يقول تعالى في محكم التنزيل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4) ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107).. هذا التكريم الإلهي لأشرف الخلائق أجمعين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لخلُقه العظيم، ولقد أجمل رسولنا الكريم رسالته إلى العالمين فقال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، "وما من شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من حسن الخلق" وقال: "أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق" ويقول الشاعر:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
لذلك ونحن نتطلع إلى بناء دولتنا المنهارة بعد عصور الفساد والاستبداد بسبب النظام البائد؛ لا بد لنا من وقفة مع النفس لتحديد البوصلة إلى الاتجاه الصحيح في مرحلة بناء الدولة من جديد، ولا يصلح حال هذه الأمة إلا بما صلح عليه حال أولها، ولقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة بالصورة العملية بأخلاقه العالية قبل أن يُوحى إليه بالنبوة، فلُقِّب بالصادق الأمين واستكمل صلى الله عليه وسلم بعد ذلك منظومة الأخلاق في أرقى معانيها، حتى إن الحق تبارك وتعالى أنزل في قرآنه ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب).
وتعالوا أيها الأحباب ننظر إلى واقع الأخلاق في الممارسات اليومية في مختلف مجالات الحياة؛ فنجد التشاحن والتنافر وغياب النظام والتراحم، ونجد الأنانية والأفق الضيق والغضب والتنافس المذموم على حطام الدنيا، وفي القول السيئ من الكلمة الجارحة إلى شهادة الزور والكذب.
ونصب الشيطان حباله لاصطياد فريسته من البشر، ونجح في التحريش بينهم بعدما يئس أن يعبده المصلون، وفي وسط هذا الظلام هناك فئة من الناس رحمهم الله بحسن الخلق، وتحمَّلوا أمانة نشر الفضيلة ودعوة الناس إلى الخير، وهم كالأطباء في علاج المرضى، يتحمَّلون الأذى، ويحتسبون الجهد في الإصلاح عند الله تعالى، وهم يمثلون المنارات التي يهتدي بها الناس في الظلمات.
إنني أدعو الجميع إلى العودة إلى أخلاق الإسلام من منطلق إيماني تنفيذًا لأوامر الله عز وجل وابتغاء مرضاته واقتداءً بسنة الحبيب صلى الله عليه وسلم.
والأخلاق الحسنة هي التي تمثل الأساس الذي يقوم عليه بناء الأمة الناهضة ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (التوبة).
وليبدأ كلٌّ منا بنفسه بتزكيتها ومراجعتها في معاملته مع الناس جميعًا والتحلي بضبطها والاستعانة بالله عز وجل ثم بإخوانه من خلال مناشط التربية الإيمانية والانطلاق من المسجد في حملة بناء الوطن على قواعد الأخلاق.
وواجب على كل إنسان أن يغرس الأخلاق في زوجته وولده وأقاربه؛ بأن يكون قدوةً طيبةً، ويصبر على مجاهدة نفسه والناس.
وعلى كل منا أن يتعاون مع زملاء العمل والجيران على إرساء منظومة الأخلاق الحسنة وعلاج الأخلاق السيئة، تحت راية الإسلام وفي ظلال الحب والأخوة في الله، وانطلاقًا من قول الله تعالى في سورة العصر ﴿وَالْعَصْرِ{1} إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ{2} إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ{3}﴾.
إننا جميعًا نحب هذا الوطن ونحمد الله أن أعاده إلينا وعُدنا إليه، ولكنَّ شكر هذه النعمة يرتكز على أدائنا جميعًا، وبالأخلاق أولاً نستطيع أن نعبُر هذه المرحلة التي اختلطت فيها الأمور والمفاهيم والناس على أعتاب فتن تجعل الحليم حيران، ولكن أصحاب الأخلاق والدعوات المصلحة هم المصلحون الصالحون الذين يعالجون فساد القلوب والنفوس، ويتحملون عبء البناء والنهضة، تقودهم الآية الكريمة: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود).
وأعود لأذكر بما قلته في مقال (صلاة الجماعة وجماعة الصلاة): علينا أن نتمثل أركان صلاة الجماعة لنتحول منها إلى جماعة الصلاة خارج المسجد التي تعمل بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في توجيهه: "أَقِيمُوا الصُّفُوفَ فَإِنَّمَا تَصُفُّونَ بِصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ وَحَاذُوا بَيْنَ الْمَنَاكِبِ وَسُدُّوا الْخَلَلَ وَلِينُوا فِي أَيْدِي إِخْوَانِكُمْ وَلَا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ".
أتمنى أن نلحق جميعًا بركب أصحاب الخلق الحسن، ونشر ذلك في المجتمع المنشود على دعائم الإسلام الحنيف.. وللحديث بقية.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.