من الواجبات الدينية المفروضة على المسلم في كل وقت: معرفته بالسنن الإلهية التي سنَّها الله لتيسير هذا الكون؛ لأنها تبصِّر بكيفية السلوك الصحيح في الحياة؛ حتى لا نقع في الخطأ والعثار والغرور والأماني الكاذبة، وبذلك ننجو مما حذرنا الله منه، ونظفر بما وعد الله به عباده المتقين: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا (56)) (النور).
ولا نكاد ننفك عن الحديث عن السنن الإلهية– ولا ينبغي– إلا ونتطرق إلى الحديث عن البناء الحضاري؛ لأنه إذا كان الكون هو الوعاء المكاني لوقوع هذه السنن الإلهية، فإن التاريخ هو الوعاء الزمني لهذه السنن الإلهية: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا (46)) (الحج)؛ إذ السير في الأرض يُذكِّر بالأمم الخوالي، فيحصل الاتعاظ والادكار.
ليس ذالك إلا لكون الشهود الحضاري من دعائم الأمور، والحضارة ليست شيئًا عظيمًا فقط، بل إنها بكليتها شيء لا يماثله شيء آخر في هذا العالم العضوي، فهي النقطة الواحدة التي يسمو عندها الإنسان بنفسه فوق قوى الطبيعة.
فقد يجد الإنسان نفسه بين ركام من الصراعات؛ صراع سياسي، وصراع اقتصادي، وصراع ثقافي، وصراع حضاري؛ وإذا كان الصراع السياسي والاقتصادي هما أبرز ما يلفت النظر في هذه الصراعات، وقد يبدو- للنظرة المتعجلة- أخطرها، فهو عند التأمل المتأني المتعمق يبدو أقل خطرًا من الصراع الفكري والحضاري؛ ذلك لأن الظروف السياسية والاقتصادية كثيرة التقلب وسريعة التبدل .. تحدث فجأة وتزول– أيضًا– فجأة؛ بحيث تبدو الأمور حين تزول أسباب التغير السياسي والاقتصادي وكأنها لم يكن.
أما التغير الفكري والحضاري فهو بطيء في سريانه وفي تفاعله، ولكنه في الوقت نفسه طويل المدى في تأثيره، وقديمًا قال علماء الاجتماع: إذا أردت أن تحصد بعد عام فازرع قمحًا، وإذا أردت أن تحصد بعد عشرة أعوام فازرع نخلاً، وإذا أردت أن تحصد بعد مائة عام فازرع فكرًا. فبناء الفكر- أي فكرٍ- يحتاج إلى قرون.
والتغير الفكري وبناء الحضارة، لا تكاد الشعوب التي تعاصره تلمس آثاره؛ إذ إنه يحدث ببطء شديد، فليس من السهل فصل الناس عمَّا تعودوا من عادات، وما ألفوا من تقاليد، وما توارثوا من عقائد، وما عانى دعاة الإصلاح في كل عصر– حتى الأنبياء منهم– في شعوبهم إلا من ذلك، فكثيرًا ما قال الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) (الزخرف: من الآية 22)، وهو حالهم دائمًا مع أنبياء الله تعالى، قال الله تعالى على لسان الكفار: (إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) (الزخرف: من الآية 23).
فالصراع الحضاري والفكري ظاهرة كونية، تعمل على مر الزمان واختلاف البيئات، وهو بعض ما يتضمنه قول الله تبارك وتعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) (البقرة: من الآية 251).
ذلك العناد من الكفار مرتبط بثقافتهم، وتلك الثقافة ترتبط بحضارتهم؛ لأن الثقافة ترتبط بالحضارة ارتباطًا وثيقًا، فإننا لا يمكن أن نتصور تاريخًا بلا ثقافة؛ لأن الثقافة هي الوسط الذي تتكون فيه جميع خصائص المجتمع المتحضر، وهي الوسط الذي تتشكل فيه كل جزئية من جزئياته؛ تبعًا للغاية التي رسمها المجتمع لنفسه، سواء في ذلك الحدَّاد والفنان والراعي والعالِم والإمام، وهكذا يتركب التاريخ.. إن تغيير هذا الفكر العنيد يحتاج من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جهدًا شاقًّا وزمنًا طويلاً.
ولذلك كان لزامًا على الأنبياء والدعاة من أتباعهم أن يملكوا مقومات التغيير، وتلك المقومات تختلف باختلاف الزمان والمكان، لكنَّ منها ما يكون بمثابة الأعمدة، وهي:
- العلم الشامل.
- والتفكير في ملكوت السماوات والأرض.
- وتكريم الإنسان.
- والمساواة الإنسانية.
- والانفتاح والتعارف بين البشر.
تلك المقومات لو امتلكتها أمة من الأمم– ولو كانت كافرة- انتصرت في الميدان الفكري والحضاري.
ونستطيع أن نقول: إن دينًا سماويًّا من الأديان أو نظامًا من الأنظمة الأرضية لم يفتح للإنسان مغاليق المدنية والحضارة، وبصَّره طريق العلم والمعرفة، وعرَّفه حقائق الكون والحياة ... كما هو محقق في الدين الإسلامي.
------------