- د. الأشعل: الموقف التركي جاء مشرفًا وقطع العلاقات نهائيًّا الخطوة القادمة

- د. جميل حسين: تقرير بالمر تأكيد لـ"صهينة" المؤسسات الرسمية الدولية

- د. طارق عبد الجليل: تركيا وضعت قضية العرب الأولى في مقدمة أولوياتها

- د. عماد جاد: على الحكومات العربية أن تسير على خطى تركيا لتستعيد كرامتها

 

تحقيق: أحمد هزاع

جاءت المواقف التي اتخذتها الحكومة التركية مؤخرًا بطرد السفير الصهيوني وتجميد الاتفاقيات العسكرية كافةً مع الكيان؛ ردًّا على تقرير "بالمر" حول حادث الاعتداء على أسطول الحرية وقتل 9 نشطاء أتراك على متنه منذ ما يقارب العام ونصف، فضلاً عن إقامة  دعوى قضائية أمام محكمة العدل الدولية بـ"لاهاي" لفك الحصار فورًا عن قطاع غزة والإعلان عن أنها لن تنتظر رد المحكة الدولية وستقوم بإرسال أسطول مساعدات جديد؛ لإغاثة الشعب الفلسطيني تحت حراسة قوات البحرية التركية؛ لتأمينها من هجمات الصهاينة في حال اعتراض الصهاينة له، في الوقت الذي تقف الحكومات العربية سواء دول الربيع العربي أو غيرها صامتة إزاء الحصار الجائر المفروض على الشعب الفلسطيني، والانتهاكات المتكررة للصهاينة التي كان آخرها قتل 5 جنود مصريين على الحدود المصرية الفلسطينية المحتلة.

 

مصر الثورة وقفت مكتوفة الأيدي تجاه تصرفات الكيان الصهيوني غير المسئولة، ليس هذا فحسب؛ ولكن المؤسف هو ذلك "الجدار العازل" الذي أمرت حكومة الثورة والمجلس الموقر ببنائه؛ لحماية سفارة الكيان الصهيونية وتأمينها من غضبة الشعب المصري الثائر على دماء شهدائه، وتركت السفير الصهيوني يتجول في شوارع القاهرة ويد الكيان تقطر بدماء أبناء الشعب المصري، وكأنه يسير في "عزبة أبوه" في أمن وأمان وراحة واطمئنان.

 

موقف تركيا جاء وصمة عار في جبين الدول العربية، وبصفة خاصة مصر الثورة التي ولغ  العدو في دماء أبنائها المراقة على الحدود وخضَّب يداه بها في عرس كبير أقيم على شرف  "موت النخوة"- ليس لدى ملايين الشعب المصري- ولكن في نفوس قلة وضعها الشعب في مكان ليست أهلاً له، وسارت على  خطى المخلوع  في تأمين الكيان والدفاع عنه وحمايته.

 

(إخوان أون لاين) يناقش القرارات التركية وآثارها في ظل الخنوع العربي وانصياع المجتمع الدولي للصهاينة.

 الصورة غير متاحة

 د. عبد الله الأشعل

 

بدايةً يقول الدكتور عبد الله الأشعل، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق وأستاذ القانون الدولي: إن تركيا حريصة على أن تُظهر للكيان الصهيوني أن دماء الأتراك ليست رخيصة كما يظن، وأن الفرد التركي يساوي الكثير، وكرامته لن تكون هينة أمام أي دولة مهما كانت ولا يمكن أن تهان.

 

ويري أن الرد التركي جاء مخططًا، ولم يكن عشوائيًّا؛ حيث عملت في إطار سلسلة إجراءات بدأتها بسحب سفيرها فور مقتل أبنائها المشاركين في أسطول الحرية، وانتظرت تقرير الأمم المتحدة وعندما جاء مخيبًا للآمال قامت بطرد السفير، وتخفيض التمثيل الدبلوماسي، وتقدمت بشكوى إلى المحكمة الجنائية الدولية، وهذه هي الطريقة الوحيدة لمحاسبة القادة العسكريين للكيان الصهيوني، متوقعًا أن تكون الخطوة القادمة من جانب تركيا هي قطع العلاقات تمامًا مع الكيان إذا لم يعتذر ويقدم الجناة إلى المحاكمة.

 

ويوضح أن محكمة العدل الدولية مثلها مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدوليين؛ لأن هذه الأجهزة تعتبر محافل للصهاينة والأمريكان، وأن المحكمة الدولية ستأخذ وقتًا طويلاً للحكم، ومن المؤكد أن يكون مماثلاً لتقرير "بالمر" بعد طويل انتظار، ولكن الخطوات التي اتخذتها تركيا تعد ضربات موجعة للكيان؛ خاصة أنها كانت تمثل الحليف الإستراتيجي الأهم له في المنطقة.

 

ويستطرد: "إن تركيا وضعت مصر في موقف محرج؛ ففي الوقت الذي ترفع فيه من سقف مطالبها وتتخذ إجراءات رادعة ضدد تجاوزات الكيان نرى الجانب المصري لا يحرك ساكنًا تجاه جريمة الصهاينة على الحدود"، مؤكدًا أن أقل رد فعل مصري واجب هو تعديل اتفاقية "كامب ديفيد" خاصة فيما يتعلق بالنواحي الأمنية، قائلاً: "ليس معقولاً أن نترك الجيش الصهيوني يمرح في سيناء كما يشاء دون رادع؛ لأن الخطر الحقيقي يأتي من الإرهاب الصهيوني، وليس من أي شيء آخر".

 

وينتقد بشدة السياسة المصرية الحالية مع الصهاينة التي تخفض مكانة مصر الإقليمية والدولية، مطالبًا المجلس العسكري وحكومة الثورة باتخاذ ضغوط دبلوماسية مثل: طرد السفير، وتخفيض التمثيل الدبلوماسي، كما فعلت تركيا، وضرورة إجراء تحقيق دولي وليس ثنائيًّا، وإدخال الولايات المتحدة الأمريكية طرفًا في القضية باعتبارها الراعي الرئيسي لما يسمى بعملية السلام المزيف بين مصر والصهاينة.

 

فضيحة قانونية

ويري الدكتور جميل حسين، أستاذ القانون الدولي وعميد كلية الحقوق بجامعة بنها السابق، أن الأمم المتحدة كعادتها في مثل تلك المواقف لم تستند إلى القانون الدولي عند إعدادها لتقرير "بالمر" الذي يخالف القانون الدولي ويعتبر قطاع غزة لا يزال تحت سيطرة سلطة الاحتلال الصهيوني، بالرغم من تجريم القانون لممارسات الكيان وتجويع أكثر من مليون ونصف مليون مواطن في قطاع غزة؛ مخالفًا لكل الاتفاقات والأعراف الدولية إلى مستوى جريمة حرب؛ واصفًا قرار الأمم المتحدة بشرعية حصار غزة بـ "الفضيحة القانونية"، وذلك بموجب المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب.

 

ويضيف أن مثل هذه التقارير لم يعد مقبولاً؛ إذ من شأنها أن تضر بموقف المنظمة على الصعيد الدولي، ويفقدها ثقة الرأي العام العالمي، ويجعل الدول والشعوب لا تُعول عليها كثيرًا في حفظ الحقوق وصيانة الحريات.

 

ويري أن هناك تناقضًا واضحًا بين الحقيقة على أرض الواقع وتقرير "بالمر"؛ حيث إن نتائج التحقيق جاءت مُسيَّسة وليس لها أي صلة بالقانون الدولي، متوقعًا مماطلة محكمة العدل الدولية بصدد الدعوى التركية، وفي النهاية سيكون الحكم النهائي لصالح الصهاينة؛ لخضوع المحكمة للكيان كما هو الحال بالنسبة للأمم المتحدة.

 

كرامة تركيا

ويؤكد الدكتور طارق عبد الجليل، مدير مركز القاهرة للدراسات التركية، أن الموقف التركي إزاء بلطجة الكيان الصهيوني يهدف بالدرجة الأولى إلى تحقيق كرامة الشعب التركي، وبعث رسالة للكيان والغرب بأن دماء الأتراك لا تضيع هباءً.

 

ويضيف أن الإجراءات التركية أتت في السياق الطبيعي لما كانت تسير فيه السياسة التركية من وقت حدوث الأزمة؛ حيث حددت 5 خطوات لعودة العلاقات مع الكيان الصهيوني إلى طبيعتها تحقق منها اثنتان، وهما: استعادة السفينة "مرمرة" وفتح تحقيق دولي ولكن نتيجته جاءت على غير المتوقع، وكانت لصالح الصهاينة وأهملت الحق التركي.

 

ويري عبد الجليل أن تركيا وضعت قضية العرب الأولى وهي الحصار الجائر على قطاع غزة  في مقدمة أولوياتها في الوقت الذي لم تحرك الجامعة العربية والدول العربية التي باعت القضية الفلسطينية ساكنًا وارتمت في أحضان الغرب، وفرقت شملهم الأهواء والمصالح الشخصية، مشيرًا إلى أن الكيان حاول أكثر من مرة تأجيل تقرير"بالمر"، وكان آخرها في 28 أغسطس، وحاول نتنياهو أن يؤجله لمدة 6 أشهر، ولكنه لم يفلح، وعندما( ثم ) جاء التقرير مناقضًا لتوقعات تركيا بإدانة الإجرام الصهيوني.

 

ويطلب من السلطات المصرية استغلال الضغط الشعبي والثأر لشهداء الجنود المصريين   وتشكيل لجنة دولية؛ للتحقيق فيما جرى على الحدود المصرية؛ حيث إن اللجان الثنائية ليس لها أي جدوى، مؤكدًا في الوقت نفسه أن كل ذلك لا ينفي أن تعديل اتفاقية كامب ديفيد أمر مطلوب على وجه السرعة؛ لأن الأمور تغيرت، وحتى تعرف كل دولة حدودها ووضعها العسكري.

 

مكر صهيوني

 الصورة غير متاحة

د. عماد جاد

ويرفض الدكتور عماد جاد، الخبير بوحدة العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات  السياسية والإستراتيجية، تقرير الأمم الأمتحدة المعروف بتقرير "بالمر" الخاص بالاعتداء الصهيوني على أسطول الحرية، والذي اعتبر الحصار الصهيوني على قطاع غزة قانونيًّا، وأن الأسطول  تصرف بطريقة متهورة عندما حاول كسر الحصار البحري للمواطنين العزل بقطاع غزة الأبي الرافض لسياسات الصهاينة، والرضوخ لتعليماته وأوامره، مؤكدًا أن التقرير الأممي لا يعبر عن رؤية محايدة، وإنما يعبر عن وجهة نظر الصهاينة من القضية، وهذا أمر متوقع من المؤسسات الدولية كافةً.

 

ويصف الموقف التركي بالرائع، الذي أثبت ولأول مرة في تاريخ المنطقة العربية والإسلامية أن دماء شهدائنا ليست رخيصة، وأن سياسات القتل والاستهداف التي عكف الصهاينة على اتباعها تجاه العرب والمسلمين مرفوضة، ولن يتم السكوت عليها بعد اليوم، وعلى الحكومة المصرية أن تسير على خطى الأتراك الرافضين لانتهاك حق أبنائها.

 

ويري أن الموقف التركي يضرب المثل للحكومات العربية والإسلامية التي تتخاذل عن اتخاذ موقف حاسم تجاه العدو الصهيوني الذي يأتي علي هيبتها وينتهكها بشكل مستمر من وقت لآخر وآخرها مقتل الجنود المصريين علي الحدود  والهجوم الشامل علي قطاع غزة وحصاره إلى الآن، مضيفًا أنه في حالة عدم اعتذار الكيان عن جرائمه بشأن أسطول الحرية ودفع التعويضات الكاملة لأسر الشهداء عن تلك الجريمة النكراء فسيكون الرد التركي حاسمًا، وهو قطع العلاقات نهائيًّا، وهو ما يمثل بداية النهاية لهذا الكيان الغاصب، داعيًا الحكومات العربية والإسلامية إلى دعم الموقف التركي المدافع عن قضايا العرب وهمومهم.

 

 ويضيف أن رائحة الضغوط الأمريكية والصهيونية على المنظمة الدولية تبدو واضحة للعيان في تقرير "بالمر"؛ ففي الوقت الذي توقع الرأي العام العالمي أن يأتي التقرير ملبيًا لطموحات الشعب التركي ولدماء شهداء الحرية الذين ضحوا بأرواحهم فداء لشعب محاصر، جاء مخيبًا للآمال، ومظهرًا للمساندة غير المبررة للعدو الصهيوني الغاشم.