من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ما يصور حال الأمة الآن كالسفينة التي تسير في بحر متلاطم الأمواج، وهي بين النجاة والغرق، وركابها إما إلى طريق الإصلاح والإنقاذ، وإما إلى طريق الفساد والهلاك، فعن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا؛ فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا" (رواه البخاري).

 

 هذا هو حال أمتنا العربية، وفي القلب منها مصرنا الحبيبة، وبعد أن منَّ الله علينا ببداية التغيير بـ"ثورة التحرير" في 25 يناير الماضي، وبدأت السفينة في التماس طريق النجاة، بعد أن تخلصنا من قادة السفينة الذين نهبوا البلاد ونشروا الفساد وظلموا العباد، ووقفوا في وجه كل حركات الإصلاح، ووقعت البلاد ضحية مثلث الفساد والاستبداد والفقر، علاوةً على مربع المرض والتخلف والظلم والقمع؛ ولكن إرادة الله عز وجل شاءت أن تقوم الثورة على أيدي الشعب كله، وفي مقدمتهم الشباب وحتى تستمر مسيرة السفينة إلى بر الأمان؛ لتعبر بمصرنا إلى آفاق التقدم والريادة والحضارة التي تستحقها، أقدِّم هذه النصائح لنا جميعًا كأولويات للعمل الوطني المشترك لكل الأطياف متعاونين على البر والتقوى:

 

1) الإيجابية:

لقد عاد إلينا الوطن، وأصبح يعيش فينا ونعيش فيه، وينبغي أن نقيم بناءه على أنقاض السلبية التي انتشرت في العقود الأخيرة بسواعد الإيجابية، ودفع الإصلاح المنشود في جميع الميادين، وفي كل الاتجاهات، ولم يعد هناك مجال لحالة اللا مبالاة والوقوف للمشاهدة فقط أمام كل تجاوز في حق الوطن والناس، وإنما هبة قوية وحركة ذكية للتغيير والبناء على كل الأصعدة؛ ولتكن هذه هي ثقافة الأجيال الحالية والناشئة.

 

 2) محاربة الفساد:

إن الفساد ما زال ينخر في جسد الأمة، وهناك الكثير من فلول النظام السابق وأهل الشر يحاولون أن يستعيدوا سيطرتهم ليفوزوا بالمال والجاه والسلطة مرةً أخرى، وسيستمر التدافع بين الحق والباطل وبين الخير والشر وخطاب الشيطان إلى يوم الدين، قائم في صدور أوليائه ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82)﴾ (ص).

 

 وعلى كلٍّ منا أن يكشف الفساد في أي موقع، وأن يتقدّم إلى القضاء بالقضايا الكثيرة التي خنقت الوطن، ويفضح رموز الفساد السابقين وملاحقتهم قانونيًّا وإعلاميًّا وجماهيريًّا؛ حتى تسقط هذه القلاع التي يتحصن فيها أهل الباطل والنفاق وأعداء الوطن.

 

 3) التعاون والوحدة:

إن توصية القرآن الكريم إلى يوم الدين ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ (آل عمران: من الآية 103)؛ ليكن منهجنا جميعًا القاعدة الذهبية التي أرساها الإمام البنا عليه رحمة الله "نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه"، والقاعدة الفقهية "لا حرج في المختلف فيه"، فالوطن يحتاج إلى كل سواعد المخلصين؛ لأن البلاد على خطر عظيم، والثائر الحق كما قال إمامنا الشيخ الشعراوي عليه رحمة الله "هو الذي يثور ليهدم الفساد ثم يستريح ليبني الأمجاد"، وهذا البناء لا بديل له عن التعاون بين كل أفراد الأمة وطوائفها؛ لأن التركة ثقيلة، ونحن جميعًا أمام تحدٍّ حضاري عالمي، بعد أن ظهرت الثورة المصرية كأرقى ثورات التاريخ، وما حدث بعد ذلك في ليبيا واليمن وسوريا ليعبر عن صدق هذه الحقيقة التاريخية ولله الحمد والمنة.

 

 ولا ننسى توصية الله تبارك وتعالى لعباده ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 46)، وأود بكل حب أن أوجه نظر النخب في وسائل الإعلام إلى تجنب الأهواء الشخصية والتعصب، وزرع ألغام الاختلاف المذموم في أرض الرأي والرأي الآخر؛ حتى لا تنفجر فينا جميعًا، وما أعظم ما قال الإمام الشافعي رحمه الله "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"، وانظر إلى الأدب الراقي في تناول أمور الاختلاف الفقهي بين المذاهب الأربعة، حينما كان يتحدث صاحب مذهب عن المذهب الآخر فيقول: "هؤلاء أسيادي وليسمحوا لي أن أقول رأيًّا آخر، ولا ننكر فهمهم وفقههم في القضايا التي اجتهدوا فيها، ووضعونا على الطريق الصحيح".

 

أما حملات التشكيك والتخوين وسوء الظن والتشهير والكذب أحيانًا فهي من معوقات تقدم الأمة ولا تصدر عن المخلصين الوطنيين، وما أعظم ما أوصى به الإمام البنا رحمه الله في وصاياه العشر "لا نجرح الأشخاص ولا الهيئات"، ولقد تعلم ذلك ونحن معه من منهج النبي صلى الله عليه وسلم، حينما قال في حديثه عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِذَا بَلَغَهُ عَنْ الرّجُلِ الشَّيْءُ لَمْ يَقُلْ مَا بَالُ فُلانٍ يَقُولُ وَلَكِنْ يَقُولُ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا" (رواه أبو داود)، إنها قمة الحضارة والبناء لجمع الأمة على كلمة سواء في حال الانحراف السلوكي.

 

 4) تقديم المصلحة العامة:

لا بد من تغليب المصلحة العامة على المصالح الشخصية الضيقة؛ لأن الوطن هو الأم ونحن أبناء، ومصلحة الأم قبل الأبناء؛ لأنها هي الأساس، ومنها الخير كله، ولقد قدّم التشريع الإسلامي مصالح الأمة في المقام الأول، وبها تتحقق مصالح الأفراد، إلا في حالات استثنائية تحددها الشريعة، وفي زمن الانهيار كما نعيش، وإرادة البناء كما نريد، لا بد أن ننظر إلى المصلحة العامة أولاً، ثم تأتي بعد ذلك المصلحة الشخصية والفئوية، فتلك هي نظرة العقلاء، ولو نظرنا من الوجهة الطبية لمريض أوشك على الوفاة، لوجدنا أن الأطباء يبذلون كل الجهد لإنقاذ الجسد بأكمله أولاً، ثم بعد ذلك توجه الجهود إلى سائر الأعضاء، أما إذا كان العلاج لجزء واحد فقط، فحتى لو عالجنا العضو، فلن ينعكس ذلك على بقية الجسد.

 

إننا بأخلاق الثورة التي انصهر فيها الجميع لإسقاط النظام يجب أن نستمر أيضًا يدًا واحدة للشعب والجيش والحكومة في طريق واحد، بعيدًا عن الفرقة والشائعات، ومحاربة حظوظ النفس بجانب محاربة الفساد.

 

 5) الإنتاج:

نحن على أعتاب انهيار اقتصادي غير مسبوق لو استمر الناس في الكلام دون العمل والفرقة وليس التوحد والاستسلام للشائعات وحصاد بذور الفتنة التي نراها في أنحاء البلاد، ولكننا في حاجةٍ إلى صرخةٍ قويةٍ تدفعنا جميعًا إلى الإنتاج والعمل الدءوب وحث الآخرين على ذلك مستبشرين بما فتح الله به علينا من نصر واثقين في قدرتنا، ويكفي أن توقف نزيف النهب والسرقة كما رأينا سوف يدفع بالبلاد أن تسترد عافيتها التي نتمناها.

 

 6) الأخلاق:

لقد مدح الله رسوله الكريم فقال ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم)، وقال الشاعر:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت        فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

 

والحضارة تُقام على الأخلاق الفاضلة وتهدم بانهيارها وأسباب ذلك كما نقرأ في مواضع كثيرة من القرآن الكريم ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15)﴾ (فصلت)، ﴿وفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ {10} الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ {11} فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ {12} فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ {13} إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ{14}﴾ (الفجر).

 

لذلك لا بد أن تعود الأخلاق الكريمة والشريفة لتكون سمت المجتمع في التعامل بكل ما في منظومة الأخلاق من إصلاح وبناء، بأخلاق الثورة وأخلاق الفرسان وأصحاب الأديان وقدوتنا في ذلك الرسول الكريم الذي أجمع رسالته في قوله: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" فإن الحضارة الإسلامية بُنيت على الأخلاق، وانتشرت في العالم بمكارم الأخلاق والقدوة الطيبة التي تفتح القلوب والبلاد ويُقام عليها بنيان التقدم والرقي الحضاري.

 

إن النظام البائد قد أفسد الأخلاق في أوصال المجتمع، وكانت إدارة الفساد وفساد الإدارة هي التي تسيطر على الناس، ولكن الشعب أفاق وسعى إلى آفاقٍ جديدة ليعود المواطن المصري إلى حقيقته التي غيبت في هذه العقود، والله نسأل أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يأخذ بأيدينا إليه أخذ الكرام عليه حتى تنجو السفينة ويتم إنقاذها.

 

وبعد أيها الأحباب الكرام.. لقد تخطت سفينة الوطن المحطة الأولى في الانتخابات البرلمانية بنجاح كبير ونستعد لأن تصل إلى المحطة الثانية ثم الأخيرة لتكوين أول برلمان شعبي منتخب بإرادة المواطنين بعيدًا عن تزييف وتزوير إرادة الأمة ليقود السفينة إلى بر الأمان.

 

وأؤكد على ضرورة التحلي بأخلاق الإسلام أثناء الانتخابات حتى تكتمل الفرحة بتحقيق ثمار الثورة ومن أهم هذه الأخلاق الصدق في الدعاية واختيار الأصلح للمهمة والبعد عن العصبية والتدليس والكذب وغلق باب الشيطان في التحريش بين أبناء الوطن والمنافسة الشريفة النظيفة والكلمة الطيبة وتجنب تجريح الأشخاص والهيئات واحترام الآخر وآرائه والحب والتعاون والإيثار والوحدة والتوافق وقبول النتائج مهما كانت ثم بعد ذلك العمل المتواصل الجاد المخلص لمصلحة الوطن ابتغاء مرضاة الله.

 

وأختم بجزء من بيان الإخوان المسلمين الصادر يوم 29/11 قبل إعلان النتائج ففيه تذكرة وعظة لأحباء الوطن.. إن المشهد الذي تجلى في الحشود المتدفقة على لجان الانتخابات أمس واليوم له دلالات كبيرة:.. أن الحرية هي الحياة وأنها تفجر في الإنسان أنبل وأعظم ما به من خصائص وخصال.

 

* وأن الديكتاتورية تدفن هذه الخصال وتطلق في الإنسان أسوأ غرائزه.

 

* أن الشعب المصري ليس شعبًا خانعًا ولا سلبيًّا مثلما كان يشيعه الأفاكون، ولكنه شعب إيجابي حر واعٍ كريم.

 

* أنه انتصر في ثورة 25 يناير وكسر حاجز الخوف، وقدم التضحيات الغالية من الأرواح والدماء.

 

* وأنه انتصر أيضًا في 28، 29 نوفمبر على حملات الإرهاب والتخويف والتفزيع التي أشاعها عدد من الإعلاميين والسياسيين والمثقفين بأن الدماء سوف تسيل للركب، وأن التزوير لن تكون له حدود، وأثبت بملايينه التي وقفت في طوابير طويلة لساعات كثيرة وتحت المطر في بعض المحافظات أن فلسفة بعض الإعلاميين والسياسيين وتحليلاتهم المغرضة إنما هي ثرثرة فارغة ومضيعة للوقت وإثارة للجدل.

 

* أن قرار إجراء الانتخابات في موعدها كان هو القرار الصحيح وهو ما كنا نطالب به دائمًا.

 

* أن مطالب ميدان التحرير العليا، وأهداف المعتصمين فيه إنما تتحقق بصناديق الاقتراع والإسراع على طريق المسيرة الديمقراطية ليتسنى نقل السلطة من المجلس العسكري إلى السلطة المدنية المنتخبة.

 

وبقدر سعادتنا بالحدث الديمقراطي العظيم، كان أسفنا للحملات الإعلامية الظالمة التي وُجهت لنا قبل الانتخابات وأثناء الانتخابات ولا نعتقد أنها ستتوقف بعد الانتخابات، والتي وصفتها مجلة (فورين بوليسي) منذ أيام بقولها: "إن هناك حالة هياج سياسي في الإعلام المصري ضد جماعة الإخوان المسلمين"، ودعوتنا لإخواننا المصريين ألا يتأثروا بهذه الدعاية المغرضة، وأن يعرضوا الأخبار والآراء على عقولهم وقلوبهم فنحن نثق في ذكائكم واستقامة فطرتكم ومعرفتكم بالحقائق التي تكشف الأكاذيب.

 (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ) (النساء: من الآية 135).