الأسرة هي لبنة الدعوة، كما تمثل الأسرة المكونة من الأب والأم والأولاد لبنة المجتمع الذي نعيش فيه، ومن هنا جاءت تسميتها بالأسرة كي تحمل معها كل المعاني التي تحمي الدعوة من التعارف والتفاهم والتكافل، وكلما زادت قوة هذه العناصر (الأركان)، اشتدَّ معها عود الأسرة الصغيرة، وباستقرارها وصلابتها تستقر الدعوة وتزداد صلابةً وتحقق الإنجازات المأمولة وتصمد أمام الشدائد والمحن.. قال الله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا) (آل عمران: من الآية 103).
ومفاهيم التعارف والتفاهم والتكافل مفاهيم قوية ومهمة، إذا ما طبقتها كمسئول بعناية، ستشعر بتأثيرها حتمًا في نفوس إخوانك، وسترى تطورًا هائلاً في علاقة المجموعة بك وعلاقتك بها، وعلاقة الإخوة بعضهم ببعض، وعلاقتهم بالدعوة نفسها، وحبهم لها وتفانيهم فيها أكثر مما يتوقع.
والخطأ الذي يقع فيه الكثيرون هو التعامل مع هذه العناصر التي تؤسس عليها الأسرة وتجعلها تنبض بالحياة، بصورة روتينية ميكانيكية لحساب البرنامج الثقافي الذي تتم المحاسبة عليه بشدة إلى الحد الذي نعتبر فيه التأخُّر في البرنامج الثقافي يعني الفشل في إدارة الأسرة، وهذا ما لا أعتقده على الإطلاق.
ورغم أهمية البرنامج الثقافي والشق التعليمي في الدعوة، فإنني أرى أن الفشل في المجموعة التربوية يعني الفشل في تقوية الروابط بين أفرادها وإشعارهم بأنهم جسدٌ واحدٌ لا يمكن أن ينفك مهما تكن الظروف، وأن هذا الجسد متعلق بجسد أكبر هو جسد الدعوة نفسها تحت مظلة حب ورعاية من الله عزَّ وجلَّ، وأرى أن الفشل في المجموعة التربوية عندما يفقد الأشخاص انتماؤهم لها، وتبدأ اسئلة غريبة تتردد على الأذهان كل فترة.. مثل "لماذا أذهب اليوم إلى اللقاء؟، وماذا يحدث لو لم أذهب اليوم؟.. ما الجديد الذي سيحدث؟، نفس الكلام سيُعاد.. إلخ).
من هنا يجب أن يتم الالتفات بقوةٍ إلى العناصر الأساسية (أركان الأسرة) التي تقوي المجموعة التربوية وتحميها، ثم يأتي من بعدها البرنامج الثقافي الذي يسهل تداركه واستيفاؤه بسهولة.. وهذه العناصر (الأركان) هي:
1- التعارف:
التعارف يعني معرفة اسم الأخ ووظائف والديه وأسماء إخوته وأحوالهم وتخصصاتهم في دراستهم أو عملهم، بهدف السؤال عنهم بين الحين والآخر ومعرفة مشاكلهم المتوقعة بغرض النصح والإرشاد ومحاولة المساعدة، ومعرفة وضع الأخ ومكانته في أسرته، ولكي يتعمق هذه التعارف لا بد من زيارات خاصة يتم فيها السؤاال عن أخبار الحياة الأسرية بود وحب يشعر معها الأخ أنه فرد من أفراد الأسرة، وستبلغ الامتياز في تعارفك لو تداخلت مع الأسرة نفسها، لتتعرف على الوالدين والإخوة عن قرب، وتكون لديك أحاديثك الخاصة معهم.. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) (الحجرات: من الآية 13).
2- التفاهم:
التفاهم يعني أن يعرف الحضور شخصية بعضهم البعض ويدرك مميزاته وعيوبه بالصورة التي تجعلهم يعرفون كيف يسدون النصح لبعضهم البعض في تواد وحب أخوي، والذي يجعل الأخ يتعامل مع أخيه حسب شخصيته، ويعرف كل أخ اهتمامات أخيه فيحدثه فيها ويحاول مساعدته، حتى يشعر كل أخ داخل المجموعة التربوية أنه إذا مرَّ بضائقة وأراد أن يحدث أحدًا، فسيتجه فورًا إلى إخوانه في المجموعة التربوية ليحكي لهم، كي يزول همه وتنفرج كربته بإذن الله.
قال صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة"، قلنا لمن، قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم
3- التكافل:
التكافل يعني المشاركة في الأزمات المادية والمعنوية والمبادرة إلى مساعدة الأخ قبل أن يطلب هو المساعدة، وهو أمر يحتاج إلى حس رقيق ودراية بأحوال المجموعة باستمرار.
قال صلى الله عليه وسلم: "لأن يمشي أحدكم في حاجة أخيه خير له من أن يعتكف في مسجدي هذا شهرًا" صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذه الأركان الثلاثة هي الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها المجموعة التربوية، وهي التي ينبغي الاهتمام بها في المنهج الموضوع بصورةٍ تتناسب مع أهميتها في بناء المجموعة والحفاظ عليها، ثم يأتي بعدها البرنامج الثقافي الذي ينبغى أن يوضع بعناية تناسب المستوى الثقافي للمجموعة، ويهدف إلى الارتقاء بهم تدريجيًّا بصورةٍ ملموسةٍ لهم.
الأركان الثلاثة السابقة سيكون لها تأثيرها المباشر في دفع المجموعة لحب الدعوة والتفاني فيها؛ فيشعرون ساعتها بأنهم جزء من دعوة عظيمة، وهو ما يدفعهم ذاتيًّا للعمل بحماس من أجل نصرتها وانتشارها، ثم يأتي بعد ذلك دورك كمسئولٍ وقدوةٍ لهم في حماسك الدعوي ونشاطك وابتكارك وتجديدك المستمر ونجاحاتك، وقدرتك على استثارة حماسهم والكشف عن مواهبهم وحسن توظيفها في الدعوة، وقدرتك على مشاركتهم في وضع أهداف العمل والسماع لآرائهم واحترامها، وتعليمهم الإصرار على الهدف مهما تكن الصعوبات، ودفعهم لإنجاز أعمال صعبة تشعرهم بكيانهم وتجعلهم يشعرون بالفخر والسعادة لتحقيق إنجازات دعوية يتفوقون بها على آخرين في مجال الدعوة، وهو العامل الثالث المطلوب لأسرة فعالة.
الحلم
أخي الكريم..
احلم معهم وأنت متيقظ، واجعلهم يحلمون معك، وخطط جيدًا لتحقيق الحلم، وأشعرهم أنك صديقهم الذي تحبهم وترعاهم وتنصحهم وتقف بجانبهم، افرح معهم كطفل إذا نجحتم في إنجاز عمل صعب، وكن بطلاً صامدًا وقت الفشل، تخفف عنهم وتبث فيهم روح الأمل.
أخى الكريم..
باختصار.. ثلاث عوامل أساسية مطلوبة كي تنجح في تكوين مجموعة تربوية متماسكة قادرة على الإنجاز للدعوة هي:
1- الشعور بالانتماء.
2- برنامج ثقافي وتربوي جيد.
3- القدرة على الحلم.
------------