

 

- أن معركة التحرير والمقاومة، هي هدف وجزء من منظومة الأهداف التي تعمل لها الجماعة، ولابد أن يسير العمل والتخطيط متوازيًا وشاملاً لكل الأهداف.

 

- أن كيان الجماعة وجهادها وحركتها، وسعيها لامتلاك وسائل التأثير والتوجيه لا تتوقف أو تنتهي بنهاية معارك التحرير، وجلاء المحتل، فهي تواصل العمل لتحقيق باقي أهدافها وبرنامجها المتكامل.

 

- أن المواجهة والجهاد للأجانب لا يقتصر على الجانب العسكري، وإنما لابد أن يشمل كل الميادين والأطر السياسية والاجتماعية والإعلامية والإدارية.

 

- أن الجماعة لابد لها من دعم الجماهير، وإيقاظها لتتفاعل مع هذه الحركة الجهادية وتكون سندًا لها وحماية لدورها، وأن تعمق تواجدها وريادتها للأمة في كل مجالات العمل الاجتماعي والسياسي لتكون المعبِّر الحقيقي عن نبض الأمة وآمالها.

 

- لابد من حماية ظهر المجاهدين، وتأمين قاعدة انطلاقهم الجهادي، فلا يغدر بهم، أو يتم الضحك عليهم واستغلالهم لمصالح فئة أخرى، أو تنقطع أنفاسهم ولا يستطيعون استكمال مراحل الجهاد والعمل الدعوى، أو قد يعيشون في وهم وسراب ثم يجدون أنفسهم لقمة سائغة لأعداء الله، أو قد وقعوا في حبائله لأنهم وثقوا في وعود من لا عهد له، فكل هذه محاذير يجب أن تؤخذ في الاعتبار إذا أريد لمسيرة الجهاد أن تستمر.

 

- قراءة الواقع المحلي والدولي جيدًا، والاستفادة من كل الفرص، مع التفريق بين مرحلية العمل الجهادي وتطويره من مستوى لآخر، ومواكبته للعمل وللضغط السياسي، وبين التنازل عن الثوابت أو التفريط في الحقوق، وأن تكون المستهدفات واضحة لتصل بنا في النهاية إلى تحقيق الغاية المنشودة.

 

- المحافظة على استقلالية القرار، وأن يكون التوجه والقرار بيدهم لا بيد الآخرين يستغلونه ويحركونه حسب هواهم.

 

- ألا يتسلق على أكتاف العمل الجهادي الآخرون، أو يسرقوا ثمرة جهادهم كما أنهم لا يسمحون لأحد أن يخدعهم أو يخدع الأمة، وأن يميزوا بين المخلصين وبين اللصوص والنصابين من أصحاب الشعارات.

 

ونوضح هنا أن دفع المحتل ومواجهته في هذا البلد الذي نزل  فيه  بقواته، يصبح  فرض عين على من كان بها حسب القدرة والوسع، وأن على الشعب أن يسعى لامتلاك هذه القدرة حتى ولو طال الزمن، ويصبح على شعوب العالم الإسلامي والحركات الإسلامية دعمه وتأييده بكل أوجه الدعم.

 

وإمداد هذا البلد بالرجال والمجاهدين يتوقف على تأمين ذلك المسار الذي يتم من خلاله هذا الدعم، وتحقيق الفائدة الحقيقية منه، حتى لا يتم ضربه أو إجهاضه أو يتسبب في خلل وإعاقة للدعوة، وألا ينتج عنه إضعاف أو إجهاض الحركات الإسلامية في بلادها على المدى القريب أو حتى البعيد، فليس مسوغًا أن تترك بلادها ودورها الدعوي فيه والأهداف التي تعمل لها، وهي بمثابة المرابطة على ثغرها، لتترك هذا الثغر وتنتقل هناك وتنتهي في ساحة ميدان المواجهة أمام العدو الغاصب المتفوق، فيجب أن يقدر الأمر من كل جوانبه، وبالحجم والقدر المناسبين، والمواجهة الحقيقية للعدو لها أسلوبها وخطتها، وكيفية إضعاف المحتل القوي وإيذائه وإرهاقه وإرغامه على الجلاء، ولا يقتصر ذلك على السلاح فقط بل يشمل كل مجالات الضغط والعمل، فالعاطفة لها مجالها، والقدرة على تحقيق الأهداف في الواقع شيء آخر.

 

ومع هذه الضوابط فإن الدعم المالي والإعلامي والاقتصادي والسياسي والدولي والمقاطعة الفعالة، لهو من الأهمية بمكان كبير في ظل اختلال موازين القوى، وبسبب طول المعركة المتوقعة، والراصد لسياسة وأسلوب الأمام الشهيد في هذا الميدان، عندما دفع الإخوان إلى أرض فلسطين، ليرى بوضوح كيف أنه راعى هذه الضوابط، حتى عندما أقدم النظام في مصر على حل الجماعة في ديسمبر 1948، أرسل إلى مجاهدي الإخوان في فلسطين أن مهمتهم هناك على أرض فلسطين ما زالت قائمة، وألا يلتفتوا إلى ما يحدث في مصر، وعندما اعتقلوا هؤلاء المجاهدين، لم يوجه الإخوان سلاحهم إلى من اعتقلهم من أفراد الجيش، بل ساعدوا الجيش وحموا مؤخرته بعد ذلك، وخرجت الجماعة بعد محنة 48 أقوى مما كانت بفضل حكمة الإمام الشهيد ووزنه للأمور بدقة، وقد نال في أثنائها الشهادة، ليستمر دور الإخوان في قضية فلسطين ثابتًا متناميًا.

 

وقد يحاول المحتل الأجنبي، تغيير أسلوب وصورة سيطرته على البلاد، فيسحب قوات الاحتلال تحت ضغط المجاهدين والمقاومة، لكنه يسلم الأمر لفئة من أبناء هذا الوطن، لكنها ترتبط به وتعمل لاستمرار سيطرته في النواحي الأخرى، وعلى الحركة الإسلامية أن تقطع الطريق على هذا، وأن تتقدم لتكون مقاليد الأمور بيدها وبيد المخلصين، فإذا لم تتمكن من ذلك، فلتدرك أن التحرر والاستقلال الكامل معركة طويلة. فلتحافظ على كيانها وقوتها وتستمر في منهاجها وعملها المتكامل وتسلك سبيل النضال الدستوري والكفاح السياسي والعمل الدعوي، إلى أن تحقق كامل أهدافها.

 

كما يحدد الإخوان موقفهم بوضوح وهو الرفض لأية اتفاقية مع العدو المحتل، قد تقر له باحتلال أي شبر من الوطن الإسلامي، مهما كانت الظروف والأحوال ومهما كانت التضحيات في إعلان موقفهم وتوعية الجماهير به لأن الأمة تنتظر رأي الإسلام ورأي الجماعة ولا يجوز لها السكوت في هذا الموقف.

 

وهم كذلك لا يمكن أن يتنازلوا عن ثوابت الإسلام في هذا المجال، حتى لو تنازلت الحكومات والشعوب ولا يقرون لهم بذلك حتى ولو أجمعوا على تلك الاتفاقيات التي تقر للعدو باغتصاب الأرض، إنما يستمرون في دعوتهم والثبات على موقفهم حتى يثوب الجميع إلى أحكام الإسلام.

 

وموقفهم من اتفاقية كامب ديفيد مع الكيان الغاصب خير دليل على ذلك، رغم ما تعرضوا له من تضييق وإيذاء.

 

وهذا المبدأ أعلنه الإخوان قديمًا وعبر عنه الإمام الهضيبي رحمه الله عام 1954، فقال في خطاب وجهه لجموع الإخوان المسلمين: ( .. وهذا الذي فعله الإخوان المسلمون من معارضة كل اتفاق مع المستعمرين ليس شهرة عندهم، وإنما هو أصل دينهم، فإن أحكام الإسلام تقتضي أنه إذا وطئت أقدام العدو أرض المسلمين وجب على واحد منهم صغيرًا أو كبيرًا – الرجل والمرأة في ذلك سواء – أن ينهضوا لدفع العدو أيًّا كان حتى يعيدوه إلى عقر داره، وإذا كان ليست لنا قوة على ذلك حتى الآن، وإلى أن يمنحنا الله القوة لدفعهم أو يوجد من أسباب ضعفهم ما يمكننا من ذلك، فليس لنا أن نرضى بوجودهم على أرض الإسلام بمقتضى اتفاقات نعقدها معهم، ولا أن نرضى بأي ارتباط كان.. فإذا جلوا عن أرض الإسلام فللمسلمين أن يرتبطوا بالاتفاقات التي تقتضيها مصلحة الإسلام، وإذا كانت بعض الحكومات تضطر إلى قبول مثل هذه الاتفاقات فمما يخالف هذا الأصل أن يرضى الإخوان المسلمون به أو يوافقوا عليه، ويجب على الإخوان المسلمين أن يحافظوا كل المحافظة على هذا الأصل حتى لا يقعوا فيما وقع فيه غيرهم مختارين أو مضطرين إلى مخالفة الأصل الذي قدمته لكم .. ) (7).

 

ويقول أيضًا:( .. والإخوان المسلمون على ما أوصاهم به ربهم لا يؤيدون جزافًا ولا يعارضون جزافًا، وإنما هم تبع للحق أينما كان ولو كان من خصومهم، وضد الباطل أينما كان ولو كان مع أصدقائهم..) (8).

 

وإذا كان الإخوان في بلد ما من الضعف أو في بداية الدعوة والتكوين، ولا يستطيعون الإعلان، فإن الجماعة بقيادتها العالمية تقوم بذلك وتعلن على الأمة كلها ليعرف الجميع رأى الإسلام.

 

وها هو الإمام الهضيبي رحمه الله يقول في نهاية خطابه الذي أشرنا إليه: ( أيها الإخوان إن من شأن الدعوات ألا تترخص في شيء من أصولها فكونوا مستعدين للموت في سبيل دعوتكم، فإن من مبادئنا " الموت في سبيل الله أسمى أمانينا" والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (9).

----------------------

* الهوامش:

(1) مجلة البلاغ 11 سبتمبر 1945م .

(2) والدي الشهيد أ. سيف الإسلام صـ33 .

(3) رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي .

(4) مجلة التعارف يونيو 1940- وكتاب دور الإخوان المسلمين في المجتمع المصري . ج6 ص،78 .

(5) مجلة النذير أغسطس 1939، وكتاب الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ ج1 277 – 278 .

(6) رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي .

(7) من خطاب الإمام الهضيبي إلى الإخوان المسلمين في مايو 1954 بعد خروجه من السجن في مارس 1954 وفيه توضيح لموقف الإخوان من بنود اتفاقية الجلاء التي عقدها عبد الناصر مع الإنجليز.

(8) المصدر السابق .

(9) من خطاب الإمام الهضيبى إلى الإخوان المسلمين في مايو 1954 بعد خروجه من السجن في مارس 1954 وفيه توضيح لموقف الإخوان من بنود اتفاقية الجلاء التى عقدها عبد الناصر مع الإنجليز.

-------

* عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين