توجهت إلى قسم ثاني شرطة مدينة نصر لاستخراج صحيفة الحالة الجنائية؛ للتقدم بها ضمن أوراق الترشح لانتخابات مجلس الشعب، وهناك أخبروني أن قسم أول مدينة نصر يستخرج صحيفة الحالة الجنائية في الحال، فتوجهت إليه، وفي كلا المكانين وجدت سلوكًا من الموظفين والشرطة خلاف ما كنا نراه قبل الثورة.

 

وقد أسعدني ذلك كثيرًا، وزاد من سعادتي دقة النظام واستخدام الأجهزة الحديثة في تصوير البصمة، واستخراج الصحيفة, وأثناء انتظاري لاستلام الصحيفة مرَّت بخاطري ذكريات مريرة في أمر استخراج الصحيفة الجنائية؛ حيث كانت إحدى وسائل النظام السابق في منع مرشحي الإخوان المسلمين من الدخول في الانتخابات أو اعتقال من يتقدم لاستخراج الصحيفة؛ حتى لا يستكمل أوراقه.

 

وسعدت أيضًا بهذا الأمان الذي أشعر به أثناء وجودي بقسم الشرطة، وهو ما كنت أشعر بعكسه تمامًا سابقًا قبل الثورة.

 

ولكن للأسف لم تدُم سعادتي ولم يطُل شعوري بالأمان؛ فقد استدعاني ضابط الشرطة، المسئول عن قسم استخراج الصحيفة الجنائية، وطلب مني بطاقتي الشخصية ليأخذ منها البيانات الخاصة بي, ولما سألته لم؟ أجابني قائلاً: إنني "أُجمِّع" بيانات المتقدمين لمجلس الشعب لأجيب من يسألني عنها!, وازداد قلقي حينما رأيته في نهاية اليوم يكتب هذه البيانات على الحاسوب ربما لإرسالها لجهة لا أعرفها!!.

 

وهنا يبرز السؤال: وأين مكمن القلق؟ والإجابة: أن الثورة إنما قامت من أجل مطالب محددة؛ منها ألا يكون لوزارة الداخلية في العملية الانتخابية سوى "تأمين اللجان" وفقط؛ لأن الداخلية كانت يد النظام السابق في تزوير كل الانتخابات، فما دخلها في هذا الأمر، خاصةً وأن المُعلن أمام الشعب أن الانتخابات يشرف عليها لجنة قضائية مستقلة؟ إذًا لمن سيعطي هذا الضابط هذه المعلومات؟ هل للأمن الوطني "أمن الدولة سابقًا"؟! هل لوزير الداخلية؟ هل للمجلس العسكري؟ لمن سيعطيها؟ سؤال لا بد له من إجابة!.

 

ثم إذا كانت ستعطَى لأحد من هؤلاء, فماذا سيفعل بهذه المعلومات؟! هل هو رسم خريطة لفلول النظام عن المرشحين؟ أم هي دراسة ستقدم لجهة ما لتحديد القوى المشتركة في الانتخابات؟!
إنّ ما فعله هذا الضابط بقسم أول مدينة نصر "يقينًا" ليس من تلقاء نفسه, ولكنها أوامر اُلقيت إليه, ولا يعدو هو أن يكون منفذًا لها كما عهدنا من غالبيتهم دائمًا.

 

إن هذه الحادثة إشارة حمراء تدلل على تدخل محتمَل في نزاهة العملية الانتخابية، وإنني أعتبر مقالتي هذه بلاغًا رسميًّا إلى اللجنة العليا المشرفة على الانتخابات وإلى المجلس العسكري وإلى مجلس الوزراء ووزير الداخلية، وإلى كل من استأمنتهم الثورة على أن ينتقلوا بالبلاد من مرحلة الاستبداد والتزوير إلى مرحلة العدل والشفافية.

 

ومن جهة أخرى هذا بلاغ رسمي للشعب المصري كله بجميع أطيافه وأحزابه وفئاته؛ كي ننتبه ونتوحَّد من أجل تحقيق مطالب الثورة، وأولها انتخابات حرة نزيهة، تشرف عليها لجنة قضائية مستقلة, وليس بها أي تدخل من السلطة التنفيذية, وخاصةً الشرطة في أي خطوة من خطواتها.

 

وأسأل الله تعالى أن يحفظ مصرنا من مكر الماكرين وكيد الخائنين وظلم المستبدين، وأن ينعم على مصر بالحرية أبد الأبدين.

-------
• أستاذ بكلية طب الأزهر.