جنة الله أهم النعم بها نعمة الحرية، حرية الفرد في كل شيء وفي كل وقت.. الفرد عندما يحتاج أي شيء في الجنة ينفذه بحرية تامة؛ ولذلك الجنة نعيم دائم لا انقطاع فيه، إذ الحرية هي الجنة، والجنة هي الحرية، وعلو شأن الجنة هو علو للحرية، والحرية التي هي شمس يجب أن تشرق في كل نفس، والتضحية واجبة من أجلها بكلِّ نفيس وغالٍ، بالنفس والمال والوقت والجهد.. كل فرد يبذل من التضحيات بقدر ما يحتاج من الحرية؛ لأن سلعة الله غالية؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة"، فالشعوب العربية الثائرة (سوريا الحبيبة بكلِّ آلامها- اليمن العزيز الصابر) مطلوب منها التضحية بكلِّ ما تملك؛ حتى تنال الشهادة أو نصر الحرية، وعندما ينالون الحرية يشعرون بصغر التضحيات؛ لأن نسيم الحرية لا يعلوه نسيم، وبسبب تضحيتهم حصلوا على تلك المنة؛ لأنه كما قيل: (إن الله لا يواتي الإنسان بالمنن إلا إذا عمل بالسنن).

 

لكن الشعوب العربية المحررة من قيد الطغاة الظالمين المستبدين عليها أحمال وأعباء أخرى؛ حتى تتمتع بذلك النسيم الرباني الذي وهبهم إياه ألا وهو الحرية، ومن تلك الأعباء:

 

أولاً: عليهم التمسك بتلك النعمة، ولا يضحون بها بأي ثمن بخس أو عرض زائل؛ سواء كان جاهًا أو سلطانًا أو مالاً.. إلخ؛ لأن الحرية عطاء وبذل، وليست أخذًا.

 

ثانيًا: عليهم العمل ليل نهار لحراسة ذلك النبراس "الحرية"؛ لأن الخالق عز وجل أمرنا بالعمل في كل الأحوال؛ ولأن ذلك النصر "نصر الحرية" نصر الاختبار والعمل! وليس نصر التمكين، فقال تعالى: (وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) (التوبة: 105).

 

ثالثًا: عدم التفرق والتشرذم؛ لأن الخالق العليم وصانا بالوحدة وعدم التفرق: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) (آل عمران: من الآية 103)، وأن نتذكر أيام ميدان التحرير.. أيام نسيان الخلافات الشخصية.. أيام الوحدة والتجرد.. أيام التحرير بكلِّ قيمه وأخلاقه.

 

رابعًا: تفضيل المصالح العامة على المصالح الخاصة والشخصية؛ لأننا في وطننا العربي لدينا الكثير من العقبات والتحديات؛ فمثلاً في مصرنا الحبيبة عندنا "مشكلة تقاطع الثورات"؛ أي: وجود أكثر من ثورة؛ فهناك ثورة 25 يناير، والثورة المضادة، ثم "ثورة التوقعات"؛ أي: كل فرد في مصر يتخيل ويتوقع أن الثورة قامت من أجل مشاكله الخاصة فقط.

 

خامسًا: الحرية طريق الريادة؛ إذ علينا تحمل الإرث الثقيل من الفساد والأزمات التي ورثناها من نظامنا البائد، بالتخلص من ذلك الفساد وتطهير كل مؤسسات الدولة من ذلك الأخطبوط المسيطر، وعلينا مهمات كبيرة؛ حتى نكون على طريق الريادة والتقدم.

 

وأخيرًا: علينا الاستعانة بالله عزَّ وجلَّ (واهب تلك الحرية) ليل نهار على حفظ تلك النعمة من الزوال وشكره عليها، وهذا يتطلب منا أمورًا عدة:

 

أولاً: لن تتم النعمة إلا بالحفاظ عليها وتأدية حقوقها.

ثانيًا: تطبيق المفهوم الشرعي للحرية وإنزال الميزان الإلهى في تلك الحرية؛ حيث تنمو القوى والمواهب وتصان الفضائل؛ بسبب التطبيق الصحيح للحرية.

 

ثالثًا: إعطاء كل قسم من أقسام الحرية حقه كما وضَّح ديننا (الحرية الشخصية- حرية العقيدة- حرية الفكر- حرية القول- حرية العمل).

 

أولاً: الحرية الشخصية لا بد لها من حرمة للذات؛ فقد قال الله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء: من الآية 70)، ثم تأمين الذات بضمان سلامة الفرد، وأمنه على نفسه وعرضه وماله؛ حيث جاء في كل الأوامر المحمدية الحفاظ على النفس وحرمتها؛ سواء كانت نفسًا مسلمة أو غير مسلمة؛ حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعدم إيذاء الذمي، فقال: "من آذى ذميًّا، فأنا خصيمه يوم القيامة".. مجرد إيذاء وليس قتلاً أو سرقة أو قذفًا.. ما أروع  حقوق المواطن في ظل الحكم الإسلامي!.

 

ثانيًا: حرية العقيدة؛ حيث قررها ديننا في قاعدة ثابتة: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة: من الآية 256).

 

ثالثًا: حرية الفكر واضحة أعظم الوضوح في حديث المعصوم: "الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أولى بها".

 

رابعًا: حرية القول التي هي حق فطري في الإسلام؛ لأنها من أهم غرائز الإنسان؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "قل الحق ولو على نفسك".

 

خامسًا: حرية العمل التي حددها الحبيب محمد في قوله: "هذه يد يحبها الله ورسوله"، وما أجمل قوله صلى الله عليه وسلم: "من بات كالاًّ من عمل يده بات مغفورًا له".

 

ومن هنا أصبحت الحرية نعمة يستمتع بها الإنسان في الدنيا والآخرة.