من الإيجابيات التي يجب أن نتحلى بها في هذه الأيام القول الخيّر والكلام الحسن؛ فاللسان مترجم لأفكارنا ومشاعرنا وتصوراتنا وأحاسيسنا، وهو الدال على ما حسُن أو ساء منها، من خلال الكلمة التي ننطقها، وطبيعي أن الكلمة تزرع الحب كما تزرع البغض، وتزرع الألفة والوئام كما تزرع العداوة.
لذلك التفت الدين الإسلامي إلى هذا الأمر وأولاه عنايته في عملية بناء الخلق الحسن، وترسيخ مكارم الأخلاق في النفس، وكل واحد منا يعرف أثر الكلمة؛ أجاءت على هذا الشكل أو ذاك ويعرف إلى أين تصل بالأمور والعلاقات بين الناس.
قال تعالى: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (53)) (الإسراء) و(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70)) (الأحزاب)، وفي الحديث الشريف: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت".
وفي هذا الباب من أهمية قول الصدق والحث على ضرورته في كل زمان ومكان، قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين"، وفي الحديث الشريف: "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما زال الرجل يتحرى الصدق حتى يُكتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدى إلى النار، وما زال الرجل يتحرَّى الكذب حتى يُكتب عند الله كذّابًا".
لا بد- إذًا- من الإشارة هنا الى أن الصدق لا يعني حالة ظاهرية تجري على اللسان، بل هو نتاج حالة نفسية تتوافق فيها كل مشاعر الإنسان وأحاسيسه وأفكاره، وتبنى على ذلك؛ إذ إن الصدق وتحريه يعني أن يكون من هيئة النفس الراسخة؛ لينعكس على القول والفعل بصورة متكاملة لا نقص فيها. وحين تُبنى النفس على هذا الأمر فإنها تضع الإنسان في حالة تامة من حالات التوافق مع الذات والضمير والمشاعر، فالإنسان الصادق لا يعرف إلا تزكية النفس والابتعاد بها عن كل فجور؛ إذ من غير المعقول أن يُقدّم الإنسان الصدق للآخرين ولا يقدمه لنفسه.
على هذا فالصدق تطهير للنفس وتحرير لها، كما هو تحرير وتطهير للأفكار والمشاعر والأحاسيس والجسد، وطبيعيٌّ هنا أن الصدق يشكِّل الذات الإنسانية الموصوفة بالاتزان والاحترام في عين النفس وعيون الآخرين.
فكلمة الصادق عهد وكلمة ميثاق وفصل، وهو الإنسان الذي لا يخشى في الحق لومة لائم، ولا يرضى أن يكون نصير ظلم أو جور؛ لأنه لا يرضى أن يكذب على نفسه وعلى الآخرين.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم الصادق الأمين طوال حياته، وهذا ما اعترف به الأعداء في بداية دعوته، وما استطاعوا أن ينكروه؛ لأنهم خبروا ذلك وعرفوه حق المعرفة.
وبالتأكيد على القول الحسن والصدق، تتأكد خصلتان يصفو بهما اللسان مع صفاء النفس من كل شائبة أو كدر، وبذلك يصل الإنسان المسلم إلى صورة مثلى في التعامل مع الذات ومع الآخرين؛ ليكون المجتمع مجتمع صدق وتوافق ووئام، فبالقول الحسن تنتفي البغضاء وتنتهي الكراهية، ويسود الحب بين الناس، وبالصدق توضع الأمور في مكانها الصحيح، وتكون المعاملات بين الناس قائمةً على الخير وحب الخير, وعندها ينتفي الغش الذي يهدم المجتمع ويضعه في مهب الريح؛ لأن الغش يقدم مصلحة الفرد على مصلحة الجماعة، وهو التفضيل الذي يغرس كل معالم الهدم والتدمير، فالإنسان الصادق صادق في كل شي.. هذا ما يجب أن نتحلَّى به في كل معاملاتنا وتحركنا بين الناس.
--------
* مدير المركز الحضاري للدراسات المستقبلية- nassareg2000@gmail.com