نعم بالأخلاق نرتقي، بها مُدِح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)) (القلم)، بل جعل أساس بعثته الأخلاق (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (107)) (الأنبياء)، وبيَّن القرآن حقيقته بالنسبة للمؤمنين في قوله تعالى (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (التوبة: من الآية 128)، وبيَّن القرآن العظيم أن البعد عن الأخلاق مهلكة وإبعاد لمن وصف بذلك عن صلاحيته لقيادة الأمة وإرشاد الناس (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ) (آل عمران: من الآية 159).
ولقد اهتم الإسلام- أعني به دين الله من لدن آدم إلى آخر المرسلين سيدنا محمد عليهم جميعًا صلاة الله وتسليماته- بالأخلاق كأمر أساسي لا يختلف من شريعة إلى أخرى، ومن الآيات الجامعة للأخلاق ما ورد في قوله تعالى (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92)) (النحل).
ومن شاء أن يقرأ بعض ما ورد في الأخلاق فمن ذلك آيات سورة الإسراء من 38:23، وسورة الأنعام 153:151، وصفات عباد الرحمن سورة الفرقان 74:63، وسورة المعارج 34:19، والكثير من آيات الله تحتوي على الحض على مكارم الأخلاق والتحذير من سيئها.
بل إن سورة النور التي بدأت بقوله تعالى (سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1)) (النور).
تحتوي في أكثر آياتها على الصفات الأخلاقية للفرد والمجتمع والدولة.
والنبي صلى الله عليه وسلم يعبِّر عن الإيمان بأنه بضع وسبعون شعبة ويجعل منها إماطة الأذى عن الطريق وهو خلق، ثم يذكر هذا الخلق المانع من فعل السيئات والمانع من ترك الواجبات فيقول صلى الله عليه وسلم "والحياء شعبة من الإيمان", بل إنه صلى الله عليه وسلم يعبِّر عن هدف بعثته فيقول "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وفي رواية صالح "صالح الأخلاق", ويرشد النبي صلى الله عليه وسلم الأمة إلى ما هو أفضل من العطاء المادي فيقول "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم, فسعوهم ببسط الوجه وحسن الخلق".
والأحاديث النبوية الشريفة تجلي مكانة الأخلاق في هذا الدين القيم بقوله صلى الله عليه وسلم "إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم" ويقول صلى الله عليه وسلم "ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق"، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال "أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا, وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه".
مر هذا كله وأكثر منه كثيرًا وأنا أعيش أحوال الانتخابات في مصر الحبيبة وكلها عجب:
1- تخوين للنوايا, وافتراضات مستقبلية يتكلمون عنها بأسلوب قاطع كأنها واقعة لا محالة، وتخويف المجتمع من فصيل يحبه هذا المجتمع.
2- محاولات دائمة بأسلوب مستفز لفرض الرأي، وفارق كبير بين عرض الرأي وتوضيحه ليختار من شاء ما شاء وبين الكذب الصريح على الآراء الأخرى.
3- عدم الأمانة في نفل الرأي أو عرضه ونقل الاجتزاء من التصريحات أو الكلمات بما يحقق رغبة المتكلم.
4- محاولة شراء الأصوات بأموال أو أغذية أو غير ذلك.
5- التدليس على راغب قائمة معينة بإرشاده إلى رمزٍ ما يحب المسئول أو يرغب في دعمه وهو نوع من الكذب الصريح, ثم هو ليس كذبًا على فرد، إنما هو تدليس في أمر أمة.
6- استغلال البعض لأسماء دعاة للترويج لحزبهم مع أن هذا الذي يستغل اسمه صرَّح وغيره بأن المواطن عليه أن يختار من يراه ذا كفاءة لتحقيق المطلوب، ولم يصرح بحزب معين.
7- العصبية الجاهلية التي بدت على السطح خاصة من هذا الذي يطلب حماية من دولة أجنبية بأسلوب لا يمت للأخلاق بصلة، وسط صمت رهيب ممن حوله وممن ينتسب إليهم.
كل هذا دفعني إلى سؤال: هل يمكن لمصر أن تكون دولة لها احترامها ومكانتها وهذه هي الأخلاق التي تشاع فيها؟
سئلت يومًا ماذا تتمنى أن ترى في مصر؟ وظن سائلي أنني سأقول تطبيق الشريعة الإسلامية بالمفهوم الانتقالي عند محدثي وأمثاله فأقول إلزام النساء بلباس الحجاب وتطبيق حد السرقة وغير ذلك. وبلا شك أنني أريد وأتمنى وأسعى لتطبيق الشريعة الإسلامية في هذا المجتمع لأنها حق الله على عباده (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ) (الأعراف: من الآية 54).
ولأن الشريعة مناسبة للإنسان (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)) (الملك)، ولأنها الهدى الذي وعدنا به (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى) (البقرة: من الآية 38). ولكن هذه الشريعة كي تطبق لا بد من تهيئة الأمة لذلك, وأن تتعرف أولاً على حقيقتها وخبراتها, وفي هذا الوقت ستكون جموع هذه الأمة أسرع مني ومن أمثالي رغبة في تطبيق الشريعة لما فيها من خير وصلاح لعموم المجتمع وطاعة لله لمن آمن به.
المهم أني أجبت سائلي بأن أول ما أحب أن أراه هو الآتي:
1- قيادة للسيارات ووسائل النقل المختلفة: دراجة, موتسيكل, سيارة بأنواعها في انضباط واحترام والتزام للسرعة وخطوط السير.
2- طرق نظيفة ليس فيها قمامة (زبالة) ولا أتربة.
3- يتحدث بعضهم مع بعض دون سب أو شتم أو بلطجة.
4- ضمير يسود جميع العاملين في الدولة عند أصحاب جميع المهن بحيث لا تجد غشًّا ولا رشوةً ولا ما شابه ذلك.
5- حب ومودة يسيطر على كل بيت وكل أسرة وكل شارع وكل بلدة، سكان العمارات يعرف بعضهم بعضًا, ويعين بعضهم بعضًا, الغني يسارع إلى الفقير, والقوي يسارع لمساعدة الضعيف وغير ذلك.
ضحك محاوري ومضى ولم يعلق.
ولكن أعلق فأقول يا كل النخبة, يا كل المحاورين, يا كل الساسة, يا كل الأحزاب خاصة الإسلامية منها, يا كل المرشحين, مصر لن تكون إلا بالأخلاق وأنا الآن أتعجب: مرشح بلا أخلاق أو حزب يهدم الأخلاق, فمن من العقلاء يختار مثل هؤلاء؟!!!.
يا سادة لئن تخسروا الانتخابات خير من أن تخسروا الأخلاق.
-------------------------------
* مسئول قسم نشر الدعوة بجماعة الإخوان المسلمين