الحمد لله العفو الكريم الحليم، يعفو عن السيئات ويضاعف الحسنات ويعلي الدرجات، يقسم المعايش والعطايا فمنهم شقي وسعيد، ومنهم قريب وبعيد ﴿وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف: من الآية 35)، ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ (النساء: من الآية 77).

 

وأشهد أن لا إله إلا أنت بديع السماوات والأرض، الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، له ما في السموات وما في الأرض، كل شيء قائم به وكل مخلوق خاضع له، الكل يشهد بحلاله ويقر بكماله ويضع لسلطانه.

 

وأشهد أن نبينا ورسولنا محمدًا عبد الله ورسوله، قدر نعمة ربه فشكر، وجاهد في سبيل الله فاحتمل وصبر، خير من عفا عن الناس وأصلح بين العباد، اللهم صلِّ وسلم وبارك على خير خلقك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

ورضي الله تعالى عن آله وأصحابه وجنده وأحبابه، أعلام الهدى ومصابيح الدجى ومنارات الحق وينابيع الخير المستمسكين بمفاتيح بابه أولئك هم أهل التقى وأصحاب الفردوس الأعلى ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾ (العنكبوت).

 

أما بعد...

فيا أيها الأخوة المسلمون:

يقول الله تباركت أسماؤه ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)﴾ (القصص).

 

الله تعالى لم يجعل الجنة دارًا للمفسدين والمخربين ودعاة الفتنة، وإنما جعلها دارًا لعباده الصالحين المتقين، فالمفسد ليس له في الآخرة من نصيب، فكفى بها، وذلة تصغر أمامهما كل النعم مهما كبرت أو عظمت هذه النعم التي حصل عليها في حياته، والقرآن الكريم أبرز لنا في عدة مواضع صفات المفسدين وذلك حتى نحذرهم بل لنواجه فسادهم وتطهير المجتمع من هذا الشر المستطير.

 

الصفة الأولى: إهلاك الحرث والنسل:

يقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ (205)﴾ (البقرة).

 

المفسد يعطيك من طرف اللسان حلاوة وكلامًا معسولاً ثم يروغ منك كما يروغ الثعلب، بينما ينطوي قلبه على خلاف ذلك وربما امتلأ قلبه حقدًا وكراهية وحسدًا، ألا ترى معي أنه منافق يختبئ وراء لسانه، فإذا تولى سعى في الأرض بين الناس لينتشر الفساد، فيعمد إلى إهلاك الحرث والنسل.

 

لقد أمرنا الإسلام بالحفاظ على ما يسمى في الفقه الإسلامي بـ"الضرورات الخمس" الدين والنسل والعقل والعرض والمال وجعل كل إنسان يقصر أو يعتدي على أي من هذه الآثام الخمس، ونحن إذا نظرنا إلى العهد البائد على مدار ثلاثة عقود نجده قد أفسد علينا هذه الضرورات الخمس.

 

فكم حارب كل ما هو إسلامي، كم حارب المتدينين من سجن واعتقال ومصادرة أموال وممتلكات، كم حاربهم في أرزاقهم، وكم حرمهم من أبسط حقوقهم المدنية، وكم روعهم وذويهم في هزيع من الليل، كم حرم المجتمع من هؤلاء المصلحين دعاة الخير والفضيلة، وكم شوَّه صورة المسلم المتدين في أجهزة إعلامه المختلفة.

 

كما لا يخفى على كل مصري إهلاك النفس البشرية في ظل ذلكم النظام المخلوع حينما كان الرئيس الأسبق يضحك ملء شدقيه وينام ملء جفنيه بينما آلاف المصريين غرقى يأكلهم سمك القرش في البحر الأحمر دونما اكتراث بهول الفجيعة، وكأنهم حشرات ضارة استراح منهم، كذلك كم من مئات المصريين أحرقوا في قطار الصعيد، وألقي اللوم عليهم لأنهم السبب حين أشعلوا موقد الكيروسين في القطار؟، كم استخفوا بعقول الشعب وكأنهم سذج لا يفهمون ولا يعقلون؟، وكم من ملايين المصريين أصيبوا بأمراض مزمنة وعلل عضال نتيجة الأغذية الفاسدة والفاكهة المسرطنة الواردة من إسرائيل، هذا فضلاً عن نزيف الإسفلت اليومي نتيجة التسبب والإهمال؟.

 

كما أفسد علينا النظام الأحمق عقولنا بوسائل إعلامه المختلفة، وبتغيير المناهج الدراسية وتفريغها من مضمونها حسب ما أملته عليه القوى الخارجية، أما عن إفساد عرض الرجال قبل النساء فإن أقسام ومراكز الشرطة ومقار جهاز أمن الدولة المنحل خير شاهد على ذلك.

 

وعن فساد المال فمشروع توشكي الذي أُنفق عليه المليارات من دم الشعب خير دليل على ذلك الذي لم تعد له جدوى أو فائدة.

 

وكذلك تصدير الغاز للعدو الصهيوني بسعر أقل من الأسعار العالمية، الأمر الذي أدَّى إلى إهدار مال الشعب المصري، وكذلك تقسيم أرض سيناء على رجال الأعمال الذين تزوجوا بالسلطة عن طريق من كانوا يعدون له البلاد ليرثها عن أبيه، أما إهلاك الحرث فلقد تمَّ القضاء تمامًا على الرقعة الزراعية وما تبقى خصصت لزراعة الفراولة والكانتلوب، ولا عزاء للمحاصيل الإستراتيجية التي هي عصب الحياة للوطن والمواطن.

 

الصفة الثانية: الكبر والضلال:

قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)﴾ (البقرة).
المفسدون لا يعترفون بفسادهم؛ بل هم يدعون الإصلاح بل يجعلون أنفسهم مصلحين، وهي مرتبة أعلى ومنزلة أرفع من الصالحين، المفسد إذا قيل له لا تفسد أخذته العزة واستكبر في الأرض بغير الحق، فهو يدعي حرصه على أمن الوطن وسلامته.. لقد أخذ فرعون يحذر قومه من نبي الله موسى بأنه جاء ليفسد في الأرض كما قال تعالى على لسانه: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ (غافر: من الآية 26).

 

الصفة الثالثة: إظهار خلاف ما يبطن:

قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14)﴾ (النمل)، هكذا يعترف المفسد في بعض الأحيان بمصداقية المصلحين.. لقد اعترف الرئيس المخلوع يومًا ما في زيارته لألمانيا بأن الإخوان المسلمين جماعة معتدلة ترفض التشدد وتنبذ العنف والإرهاب.

 

الصفة الرابعة: السحر:

قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) (يونس).

 

قد يكون السحر آلة مثل الإعلام حاليًّا "المقروء والمسموع والمرئي والإلكتروني" الذي يلعب دورًا مؤثرًا في تغيير أفكار الناس والعبث بعقولهم؛ بل قد يفسد عليهم ضمائرهم وعقائدهم، كما كان الإعلام مسخرًا لخدمة النظام السابق في سبيل ذلك كل الإمكانات المادية والبشرية على أوسع نطاق حاولوا بكل ما أوتوا من إمكانات أن يسحروا عقول الناس، لكن الله تعالى حفظ دينه وحفظ عباده الصالحين من تلكم الآلة ومن هذا الجهاز الذي زين له الشيطان سوء عمله.

 

الصفة الخامسة: الغش:

قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85)﴾ (هود).

 

من أنواع الغش بخس الناس أشياءهم وهو يتضمن أمرين:

الأول: ضياع الأمانات وحقوق الناس مثل أموال الشعب التي أهدرت بغير وجه حق والأموال التي سلبت وسرقت وتم تهريبها إلى الخارج.

 

الثاني: تولية المناصب العامة والقيادية لغير الكفء؛ حيث كان ولاة الأمر فينا على مدار ثلاثة عقود من ذوي المحسوبية أو مَن يدفع أكثر.. كان منهم الكذوب والخائن للأمانة، كما جاء في حديث الرويبضة، أما الكفاءات والنوابغ وذوو الأيدي الطاهرة النظيفة فليس لها مكان.. جاء في الحديث الصحيح: "من استعمل رجلاً على عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين".

 

الصفة السادسة: الصد عن سبيل الله:

قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ (88)﴾ (النحل)، هكذا المفسدون يبغونها عوجًا، ويريدونها فوضى، فيقطعون علينا الطريق ويقعدون لنا بكل صراط يُوعِدون ويتوعدون، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86)﴾ (الأعراف).

 

ونظرًا لأن آثار إفسادهم مضاعفة فعذابهم كذلك مضاعف: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ (النحل من الآية: 88).

 

عقوبة المفسدين ونهايتهم

يقول الله تعالى موضحًا عقوبة المفسدين في الدنيا: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33)﴾ (المائدة).

 

الذي يقطع الطريق على الناس ويروعهم ويسلبهم متاعهم محارب لله ورسوله، حينما يطبق عليه هذا الحد لا شك أن هذا سيؤدي إلى استتباب الأمن وإشاعة السلام الاجتماعي، أما نهايتهم فقد أبرزها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91)﴾ (يونس)، أيها الفرعون.. لن تنفعك اليوم كلمة التوحيد، فلا بد من أن تلقى مصرعك غريقًا وعلى أعين الناس؛ ولتبقى أبدًا بجسدك حتى تكون عبرة: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)﴾ (يونس).

 

وما أشبه فرعون اليوم بفرعون الأمس في فساده واستعباده وظلمه لقومه، وكذلك في نهايته التي يستحقها.

 

حمى الله مصر من الفساد والمفسدين، وحمى شعب مصر من كيد الكائد ومكر الماكرين.
أقول قولي هذا واستغفر الله تعالى لي ولكم.