في جولة ميدانية بمستشفى النيل للتأمين الصحي بشبرا:
- أفراد الأمن يمنعون المرضى وسيارات الإسعاف من الدخول
- الأطباء تركوا المرضى وجلسوا على مقهى أمام المستشفى
- المرضى يفترشون الأرض وجراحهم تنزف ولا أحد يسعفهم
- العناية المركزة فارغة والحالات الحرجة تعود من حيث أتت
قام بالجولة: الزهراء عامر ويارا نجاتي
الأبواب مغلقة أمام الفقراء الذين لا يقدرون على تحمُّل نفقات العلاج في المستشفيات الخاصة، الآلام تكثر والحالات تتدهور وتزداد سوء وربما تصل إلى الوفاة دون علاج، والقلوب الرحيمة انتزعت منها الرحمة، وزُرع مكانها القسوة واللامبالاة، وتركت المرضي دون علاج أو رعاية طبية، والقسم الطبي الخاص بحماية المرضى وأمانة الحفاظ على أرواح المرضي حولته بضع جنيهات إلى قسم مادي لا إنساني.
اتخذ إضراب الأطباء شكلاً مختلفًا يعدُّ هو الأول من نوعه؛ حيث ترك الأطباء المستشفيات وتجمعوا بالبالطو الأبيض على مقهى أمام المستشفى، رافعين شعارًا "لو لم أكن طبيبًا لوددتُ أن أكون عاطلاً"، وهو ما فعله أطباء مستشفى النيل بشبرا.
اقتربنا من بوابة الطوارئ بمستشفى "النيل للتأمين الصحي" بشبرا، فوجدنا باب الطوارئ مغلقًا ولا تُفتح بوابة المستشفى إلا إذا أخبر المرضى الأمن أنهم متوجهون للعيادات الخارجية.
(إخوان أون لاين) دخل إلى مبنى الطوارئ بعد محاولاتٍ مع الأمن، للسماح بالدخول دون أن يعرف هويتنا الحقيقية.
![]() |
|
الأمن يوجه المرضى إلى العيادات بعيدًا عن الطوارئ، ويمنع سيارة الإسعاف من إدخال المرضى |
ومرةً أخرى وقف أمامنا عائق الأمن في الدخول إلى مبنى الطوارئ؛ حيث أكد لنا فرد الأمن أن الاستقبال خالٍ من الأطباء بسبب الإضراب الذي دخل أسبوعه الأول الآن، باستثناء طبيب الجراحة الذي يحضر لدقائق قليلة يوميًّا، وخلال حديثنا معه جاءه أحد زملائه هامسًا: "خلي بالك علشان مفيش دكاترة خالص في الاستقبال لحد ييجي يودينا في داهية".
وأخبرنا أن الكثيرَ من الحالات الخطيرة توافدت على المستشفى منذ الإضراب لكنها كانت تعود مرةً أخرى لعدم وجود أطباء لإسعافهم، وخاصةً يوم السبت الماضي الذي شهد مجيء عدد كبير من الحالات الحرجة جدًّا، وتم تحويلها إلى مستشفيات أخرى بعيدة، مؤكدًا حدوث مشاجرات باستمرار بينهم وبين أهالي المرضى، بسبب محاولات استدعاء الأطباء دون جدوى، فلا يجد الأهالي أمامهم سوى موظف الأمن ليتشاجروا معه.
ساعات من العذاب
![]() |
|
المرضى متكدسون في مدخل "الطوارئ" الخالية من الأطباء |
حالة أخرى كانت لطفلٍ صغير لم يُكمل عامه الخامس تحمله أمه مسرعةً إلى بوابة المستشفى على أمل أن تجد طبيبًا ليحدد له موعد العملية التي كان من المفترض إجراؤها الأسبوع الماضي، هذه المرة قررت الدخول إلى مدير المستشفى، فلم يقدم لها أي حلٍّ، واضطرت أن تعود إلى المنزل مع طفلها المريض دون علاج.
![]() |
|
كشك العظام خالٍ من الأطباء، وتم توجيه مريض وصل في حادثٍ إليه |
مشهد غرف الاستقبال بمبنى الطوارئ يُشعرك أنه لا يوجد في المصريين مريض وجميعهم بُرَءاءُ من الأمراض التي أصابتهم على مدار السنوات الماضية، لكنك تنسى هذه الفكرة مباشرةً بعد مشاهدة الأعداد الضخمة التي تزدحم بها ساحة عيادات "نصار" بعدما وجههم الأمن إليها، فلا يجدون فيها إلا طبيب واحد، وهو طبيب العظام يخرج الجميع من عنده غاضبين يُحدثون أنفسهم ويشكون من أسلوبه السيئ في التعامل مع المرضى.
وفي غرفة "تصنيف الطوارئ" التي يفترض أن توجه المرضى إلى الطبيب المتخصص في أمراضهم ، وعلى الرغم من خلو كل الغرف من الأطباء لكنها ظلت توجههم مع أهاليهم إلى المكان المخصص لهم، ليجلسوا دقائق هناك، ثم يعودون إليها مرةً أخرى.
جولتنا بدأت داخل غرف الكشف بقسم الطوارئ، الذي تمكنا من دخول أغلبها بسهولة لعدم وجود أي إشراف عليها، نفس الوضع تكرر في معظم الغرف ككشك العظام الذي نامت فيه الممرضة على المكتب، وكذلك القسم الحريمي، والأطفال، والأشعة التي تعطَّلت بسبب عدم وجود أطباء للتوقيع على أوراق إتمامها، أما عمليات نقل الدم فتقوم بها الممرضات بمفردهن.
![]() |
|
أم ياسمين تقف حائرة لا تجد مكانًا لرضيعتها |
وتقول إحدى ممرضات الاستقبال– رفضت ذكر اسمها- أنهن يحاولن الاتصال بالأطباء لإسعاف الحالات الحرجة لكن دون استجابةٍ؛ ما يضطرهم إلى استدعاء بعض الأخصائيين الكبار في حال وجودهم، وكثيرًا كما يكونون مشغولين في أعمال أخرى، مؤكدةً أن هذا الإضراب ليس به رحمة مطلقًا بحالة المرضى الضعفاء الذين لا ذنبَ لهم في ضعف مرتباتِ الممارسين، حتى تُغلق غرفة العمليات لأسبوعٍ كامل.
وتقف والدة الطفلة الرضيعة ياسمين التي لم تُكمل الأسبوعين من عمرها حائرةً وسط ممر "الاستقبال"، متسائلةً: "ماذا أفعل؟ الأطباء مضربون ولا نستطيع عمل أشعة على قدميها التي توقفت عن الحركة من يومين، فما الذنب الذي ارتكبته هذه الطفلة الصغيرة؟؟"
جولة حرة
العناية المركزة فارغة
أثناء جولتنا في الأدوار الخمسة في مبنى الطوارئ وجدنا أغلب غرف المستشفى فارغةً، بدايةً من غرفة العمليات المغلقة، وصعودًا إلى بقية الأدوار، القمامة متراكمة في مداخل الأدوار، والقليل من المرضى ما زالوا موجودين على أَسرتهم لا يتابعهم أحد.

في الدور الرابع العنبر "424" الوحيد الذي به 4 مرضى، منهم حالة الحاجة "أم أحمد علي" 68 سنة، التي حضرت منذ يومين بمرض "القدم السكري" فرفضوا إدخالها وبعد ضغط وإلحاح وقَّعوا الكشف عليها، ورفضوا استقبالها بالمستشفى فعادت إلى منزلها كما تقول ابنتها.
الأدوار والغرف فارغة من المرضى والأطباء، والقمامة تتراكم في المداخل

وتضيف عندما أحضرنا طبيب إلى المنزل في اليوم التالي أكد أن حالتها لا تتحمل الخروج من المستشفى، فأحضرناها ثانيةً وبعد ساعاتٍ طويلة ومحاولاتٍ ووساطة قبلوا إدخالها لأن أحد أقاربها يعمل بالمستشفى، متسائلةً: "إيه ذنب المرضى والحالات الحرجة؟، كثير من المرضى رفضت المستشفى استقبالهم وعادوا إلى منازلهم أو حولتهم إلى العيادات بالرغم من سوء حالتهم، خاصةً حالات الحوادث التي قد تموت قبل الوصول إلى مستشفى آخر".
وحول الرعاية التي تتلقاها والدتها تشير إلى أنها لا تتلقى رعايةً من الأطباء مطلقًا، لكن بعض الممرضات مروا عليها وأعطوها "جوانتي" لتزيل "الضمادة" لوالدتها من على الجرح، وتركوا قدمها مكشوفةً لساعاتٍ ولم يأتوا ليضعوا "غيار" غيره بالرغم من تأكيد الطبيب أن نسبة التلوث في هذا النوع من الجروح عالية.
آلام طوال الليل
الحاجة تكال عواد طاهر محتجزة بالمستشفى لأكثر من 3 أسابيع ولم يمر عليها سوى طبيب واحد من الأخصائيين طوال الأسبوع الماضي، ولا يتابع حالتها بعد "بتر" أحد أصابع قدميها أحد، ولا يوجد مَن يحدد لها موعد العملية الثانية لبتر أصبع آخر مصاب بـ"الجمرة السكرية"، قائلةً إن طبيبًا واحدًا يأتي بنفسه لتغيير الضمادات، وتحصل على العلاج الذي وصفه لها الطبيب بعد العملية الأولى.
المرضى يفترشون الأرض بعد خلو المستشفى من الأطباء

وتقول: إن الآلام تشتد عليها طوال الليل؛ لكنها لا تجد مَن يساعدها أو يحاول التخفيف عنها، سواء من الأطباء أو طاقم التمريض.
وفي عنبر 506 المخصص لمرضى المخ والأعصاب بالدور الخامس، تجلس صابرة محمد السيد من "الفيوم" على أرض البلكونة، لتبتعد عن الحشرات والصراصير التي ملأت الغرفة، وتقول والدتها: ابنتي أُصيبت بميكروب في المخ وحجزها الأطباء في المستشفى منذ أكثر من شهرين، وأجروا لها عملية تركيب قسطرة في المخ، وكانت حالتها تتحسن خلال هذه الفترة، إلا أن العديد من المشاكل ظهرت عليها وأصابها الإعياء الشديد؛ لأن الأسبوع الماضي لم يرها أي طبيب.
وتضيف أن القسطرة لا بد من استبدالها بشكلٍ مستمر حتى لا تتعرض للتلوث، وهو ما تقوم به الممرضات في الفترة الماضية دون أي إشراف طبي!
يبدو أن الهرب من الغرف والجلوس بالخارج هو طبيعة المرضى هناك، فعلى بعد أمتار من صابرة، يجلس أحمد عبد الواحد مع مريضين آخرين، فهو مصاب بمشكلة في أعلى العمود الفقري، ومنذ بدء الإضراب لم يتابع حالته أحد، أما الممرضات فيقمن بإعطائه الدواء الذي كتبه له الطبيب من الأسبوع الماضي.



