المنهج النبوي الذي أضاء العالم بالحرية والعدل يعطينا درسًا شافيًا بشأن محاكمة المخلوع الذي أفسد واستبد لدرجة غير مسبوقة تستحق أقصى عقوبة أبدية.

 

سقط المخلوع وكبار أعوانه لكن النظام لم يسقط بأكمله مما ينعكس على انحياز بعض أجهزة الدولة له (النيابة- الداخلية- الإعلام) بالإضافة لدعم بعض دول المنطقة والغرب له ليتجنب عقوبته المستحقة التي ستدعم الشعوب في مواجهة استبداد الحكام، لاحظنا الانحياز مثل تأخير القبض عليه وتقديمه للمحاكمة؛ مما أعطاه فرصة لفبركة الأوضاع القانونية والشهود وتهريب أمواله لاستخدامها ضد العدالة، تمَّ اتهام مبارك والعادلي بقتل المتظاهرين فقط في جمعة 28 يناير وإهمال بلاغات عن حالات القتل بالسنوات السابقة والمدعومة بالأدلة والشهود، وتتم محاكمة المخلوع أمام محاكم طبيعية (درجة أولى ثم استئناف ثم نقض) مما يتطلب زمنًا طويلاً لا يتحمله مجتمع الثورة في حين أن معظم محاكمات مواطنين وثوار تتم أمام المحاكم العسكرية، أما عجائب الزمن أن يتم تعامل السلطات مع السياسيين والثوار سلميًّا وكل المجتمع بقانون الطوارئ غير الطبيعي في حين يتم التعامل مع مبارك بالقانون الطبيعي، وما قامت الثورة أصلاً إلا لننتقل من الحالة الطارئة (المستمرة) إلى الحالة الطبيعية المستقرة، وهناك ضجة كبيرة بشأن شهادة طنطاوي وعنان وسليمان والعيسوي ووجدي بالرغم من أن محامي مبارك هو الذي طلبهم للشهادة مما يعني احتمال أن يشهدوا شهادات نفي لصالح مبارك.

 

كما أن هناك تحالفات بين الصهاينة وبعض الدول الأخرى وبين فلول الوطني لإحداث فوضى مجتمعية في مصر لإضعاف المجلس العسكري والقوى السياسية لتحقيق مزيد من التساهل بخصوص المحاكمة، كما أن الأحداث كلها تؤكد أن البلطجة والرشوة وغيبة هيبة الدولة تمثل ضغطًا كبيرًا على رجال العدالة ورجال الأمن بخصوص إجراءات المحاكمة، فضلاً عن التضخيم الإعلامي لهذه الفوضى المتزامن مع ضغط أمريكي لتخليق مبررات للمجلس العسكري للضغط على الحريات العامة... مثل تفعيل قانون الطوارئ، القسوة مع المتظاهرين، التضييق على القنوات الفضائية وحرية الرأي، عدم تحديد جدول زمني لعملية نقل السلطة لحكم مدني منتخب، كل ذلك يستهدف في النهاية إسكات الإرادة الشعبية بالقوة، الأمر الذي لا بد أن ينعكس لمصلحة مبارك في المحاكمات.

 

معظم حكام المنطقة والعالم لا يريدون قصاصًا عادلاً من مبارك... الخلاصة وللأسف الشديد: لا بد أن نتوقع احتمال صدور أحكام مخففة ضد مبارك ولا أجد ما يخفف عنا هذه المأساة الشاملة إلا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بصحيح البخاري "إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له بحق أخيه شيئًا بقولة فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها" والمقصود أن القاضي (حتى الرسول) لا يحكم إلا بما هو متاح له من الأدلة المادية وشهادات الأطراف والشهود مع احتمال أن يفلت الظالم، مهما كان فاجرًا، من جزاء الدنيا لأنه يمتلك لحن القول؛ أي التأثير على كل الترتيبات اللازمة من شهادات الشهود والمستندات والتلفيقات وخلافه مما يلزم القاضي ليحكم به (الأمر الذي امتلكه مبارك بلا شك) لكنه من المستحيل أن يفلت هذا الظالم من عذاب الآخرة.

 

لا توجد ذرة من الشك في أن مبارك يستحق أقصى عقوبة على الإطلاق وهناك قائمة من المظالم العامة كل واحدة منها منفردة تؤكد ذلك، لكن الفساد والاستبداد وإقصاء المجتمع وشبكة المصالح التي أسسها المخلوع على مرِّ ثلاثة عقود أثناء الغيبة الكاملة لمؤسسات المجتمع المدني وللرقابة الشعبية (ولا نلوم إلا أنفسنا جميعًا) قد تعطيه الفرصة لإنجاز تأثير هائل على أحكام القضاء، وهذه هي طبيعة وفلسفة الحياة التي يؤكدها الحديث الشريف؛ حيث إن المظالم أحيانًا يتم الحكم فيها قضاءً بالدنيا وأحيانًا أخرى يتم الحكم فيها ديانةً بالآخرة فقط، وما زلنا نأمل كثيرًا في القصاص العادل عن طريق الضغوط السياسية المدعومة بالإرادة الشعبية لتفعيل ما يسمى بقانون الغدر لمعالجة هذه القضية التاريخية التي تعتبر محطة فاصلة في طريق شعوب المنطقة العربية والإسلامية التي تتطلع للحرية والكرامة والعدل، ولذلك لا بد أن نعي أن الحقيقة الدامغة تتمثل في الآتي:

- مبارك سيأخذ جزاءه كاملاً غير منقوص على أي حال من الأحوال.

 

- الشهداء وأسرهم وكل من عاونهم سيأخذون ثوابهم كاملاً غير منقوص على أي حال من الأحوال.

 

- المصريون لا بد أن يتطلعوا إلى الأمام إلى الاستمرار في القتال السياسي الذي بدأ في 25 يناير حتى ينتزعوا حريتهم وكرامتهم كاملة غير منقوصة.

----------------

* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار- hassanelhaiwan@hotmail.com