السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، طبتم صباحًا، ومن كل الخير رزقتم، وعن كل الشر بعدتم وأُبعدتم، وكل عام وأنتم بخير بمناسبة عيد الأضحى، يطيب لي بهذه المناسبة أن أهنئكم جميعًا سائلاً الله تعالى أن يجعل أيام مصرنا الغالية كلها عيدًا ورخاءً، وأن ينزل الله عليها السخاء والبهاء مدرارًا، ويزيدها قوة على قوة، ويعيد إليها ما أنطق بها رسوله يوسف عليه السلام من قبل: (ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ) (يوسف: من الآية 99)، ويجعلها كما قال فرعون ذات يوم متباهٍ بها (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51)) (الزخرف)، ولكن دون طغيان ولا فرعنة، فسلام الله على نيلنا، وسلام الله على أرضنا التي هي خير أجناد الأرض كما قال النبي الصادق المصدوق.
تعالوا نقف معًا أمام دروس العيد الذي نسميه باسمين: عيد الأضحى، والعيد الكبير، وسألتمس تلك الدروس، وكذا دلالة الاسم الثاني من اسمه الأول، والسؤال الذي أبحث عنه لا يقف عند رصد الدروس، بل يدور حول نصيبنا منها؛ يشير مسمى "عيد الأضحى" إلى أجمل وأكمل لحظة في النهار، يقول ابن فارس في معجمه مقاييس اللغة: الضاد والحاء والحرف المعتل أصلٌ صحيحٌ واحدٌ يدلُّ على بُروز الشيء، فالضَّحَاء: امتداد النَّهار، وذلك هو الوقت البارز المنكشف، ثمَّ يقال للطعام الذي يُؤكل في ذلك الوقت ضَحاء، ويقال ضحِي الرَّجلُ يَضْحَى، إذا تعرَّضَ للشَّمْس، وضَحَى مثلُهُ، والضُّحى في لسان العرب هو: حينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ فَيَصْفو ضَوْؤها، وهو أيضًا: الغَداءُ، وهو الطَّعامُ الذي يُتَغَدَّى به، سُمِّيَ بذلك؛ لأَنه يُؤْكلُ في الضَّحاءِ، تقول العرب: هم يَتَضَحَّوْن أَي يَتَغَدَّوْنَ، والأَصلُ فيه أَن العرَبَ كانوا يَسيرونَ في ظَعْنِهِمْ فإِذا مَرُّوا بِبُقْعَةٍ من الأَرض فيها كَلأٌ وعُشْبٌ قال قائِلُهم: أَلا ضَحُّوا رُوَيْدًا أَي ارْفُقوا بالإِبلِ حتى تَتَضَحَّى أَي تَنالَ من هذا المَرْعى، ثم وُضِعَتِ التَّضْحِيَة مكانَ الرِّفْقِ لتَصِلَ الإِبل إِلى المَنْزِل وقد شَبِعَتْ، ومن معانيه كذلك البروز والظهور والرقي، والمَضْحاةُ هي: الأَرض البارزةُ التي لا تكادُ الشمس تَغِيبُ عنها، وقد تَضَع العربُ التَّضحِيةَ موضِع الرِّفْقِ والتَّأَني في الأَمرِ والصبر، وخلاصة هذه الدلالات اللغوية أن الأضحى هو: لحظة صفاء النور والدفء، وتوفر الزاد والرفق والصبر والبروز، وعموم الخير للبشر وللأنعام، والمقام في مواضع الخير والتزود منها، وهو اللحظة التي نصلي بها سنة الضحى، وكأني أرى أناسًا أدوا الفريضة، وتقدموا على بساط الطاعة إلى رحاب السنة النبوية يتزودون من التقوى، ويلبسون لباسها، ليقطعوا بها مشوار السعي بقية اليوم في أرض الله يبتغون من فضل الله ويشكرونه وله يسجدون، أو لعلي أرى أمة خرجت من عيدها تعرف الرفق والبروز والنور الصافي وترتع في مواطن الخير، وتبعد عن كل مواطن السوء، فهل فكر كل منا في تغيير ما بنفسه وفكرت كل أسرة، وكل جماعة، والأمة كلها، بهذا الاتجاه، وهو خارج من عرس هذا العيد؟ إن هذا المعنى يأخذ بيدنا إلى عشرة دروس مهمة، بقدر تحقيقنا لها كل في موضعه وبقدر طاقته، يكون استحقاقه للتهنئة بالعيد، وبقدر تغافله عنها يكون العيد حجةً عليه، وشاهدًا على تقصيره:
* الدرس الأول: أن العيد في الإسلام لا يأتي إلا تتويجًا لطاعة، فهو عقب الصوم: صوم رمضان في عيد الفطر، وصوم عرفة في عيدنا هذا، فهل استحضرنا صحبة الصوم في سرنا وعلانيتنا، وسعينا على طريق أن تكون صلاتنا ونسكنا ومحيانا ومماتنا بحق لله رب العالمين؟، وهل عزمنا على مداومة الصوم عما حرم الله؟.
* الدرس الثاني: أن هذا العيد يذكرنا بالتأدب مع الله تعالى، ها هو الخليل إبراهيم، وها هو ابنه اسماعيل يعلنان بكلِّ قوة وبكلِّ صدق أن الأمر كله لله، وها هي النتيجة، يحفظ الله إسماعيل، ويفديه بذبح عظيم، ويرفع إبراهيم إلى مقام يصير به بمفرده أمة وإمامًا للناس جميعًا، ويلبي الله دعوته ويرسل فينا نحن العرب خاتم النبيين يزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة، ويضع كل الأغلال والإصر عن البشرية ويكون رحمة للعالمين إلى يوم الدين، ولنقرأ معًا قول الله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)) (النحل)، ولنتزود بقراءة قول الله تعالى: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110)) (الصافات)، نعم إنها قاعدة قرآنية لا تتخلف: (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم: من الآية 7)، فماذا أعد كل منا أيها الأحبة من زاد للسير على طريق الشكر لله متأسيًا بخليل الله إبراهيم، حتى ينتظر الزيادة منه؟.
* الدرس الثالث: أن الحجيج لبسوا ملابس الإحرام، واستحضروا بذلك هيئة القيام للحساب يوم القيامة، وخلصوا ظاهرهم من كل كسب حرام، فهل خلصوا قلوبهم وسريرتهم من كلِّ زيف، حتى تكون سريرتهم مزينة لله كما يتزين ظاهرهم للناس؟، وهل باتت سريرتهم أفضل من علانيتهم أمام من يعلم السر وأخفى؟، وهل عادوا من الحج وقد أحلوا ثيابهم للسعي من جديد في ابتغاء الرزق من الله، وقد ألبسوا قلوبهم لباس التقوى، وتزودوا به؟، ونحن جميعًا هل استوعبنا معنى: الإحرام؟ هل عزم كل منا بعد العيد أن يتحلى بملابس إحرام تتمثل في لباس التقوى؟، فالله وصف التقوى بأنها خير الزاد، يقول سبحانه وتعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (197)) (البقرة)، ووصف لباس التقوى بأنه خير، يقول سبحانه: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26)) (الأعراف)، ومن مقتضيات لباس التقوى على سبيل المثال لا الحصر: قلب خالٍ من الحقد والحسد ومن البغضاء، ومملوء بالحب في الله ولله، ولسان لا يعرف الغيبة ولا النميمة ولا سقط الكلام، بل هو رطب بذكر الله، ويد طاهرة لا تمتد إلى حرام، لا تعرف البطش، بل تجيد المسح على رأس اليتيم ومساعدة الضعفاء، يد تزرع وتصنع وتبدع وتعمل في الخير حتى يحبها الله ورسوله، ورِجْل كثيرة السعي إلى المساجد، وكثيرة الخطى في إصلاح ذات البين، وفي طلب الرزق الحلال، وعين يغضها الإيمان عن كل حرام، تفيض من الدمع حين يذكر اسم الله، تقرأ القرآن وما ينفع من علم يحقق السعادة في الدارين، وتضن بالنور الذي وهبها الله إياه أن تبدده في رؤية ما يغضبه، وأُذُن تنصت لسماع الخير، وتصير صماء في مواطن الكذب والافتراء، فمن منا ينوي من هذه اللحظة أن ينسج خيوط لباس التقوى ويتزين به؟.
* الدرس الرابع: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال يوم حجة الوداع لكل من سأله عن تقديم شيء أو تأخيره: "افعل ولا حرج"، إنه درس اليسر ونفي العسر الذي أكد عليه الله ورسوله في أمر المسلمين كله.. في الصلاة شرع التيمم لمن لم يجد ماء، وفي المرض والسفر شرع الفطر وصيام أيام بديلة في الصحة والإقامة، وفي الحج شرع الرجم في يومين لمن تعجل، وبين القرآن أن الله يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر، فلنتذكر قول الله تعالى: (يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا (28)) (النساء)، وقوله سبحانه بحق النبي الخاتم والأسوة الحسنة به: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)) (الأعراف)، فلم يخير رسولنا بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، وعلمنا عليه السلام أن: "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا وكونوا عباد الله إخوانًا، وأن المؤمن إلف مألوف، وأنه لا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، وأن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما غاب عن شيء إلا شانه، والدين شديد، فأوغل فيه برفق، فإن المنبت لا ظهرًا أبقى ولا أرضًا قطع"، فلنستحضر بعد العيد اليسر، وليسع كل منا في الأخذ بأسبابه، حتى يكون أمر أمتنا كله يسرًا في يسر كما يحب الله ورسوله، وليكف دعاة التنطع والتعسير وتقنيط الناس من رحمة الله والقول في دين الله بغير علم.
* الدرس الخامس: يتعلق برسالة عميقة إلى الأمة الإسلامية جمعاء من عرفات، إنها رسالة المغفرة والرحمة، فلقد بشرنا النبي عليه السلام في حجة الوداع أن الله نظر لمن بعرفة فغفر لهم وحمل عنهم التبعات، وكما قال الفاروق عمر يومها حين علم من رسول الله أن هذا للصحابة ولمن جاء من بعدهم إلى يوم أن يرث الله الأرض ومن عليها: عم خير الله وطاب، فرحمة الله وسعت كل شيء، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، إلا أن درس الرحمة العامة هذا ورفع التبعات قرن بأمر مهم وهو: الحج المبرور؛ حيث هو من مال حلال، ويؤديه متعبد صادق لا يعرف الفحش ولا الفسوق ولا الجدال المريض ويذكر اسم الله تعالى على ما رزقه، ويكبر ربه، ويعود وقد ذاق حلاوة التخلص من الذنوب والآثام بصفحة بيضاء، ولا ينكص على عقبيه كالتي نقضت غزلها من بعد قوة، فالرحمة واستحقاق المغفرة يحتاجان إذًا إلى توبة نصوح، لا رجوع للذنب بعدها أبدًا، وبه يكتسب المرء ما هو أشبه بالحياة بعد أن كان ميتًا بالذنوب والهوى، ويصير للمرء نور يمشي به في الناس، يقول الله تعالى: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (122)) (الأنعام)، فكم منا عقد العزم والنية على الدخول في وفد الرحمن المستحق لتبديل السيئات حسنات والعودة من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وأن يكون له نور يمشي به في الناس؟.
* الدرس السادس من عرفة أيضًا هو البلاغ الذي أشهد الرسول أصحابه يوم حجة الوداع، وأشهد ربه على الأمة ثلاث مرات، يقول: اللهم هل بلغت؟ فيقول أصحابه بلى، فيقول: اللهم فاشهد، أنه البيان الحجة، فلنقرأ نص هذا البلاغ المبين، ولننبه قبل ذكره إلى أنه صدر في ذات اليوم، وفي ذات المكان الذي تنزَّل فيه قول الله تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (المائدة: من الآية 3)، أما نص ذلك البلاغ النبوي الجامع فهو: "أيها الناس اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدًا، أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت، فمن كان عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن كل ربا موضوع ولكن لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله، وأن كل دم كان في الجاهلية موضوع وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان مسترضعًا في بني ليث فقتلته هذيل، فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية، أما بعد؛ أيها الناس فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدًا، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به بما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم، أيها الناس إن النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا، يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا، ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله، إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حُرُم؛ ثلاثة متوالية ورجب مضر، الذي بين جمادى وشعبان، أما بعد أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقًّا، ولهن عليكم حقًّا، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربًا غير مبرِّح؛ فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئًا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله فاعقلوا أيها الناس قولي، فإني قد بلغت، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا، أمرًا بينًا، كتاب الله وسنة نبيه، أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمون أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه فلا تظلمن أنفسكم، اللهم هل بلغت؟ فذكر لي أن الناس قالوا: اللهم نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم اشهد".
فهل نقول سمعًا وطاعة ونتقي الله فنقلع عن الربا، وعن كل دعاوى الجاهلية، وعن تضييع الأمانة، وعن ظلم المرأة؟، وهل نحاذر من الشيطان، ونعي أن محقرات الذنوب تصير مع كثرتها والإصرار عليها مهلكة للأمة، فمستعظم النار من مستصغر الشرر؟، وهل ننصت للنبي ونتقي الله في دماء تهدر في كل موضع من بلاد المسلمين؟ وهل نستجيب للرسول إذا دعانا لما يحيينا ونتعامل مع المال على أنه أمانة بأيدينا يجب أن لا نقبلها إلا من حلال ولا ننفقها إلا في الحلال؟ وهل نكف عن فيضانات من الغيبة والنميمة والخوض في الأعراض دون بينة، ونعي أن من شيم المتقين أنهم إذا مروا باللغو مروا كرامًا؟.
* الدرس السابع: أنه في هذا العيد يرتج الحرم بالتهليل: (لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك.. لا شريك لك، لبيك وسعديك، والملك بيديك، لا نحصي ثناء عليك، الخير بيديك، ولا ملجأ منك إلا إليك)، وعلى مدى أربعة أيام بدءًا من فجر عرفة حتى عصر ثالث أيام التشريق، يكبر المسلمون في كل بقاع الأرض عقب صلواتهم: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.. الله أكبر الله أكبر ولله الحمد؛ فهل فعلاً تحقق التوحيد الخالص في قلوبنا وأقبلنا على الله تعالى ملبين؟، أم لا زال منا من يقول ذلك بلسانه بينما قلبه عابد للدرهم وللدينار ولدنيا يصيبها؟ وهل فعلاً عرفت نفوسنا القناعة، وتجسدت في واقعنا كلمة (ولله الحمد)؟ ولنحذر إن لم يتطابق قولنا مع فعلنا قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ (4)) (الصف).
* الدرس الثامن: متعلق بدلالة الصلاة في مقام إبراهيم وبحقها، يقول الله تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)) (البقرة)، فهل يستحضر كل منا معنى أنه صلى مكان من سمانا المسلمين من قبل؟ ما الذي يجب أن يصير عليه من وقف في مثل مقامه؟ لا شيء أقل من الحنيفية السمحاء التي يدعو الله معها كما دعا صاحب ذلك المقام أن يتقبل منه، وأن يجنبه وبنيه الشرك، ويشارك كل المسلمين بصلاة العيد وفد الرحمن في هذا الدرس، ويقدم لنا هذا الدرس برنامج حياة رشيدة كاملاً، فلنحضر مشهد تأسيس ذلك المقام الإبراهيمي، ونطل على هذا البرنامج على عجل، يقول الله تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ (129) وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (132)) (البقرة).
* الدرس التاسع: هو دلالة الطواف حول الكعبة، إنه درس وحدة القبلة الذي يحول المسلمين في كل أرجاء الأرض إلى أمة ذات وجهة واحدة هي: بيت الله تعالى، ومقتضى هذا الدرس هو عدم التفرق في الدين وعدم التباغض وعدم التنازع لكونه مؤديًا للفشل، مُذهبًا للريح ومورِّثًا للذلة والوهن، أما وحدة القبلة فتورث التراحم وإحساس الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالحمى والسهر، ولنقرأ بالمناسبة قول الله تعالى: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150)) (البقرة)، ولنقرأ قوله تعالى: (جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97)) (المائدة).
* الدرس العاشر هو: السعي المحاكي لسعي إبراهيم وإسماعيل وهاجر عليهم السلام، نعم بأمر الله تعالى أخذ إبراهيم زوجه وابنه الرضيع وتركهم عند البيت الحرام، وهناك تعلمنا أنه ما دام الوضع تم بأمر من الله "فإن الله لن يضيعنا أبدًا"، وعلمنا إبراهيم أن الله هو الذي يوجد الأسباب، لننصت إليه وهو يقول: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)) (إبراهيم)، وعلمتنا أمنا هاجر أن الأخذ بالأسباب فريضة، وأن الجدية في الأخذ بها واجبة، فلم تجلس بجوار ابنها تنتظر ماءً يتدفق دون أن تكون قد استفرغت جهدها في طلب رزق الله المنزَّل إليها وإلى ابنها، بل سعت سبع مرات، ولم تقل ما دمت لم أجد الماء في المرة الأولى فإنه لا يوجد ماء، ولم يأت المدد الرباني فياضًا إلا إلى أمة عابدة جدت في السعي واستفرغت كل ما في طاقتها ووسعها، عندها كانت ركلة قدم الطفل الرضيع، تبرهن على أن إرادة الله تعالى هي الأخذ بالأسباب، مع التأكيد على أن تلك الإرادة فوق كل الأسباب، ومن الأهمية بمكان ملاحظة أن الماء لم يأت في الموضع الذي سعت فيه بين الصفا والمروة، بل جاءت زمزم على مقربة منه بفضل الله، وأمْر الله بالسعي بين الصفا والمروة يضع الأسباب في مكانها الصحيح، سواء أدت بأمر الله إلى المراد، أم لم تؤد إليه، فأمره تعالى إذا أراد شيئًا أن يقول كن فيكون، والسؤال: من منا خرج من العيد وهو يعي ما قاله عمر بن الخطاب: إن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة؟، ومن منا تعلم من هاجر أنه بالسعي المشكور في الأرض نرزق من حيث لا نحتسب؟ ومن منا تعلم من إبراهيم أن الألفة بين البشر تجعل المكان الذي لا زرع فيه حرمًا تهوي إليه القلوب، وأن العمران وإقامة الصلاة تقتضي ألفة ومودة ومجتمعًا يسوده الحب ويحكمه شرع الله؟.
أحبتي، أطلت عليكم، ولكني أقول إن العيد حين نخرج منه بنصيب وافر من هذه الدروس العشرة، نستحق أن نهنأ به، ويكون بحق عيدًا كبيرًا، أما لو خرجنا به ونحن على ذات حالنا التي كنا عليها، فإنه يكون عيدًا لغيرنا وحجة علينا.
والسلام عليكم ورحمة الله وكل عام أنتم بخير.. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.