التربية من أهم الثوابت في دعوتنا، وشغلنا الشاغل، وهي إيجاد الصف الذي يفهم الإسلام الفهم الشامل، ويعمل به، ويدعو إليه، فالإسلام رسالة تربية قبل أن يكون رسالة تنظيم وتشريع، ورسالة قيم قبل أن يكون رسالة جهاد وقتال.

 

والتربية في أبسط معانيها هي تنمية الشيء حتى يبلغ درجة كماله، ويمكن اختصارها في كلمة واحدة، معنى التربية: التنمية.

 

وما دامت التربية هنا تنحصر في التربية الإسلامية، وما دام الإسلام في مفهومنا شاملاً يتناول مظاهر الحياة كلها؛ فإن التربية عليه لا بد أن تكون شاملةً شمول الإسلام الذي يتناول أمور الدنيا والآخرة.

 

ومحاور التربية الإسلامية كثيرة ومتعددة، ونظرًا لشمول الإسلام فيمكن أن نطلق "التربية الإيمانية" على تنمية الإيمان لدى الفرد والأفراد، ونطلق "التربية العبادية" على تنمية أداء العبادات وإحسانها، الفرضية منها والتطوعية، و"التربية الدعوية" و"التربية الحركية" و"التربية الاجتماعية" و"التربية السياسية"، وهكذا.

 

ويمكن أن نقيس مدى النجاح في تحقيق الهدف من التربية بقياس مدى النموِّ الذي طرأ على الفرد في كل محور من محاور التربية على فترات متقاربة أو متباعدة، وفقًا لما يتفق عليه، ونقيس مدى النمو بمظاهره، فمثلاً في التربية الإيمانية في مرحلة من المراحل يشترط في الفرد أن يؤمن بقضاء الله وقدره فيما يقع له في حياته، خيره وشره، ثم يصل إلى التسليم المطلق لقضاء الله وقدره بمنتهى الرضا، وأن يوقن بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوه بشيء لن ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، وأن الأمة لو اجتمعت على أن يضروه بشيء لن يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، ونحن على يقين أن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصى، ويمكن الرجوع إلى الأعمال التي تزيد الإيمان في مظانِّها.

 

والتربية العبادية تعمل على الترقِّي في مدارك الكمال في تأديتها، فمثلاً الصلاة تتدرَّج من مداومة أدائها في أوقاتها في جماعة، ومحاولة أن تكون الجماعة في المسجد، والحرص على الجماعة الأولى؛ أي: في أول الوقت؛ فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أي الأعمال أفضل؟ فقال: "الصلاة على وقتها"، ثم يجتهد في تحقيق معنى أن الصلاة صلة روحية بين العبد وربه، وأن ليس للإنسان إلا ما عقل منها؛ حتى يصل إلى الدرجة التي يكون فيها ممن يعبد الله كأنه يراه "اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

 

وهكذا في كل محور من محاور التربية، نجد أن له بدايةً وله نهايةً، وفي مجال الواقع والتطبيق العملي نجد أن البداية ميسورةٌ للجميع، ولكن بلوع الكمال يتوقف على استعداد الأشخاص، وكلٌّ ميسَّرٌ لما خلق له، ولكل طاقته والحد الذي يقف عنده، ويجب اعتبار ذلك خلال مسيرتنا الدعوية؛ إذ به يحقق الدقة والأمانة في اختيار العاملين، فلا يوضع شخص في غير مكانه، ولا يتولَّى أحد مسئولية إلا إذا كان أهلاً لها.

 

أساليب التربية في الجماعة

الإمام حسن البنا رحمه الله لم يكن بِدْعًا في دعوته، ولم يأت بجديد يستغرب، إنما جدَّد قديمًا جاء به المصطفى صلى الله عليه وسلم، كاد الناس أن ينسوه أو يتركوه، بعد أن اتخذوا هذا القرآن مهجورًا.

 

ونحب أن نؤكد أن خصائص دعوة الإمام البنا هي خصائص الدعوة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي خصائص تنفرد بها الدعوة الإسلامية دون غيرها من الدعوات.

 

ومن هذا المنطلق نقول: لدينا نمطان من التربية لا يمكن الاستغناء بأحدهما عن الآخر إلا إذا اتفقنا على أن الإنسان الذي يسير بقدم وساق واحدة كالذي يسير بقدمين وساقين، وأن الطائر الذي فقد أحد جناحيه يطير كالطائر الذي يطير بجناحيه.. هذان النمطان هما: التربية الجماعية والتربية الفردية، ومفهومنا ببساطة شديدة أن الأولى هي في جماعة صغرت أو كبرت، والثانية هي التربية للفرد مستقلاًّ بذاته أو منفردًا مع مُرَبٍّ.

 

وأهمية التربية الجماعية تتبدَّى في أن الإسلام جاء كمنهج للجماعة، ونزل القرآن الكريم في أمره ونهيه وتوجيهه مخاطبًا الجماعة في صيغة (يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا).. "افعلوا أو "لا تفعلوا"، وهذا ما نحاول تحقيقه بوجود الفرد في أسرة مكونة من مجموعة أفراد؛ ليحققوا معًا منهج الإسلام والمعايشة على أساس توجيهاته، وبين الحين والحين يخالط الآخرين في المحيط الأوسع والأوفر عددًا وهي الجماعة، وبعدها الأمة التي لا تجتمع على ضلالة، كما جاء في قول المصطفى صلى الله عليه وسلم ما معناه: "لن تجتمع أُمتي على ضلالة"، وبهذا يكتسب الفرد سلوكًا إسلاميًّا في تعاملاته ومعاملاته وحياته.

 

وللجماعة والمعيشة فيها فوائد ووظائف ذكرت في مقال سابق (الإخوان المسلمون .. الالتزام أهم عوامل البقاء)، ولا يغني هذا كله- بما يحققه من مزايا تربوية جليلة- عن التربية الفردية التي نرى أنها تتم بأسلوبين:

الأول: الأسلوب الذاتي في التربية، وهو أن يرى الإنسان نفسه من داخلها ويعرف ما ينقصه، فيعمل على استكماله، وما يعيبه فيعمل على التخلص منه (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴿٧﴾ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَ‌هَا وَتَقْوَاهَا ﴿٨﴾ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴿٩﴾ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴿١٠﴾) (الشمس).

 

والتربية الذاتية هي الطريق لإصلاح الذات "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم".. (كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴿١٤﴾) (الإسراء).

 

الثاني: أسلوب المربي مع الفرد، وهو الناصح الأمين، وبخبرته في المعايشة أو بصيرته النافذة يعمد إلى الفرد في زيارة أو لقاء أسرة تسود فيه الأخوَّة والمودَّة، يأخذ بيده ليرشده إلى السلوك الحميد، والخلق القويم، ويعينه على نفسه وعلى شيطانه، ولكن أنَّى للمربِّي أن يؤدي واجبه على هذا النحو إلا إذا تحقَّقت أركان الأسرة: التعارف والتفاهم والتكافل، وتحققت له المعايشة لأفراد الأسرة، ومعايشة أفراد الأسرة بعضهم بعضًا، فالتربية لا يمكن أن تتم بدون معايشة، أي واقع نحسه ونعيش فيه (أي المعايشة)، نحدد ما لدى الفرد من صفات حسنة فنثبتها وننمِّيها، وما لديه من صفات سيئة فنخلِّصه منها، وما يحتاجه من صفات جديدة فنعمل على اكتسابها، وبدون المعايشة تصبح التربية عاجزةً عن بلوغ كمالها، وقد لا ينبئ مظهرها عن حقيقة مخبرها.

 

ونضيف إلى ما سبق ما يمكن أن تحققه المعايشة من صفات وفوائد نحن في أشدِّ الحاجة إليها، وهي:

- تعميق التعارف، وهو المدخل الواسع لعاطفة الحب والأخوَّة؛ حيث تتاح الفرصة لفتح كل نوافذ الحب في الله.

 

- تعميق أواصر الأخوَّة وتحقيق الركن التاسع من أركان البيعة.

 

- إيجاد مساحة كبيرة من الفكر المشترك إن لم يكن توحيده وتطابقه.

 

- اكتساب القدرة على حفظ الفرد بتجنُّب ما لا يرضي- أو يُسيء إلى- الآخرين.

 

- تعميق الثقة بين القيادة والجند، وكذلك بين الجند والقيادة، تحقيقًا للركن العاشر من أركان البيعة.

 

- إزالة الرهبة أو الإحجام عن إبداء الرأي في أمر من الأمور؛ فذلك يؤدي أحيانًا إلى السلبية.

 

وكل ما سبق عوامل تؤدي إلى الولاء وتقويته، وفي مجال التطبيق والواقع نؤكد أن لكل فرد ينضمُّ إلينا لا بد أن يمر بفترة "التكوين"، وهي المرحلة المهمة في حياة تأسيس الأفراد وإعدادهم؛ ليكونوا بعد ذلك حمَلة مشاعل الهداية، وقادة ومسئولين.

 

في هذه المرحلة (مرحلة المنتسب والمنتظم) يجب:

1- ألا يزيد عدد أفراد الأسرة عن خمسة بما فيهم النقيب.

2- ألا تقل مدتها عن ثلاث سنوات.

3- أن يكون النقيب محلَّ ثقة واقتناع من جانب أفراد أسرته، وأن يكون قد اجتاز منهج النقيب بنجاح.

4- يجب علينا أن نخلِّي بين النقيب وأفراد أسرته ولا نسأله تكليفًا إلا إذا كان يصبُّ في خانة التربية والتكوين، مع القيام بالواجبات الأساسية المطلوبة منه، ويكون مع نقيبه وتحت إشرافه.

5- يجب أن نحرص تمام الحرص على أن يعيش الأفراد ونقيبهم حتى نهاية مرحلة التكوين متقاربين، لا يفصل ولا يفرق بينهم أسلوب عمل أو طريقة أداء، كما يتم في فرق العمل والمشاريع، فالنقيب هو حجر (قطب) الرحى في العملية التربوية، والأفراد والأسرة هم الحقل الذي يمارس فيه عمله، وأي تفريق بين الاثنين يُضعف من العملية التربوية، وقد تكون الأسرة بذلك اسمًا بلا مسمى، وشكلاً بلا مضمون، وبهذا قد تصبح الوسيلة هدفًا، ونجد من يهمُّه السؤال عن عدد الأسر ولا يسأل عن مستوى الأفراد فيها، أو يسأل عن عدد اللقاءات والنشاطات ولا يسأل عن أثر ذلك في نمو الأفراد وتكوينهم.

 

إن كل لقاء للأسرة وكل نشاط من أنشطتها يحتاج إلى متابعة أثناء مزاولتها وبعد الانتهاء منها؛ لذلك نؤكد على الزيارات الفردية من النقيب للأفراد، ومن الأفراد للنقيب، ومن الأفراد بعضهم بعضًا فيما بين لقاءات الأسرة وبعد كل نشاط.

 

وأخيرًا.. نحن في حاجة إلى القاعدة الصلبة التي تقوم عليها دولة الإسلام والدعائم والركائز اللازمة لإقامتها وحمايتها، ولن يكون هذا إلا بعمل جاد، تربيةً وتكوينًا وإعدادًا.

 

** (في هذا الموضوع كان مرجعي الأساسي ما صدر عن قسم التربية بالجماعة وكان دوري الإعداد والتجميع والربط مع بعض الإضافات والاجتهادات)، والله الهادي إلى سواء السبيل.