- اختطاف وإخفاء قسري وقتل وتعذيب ارتكبها وزبانيته في أمن الدولة المنحل

- تجسس وتلفيق اتهامات وتفجيرات مدبرة لإشعال الفتنة الطائفية في البلاد

- وسائل التعذيب: الصعق الكهربائي والصلب والجلد والتجريد من الملابس

- معتقلون: عاملونا أسوأ من الحيوانات وسنطلب ضم جرائمه لـ"قتل الثوار"

- قانونيون: القاضي له الحق في تسجيل بقية جرائمه في نفس القضية

 

تحقيق- يارا نجاتي

30 عامًا مضت منذ تخرج حسن عبد الرحمن في كلية الشرطة، ليعمل منذ اللحظة الأولى بجهاز أمن الدولة المنحل، ارتكب جرائم لا يمكن إحصاؤها، تدخل في جميع مجالات الحياة في مصر، وكان المحرك الرئيسي لأغلب قرارات الحكومة.

 

7 سنوات جلس فيها على كرسي رئاسة الجهاز وهي نفسها السنوات التي تضخم فيها الفساد في مصر، ليس فقط فسادًا ماليًّا وإداريًّا إنما سياسي وأمني أيضًا، أجرى العديد من التحريات في قضايا أمن الدولة، وعلى رأسها تفجيرات دهب وشرم الشيخ وطابا وخلية الزيتون وحزب الله، وكانت آخر قضاياه التي باشرها بنفسه هي تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية 2011م.

 

اشتهر الجهاز بعدد من الجرائم كالتجسس وتلفيق التهم كالإرهاب والتمويل الأجنبي وغسيل الأموال والإضرار بالأمن القومي، ويتهم الجهاز بأنه أحد الأسباب الأساسية في إشعال الفتنة الطائفية في مصر، بخلاف الكم الهائل من الأعمال السرية التي لا يعرفها أحد، التي صاحبها كلها التعذيب والتنكيل بأعداد لا يمكن إحصاؤها من المعتقلين في مقار أمن الدولة التي تقع مسئوليتها مباشرة على رئيس الجهاز.

 

وذكر تقرير صادر عن المنظمة المصرية لحقوق الإنسان عام 2009 أنه خلال تسع سنوات مضت من 2000 حتى 2009 وقع نحو 285 حالة تعذيب تسببت في وقوع 118 حالة وفاة، بلغ نصيب عام 2007 منها 3 حالات وفاة و40 حالة تعذيب، ارتفعت إلى 17 حالة وفاة و46 حالة تعذيب في عام 2008م، و15 حالة وفاة وتعذيب خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام 2009م.

 

وقالت المنظمة: إنه إضافة إلى الاعتقال فإن هناك الاختفاء القسري؛ حيث تم رصد اختفاء 73 شخصًا بصورة قسرية في الفترة بين عامي 1992 و2009م، تمت معرفة مصير 17 منهم، بينما لا يزال 56 شخصًا في عداد المفقودين.

 

وأشار التقرير، معززًا بجدول بياني وبعدد من الشهادات لأشخاص تعرضوا للتعذيب، إلى أن إجمالي عدد حالات الاعتقال السياسي في مصر وصلت في عام 2008م إلى 7555 حالة، منها 912 حالة في محافظة الشرقية و731 حالة في الجيزة، فيما كان نصيب القاهرة 682 حالة .

 

حاولنا الوصول إلى الجرائم التي ارتكبت داخل هذه المقار، لوضع لائحة اتهامات جديدة لرئيس جهاز أمن الدولة الذي لم يحاكم حتى الآن سوى على جريمة واحدة هي قتل المتظاهرين.
بلاغات لم تنظر.

 

يقول يحيى عقيل، أحد المعتقلين في مقر أمن الدولة بالعريش "دير العبد"، إن التعذيب داخل مقر أمن الدولة يبدأ من المكان المخصص للمعتقل وهو لا يتعدى (2مx2م)، يتضمن مكانًا للنوم ودورة مياه وكل ما يعيش به المعتقل لشهور، والمبنى بالكامل يقع في وسط مقلب كبير للقمامة، مضيفًا أنهم كانوا يتركونه معصوب العينين طوال اليوم ويصل هذا الوضع إلى أكثر من أسبوعين متواصلين.

 

 الصورة غير متاحة

السيد بلال أحد ضحايا التعذيب الوحشي

ويعدد جرائم التعذيب الذي يقع داخل مقر أمن الدولة وعلى أيدي ضباطه، فمنها تعليق المعتقلين من أرجلهم لمدد طويلة حتى تظهر لحومهم من تحت جلودهم من أثر التعذيب والربط، وكذلك المنع من النوم أو الجلوس أو حتى الوقوف بشكل طبيعي لمدة طويلة عن طريق وضع اليد في كلابشات مثبتة بالحائط، مضيفاً من أكثر وسائل التعذيب امتهانًا لكرامة الإنسان داخل مقار أمن الدولة، تغمية العين بقطعة بطانية بها مياه غير نظيفة ورائحتها كريهة.

 

ويقول إن تعذيبه استمر أول مرة لخمسة أيام متواصلة، وبعدها طال إلى 15 يومًا متتالية بدون توقف.

 

ويذكر عددًا من ضباط أمن الدولة بالعريش الذين يقومون بتلفيق التهم والتعذيب ومنهم "أحمد سعيد خالد، جمال شوقي محمد، يحيى نصار، محمد عمار"، وأكثرهم وأشهرهم تعذيبًا للمعتقلين ظلمًا "حسني نصار"، و"رضا سويلم" الذي ترقى بعد الثورة إلى لواء ونُقل إلى أسيوط، مؤكدًا أنه من أكثر الضباط المطلوبين في سيناء، فضحاياه من أبناء المحافظة أكثر من أن يعدوا.

 

ويوضح أنه تقدم ببلاغ للنائب العام قبل الثورة ضد كل من شاركوا في تعذيبه واعتقاله زورًا داخل مقر أمن الدولة بالعريش، لكن لم يتم التحقيق فيها، وعاد لتجديدها مرة ثانية بعد الثورة ضد الضباط.

 

الزحف على النار

محمد عبد الله أحد المعتقلين بأشهر مقار أمن الدولة وأكثرها تعذيبًا للمعتقلين بداخلها، وهو مقر (جابر بن حيان)، يؤكد أنه قضى أصعب شهور عاشها في حياته داخل هذا المقر، في مساحة لا تزيد عن "2مx2م" لشخصين معًا، ولم يكن وقتها يتعدى عمره الـ18 سنة، واعتقل لأنه كان يحضر دروسًا في المسجد القريب من منزله!.

 

وعن مشاهد التعذيب المعتادة داخل المقر يؤكد أنها كانت كثيرة منها التقليدي ومنها المختلف في هذا المقر، فيوميًّا كانت العقوبة بالطعام الساخن، حيث يأمر الضباط بـ"أذانين" كبيرين من العدس الساخن ليلقوا به على أرضية السجن كلها، ويجبروا المعتقلين على الزحف شبه عراة بملابس قليلة جدًّا عليه.

 

ويضيف: جرت العادة على الاستهزاء والتقليل من كرامة الإنسان من خلال حفلات الاستقبال للمعتقلين الجدد وإطلاق أسماء نسائية عليهم، وفي إحدى المرات سأل ضابط معتقل عن اسمه "النسائي" فلم يجب عليه غير باسمه الحقيقي لأكثر من مرة كلما أعاد سؤاله، فوضع الضابط وجه في "أذان" عدس ساخن جدًّا، وفقأ له عينه.

 

مالك بيه

 الصورة غير متاحة

التعذيب أسلوب ممنهج مارسه جهاز أمن الدولة

"دعوت الله أن يعاملونا معاملة الحيوانات" هكذا وصف المهندس إسلام شرف المعتقل لأكثر من شهرين المعاملة التي تلقاها على أيدي الضباط بالمقر الرئيسي لأمن الدولة "مدينة نصر"، قائلاً إن التعذيب الشديد الذي تعرضت له لا يمكن أن يتعرض له حيوان في الشارع.

 

ويشير إلى أن أكثر الوسائل تعذيبًا الوسائل النفسية منها، كذكر الأسرة والتهديد بها، والتهديدات الخيالية، وذكر مواقف لمن تم تعذيبهم من قبل، والألفاظ البذيئة التي تتناثر على ألسنة كل العاملين هناك من الجندي حتى أعلى الضباط.

 

ويتابع: من وسائل التعذيب الكهرباء على كل أجزاء الجسم وحتى الرأس، والصلب على الحديد، والإجبار على عدم النوم لأيام متتالية وإذا أغشي عليّ تكون الإفاقة عن طريق الكهرباء، مما أصابني بمشاكل في العمود الفقري مستمرة إلى الآن، مضيفًا: قضيت شهرين في غرفة "2مx2م" آخر مرة رأيت فيها الضوء عند دخولي، وكنت أنام مباشرة على الأسمنت، معصوب العينين.

 

ويكمل إن التلذذ في التعذيب كان يصل إلى إيقاظنا في منتصف الليل للتأكد من أننا لم نزل العصابة من على أعيننا، أما الكلابشات فيصفها بأنها "غير إنسانية" ذات أوزان مختلفة تزيد كلما أرادوا زيادة التعذيب وتوضع في الأيدي طوال اليوم، ولا يقومون بتغييرها إلا عند ترحيلنا خارج المقر.

 

ويؤكد أن الضباط كانوا يحترزون من تقديم بلاغات ضدهم أو التعرف عليهم، لذلك لم يعرفوا عنهم سوى أسمائهم الحركية فقط ولم نر وجوههم لثانية واحدة، كأفظع الضباط تعذيبًا "مالك"، وآخرين كـ"صقر، مروان"، وحتى أمناء الشرطة كانت لهم أسماء حركية كـ"شحتة".

 

ويقول إن "مالك" الضابط الذي حقق معه هو من كان يتولى تعذيبه بنفسه، من صلب على الحائط، والتعذيب بالكهرباء، لدرجة أنه أغشي عليَّ عدة مرات لكنه لم يتوقف؛ بل يكمل تعذيبه، وفي تهمة عجيبة وهي "مساعدة أهالي غزة"، ويؤكد أنه لم ير هذا الضابط لكنه يمكنه أن يعرف صوته من وسط مليون شخص آخرين.

 

الريس حضر

 الصورة غير متاحة

مسعد توفيق الشافعي

مسعد توفيق الشافعي، أحد المعذبين في المقر الرئيسي للجهاز المنحل بمدينة نصر، تحت إشراف حسن عبد الرحمن الذي حضر بنفسه كما يؤكد مسعد، قائلاً: تم اقتيادي إلى أمن الدولة في القضية الملفقة والتي اعتقل على إثرها الكثير من الإخوان بعد ايصال المساعدات في أعقاب الحرب على غزة، وعلى الرغم من أني أخبرتهم بمعاناتي من عدم انتظام ضربات القلب وضيق الشرايين، فإنهم بدءوا تعذيبي بالكهرباء طوال الـ45 يومًا الأولى لاعتقالي هناك.

 

ويصف الزنزانة بأن مساحتها لم تتعد 1,5x2م على المحارة، تتكون من مصطبة إسمنتية، وحوض، وحمام بلدي، وبدون كهرباء، ويسرح بها مختلف أنواع الحشرات، ويتم تسليم النزيل بطانية واحدة مملوءة بالحشرات، وعند زيادة عدد المعتقلين يخرجون للسكن في الطرقات بين الزنازين.

 

ويضيف أكد لنا الضباط أن هذه الغرف تحت الأرض بـ25 مترًا، فلم نكن نرى شيئًا لأننا معصوبو العينين متابعًا: وعندما دخلنا إلى الزنازين أعطانا العساكر تعليمات الإقامة وهي أن تنسى اسمك تمامًا ولا تكون سوى رقم 37، الحمام بمواعيد لمدة دقيقتين فقط، إذا تحركت العصابة من على عينيك دون أن تبلغ العسكري ليربطها لك تتلقى مجموعة سريعة من اللكمات القاتلة.

 

وعن التحقيقات معه يقول إنها بدأت وهو معصوب العينين، وقال المحقق أنا اسمي نور بك، وكان يأمر العسكري بتجريدي من ملابسي كلها، ثم يشرع في التعذيب على سرير كهربائي لأيام متتالية خلال التحقيق، وفي رابع يوم منعني من الجلوس لـ24 ساعة متتالية، حتى أثناء النوم لم يسمح لي حتى بالجلوس، وقال العسكري: "لو عايز تنام نام وأنت واقف".

 

ويكمل: في موعد الجلسة السادسة فوجئت بعدد كبير من الضباط يحيطون بي، وأخبرني المحقق أن رئيس الجهاز سينزل بنفسه، وبعدما حضر بعشر دقائق أشار للضابط ففهمت من رده أنه طلب زيادة جرعة الكهرباء والتعذيب لي، فقال له "حصل يا فندم"، وبعد 45 يومًا من التعذيب وتحويلي إلى قضية، أمر الضابط بإقامتي في الطرقة الرئيسية بين الزنازين، حيث أسمع منها أصوات الصراخ والاستغاثات طوال الليل خلال التحقيقات حتى الفجر.

 

ويقول حتى الآن ما زالت آثار الكهرباء في أنحاء جسدي، وأعالج منها حتى الآن، وأنا على استعداد لتقديم بلاغات ضدهم جميعًا وعلى رأسهم رئيس الجهاز، بعد معرفة الطريق القانونية السليمة.

 

الفرصة متاحة

 الصورة غير متاحة

د. محمود السقا

من جانبه يؤكد الدكتور محمود السقا، أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة، أن القاضي يمتلك سلطة إضافة الاتهامات غير المسجلة في قضية محاكمة الرئيس المخلوع ونجليه ووزير الداخلية و6 من كبار مساعديه، ومنهم حسن عبد الرحمن، موضحًا أن المادة (11) من قانون الإجراءات الجنائية تتيح للمحكمة انتداب أحد مستشاريها للتحقيق في اتهامات غير مقدمة لها، أو إعادة هذه الاتهامات إلى النيابة للتحقيق فيها من جديد.

 

ويشير إلى أن تفعيل قانون الغدر سيكون فرصة لمحاسبة أمثال رئيس جهاز أمن الدولة المنحل، حيث يعطي الفرصة لتطبيق كل القوانين الظاهرة والباطنة والمحاسبة على كل الشبهات والقرائن التي تصيب المتهم، مبينًا أن الجرائم السياسية أيضًا من سِلطة النيابة العامة التحقيق فيها وإحضار الشهود والقرائن ضد المتهمينِ.

 

التغيير والتفعيل

 الصورة غير متاحة

عصام الإسلامبولي

ويقول الخبير القانوني عصام الإسلامبولي "عضو هيئة الدفاع عن شهداء 25 يناير": إن الوصول إلى محاكمة جميع المسئولين السابقين على جرائمهم الحقيقية وتخريب البلاد لسنوات طويلة سيأتي بإرادة القائمين على القانون في مصر وحدها، داعيًا النائب العام إلى تطبيق القانون كاملاً دون أي تحيزات.

 

ويتابع: لطالما مُنعت الكثير من القضايا من الإحالة إلى القضاء قبل الثورة، وبعدها تُحال القضايا منقوصة الأدلة وغير مكتملة الأركان، مشيرًا إلى أن الآلية التي يُدار بها القانون في مصر تحتاج إلى تغيير بالكامل، وتتضمن الأجهزة الرقابية كـ(النيابة العامة والإدارية، والمركزي للمحاسبات، والكسب غير المشروع، والرقابة الإدارية) حيث إن القائمين عليها هم نفس الأشخاص المستمرين من عهد النظام البائد.

 

ويضيف أن الخطوة التالية تكون التحقيق الجاد في البلاغات التي تُقدَّم إلى النيابة، وإذا تم التحفظ عليها كما حدث مع الكثير من المعتقلين داخل مقار أمن الدولة، تُرفع دعاوى ضد النائب العام لمعرفة أسباب صدور قرارات التحفظ، مشددًا على تفعيل قانون الغدر لمحاسبة على الجرائم السياسية التي قام بها مسئولو النظام السابق، ومنهم مدير جهاز أمن الدولة المنحل، وكذلك التفعيل الجاد لقانون العقوبات لمحاسبته على الجرائم الجنائية التي تمَّت داخل مقار أمن الدولة ومعرفة ضباطها.

 

 

 

شهادة مسعد الشافعي عن تعذيبه في أمن الدولة