ليت الذي يبكي من العين ماؤها، إنها دماء بعد أن جف من العين الماء، في جوف الليل، حيث سكن كل شيء من حولي، وهدأ كل شيء، سقطت من عيني دمعة، وأنا أتذكر ذلك العهد البائد الذي فصل مصر رأسًا، وجسدًا عن أمتها العربية، وارتضى أن نكون في ذيل القافلة، لا نقدم ولا نؤخر، ولا يسمع لنا صوت، فصل الرأس عن الجسد العربي ففقد الرأس قيمته، وتمزق الجسد، تجرعت غزة الصابرة، الأسيرة، المحاصرة ألوانًا من الحصار والحرمان كي تنعم "إسرائيل" بالأمن، دموع وليتها تريح قلبي، لقد سقطت دمعة أججت في القلب ذلك الشوق إلى الشهادة في سبيل الله هناك؛ حيث الأمان الأبدي، إلى جوار الله ذلك خير.
لم يعد في دنيا الناس ما يُبكى عليه إذا تركنا أبناءنا وأبناء إخواننا يلتحفون السماء وينامون على أصوات الطائرات والقذائف والمدافع، إذا طابت أنفسنا بالعيش، وإخواننا يرابطون، ينتظرون الشهادة بشوق ويسخرون من الأهوال، يتذرعون بالإيمان، ويسخرون من أخوَّة ممسوخة، وجوار لا يغني ولا يُسمن، إذا عزَّت علينا الحياة يا غزة وهُنتِ علينا فلا نملك إلا الدموع التي تسح ومع كل دمعة تحمل ألف لعنة، وألف ألف دعاء، إنها دموع العاجز الذي لا يملك أن يقدم شيئًا، هل أتى علينا زمان تذرعنا فيه بأسلحة النساء من البكاء والعويل، ورفع الصوت؟؟ أين صوت الأمة؟ أين عتاد الأمة؟ ظني أن في سوق النخاسة والخردة مكانًا يناسب أسلحتنا التي ظلت لا توجه إلا في صدورنا زمناً، ودروعنا التي ظلت لا تحمي حتى ظهورنا، أتى علينا زمن أصبح باطن الأرض فيه أحب إلينا من ظهرها.
تجمدت المشاعر، وقست القلوب، واعتلى الروح الهزال الذي أفقد الحياة طعمها.
يا إخواننا في غزة أنتم عزنا وفخارنا!!
يا نساء غزة أنتن تسطرن التاريخ، يا أطفال غزة لقد سبقتم أعماركم، وكبرتم قبل أوانكم، وحزتم براءة المرحلة، فهنيئًا رجولتكم المبكرة يا مرابطون على الثغور، من كان الله معه فلا شيء عليه.
لله دركم يا حملة اللواء، هنيئًا لكم ذلكم المقام عند الله، قال صلى الله عليه وسلم "من رابط ليلة في سبيل الله كانت له كألف ليلة صيامها وقيامها"، لقد اختاركم الله تعالى لفضله، ومنحكم شرف إحياء الفريضة الغائبة، صدق حبيب الله حين قال: "لا يجمع الله في جوف رجل غبارًا في سبيل الله ودخان جهنم ومن اغبرت قدماه في سبيل الله حرم الله سائر جسده على النار ومن صام يومًا في سبيل الله باعد الله عنه النار مسيرة ألف سنة للراكب المتعجل ومن جرح جراحة في سبيل الله ختم له بخاتم الشهداء له نور يوم القيامة لونها لون الزعفران وريحها ريح المسك يعرفه بها الأولون والآخرون ويقولون فلان عليه طابع الشهداء ومن قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة".
هنيئًا لكم ساعة في سبيل الله هي خير من الدنيا وما فيها قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رباطُ يوم في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها، وموضعُ سَوْط أحدكم من الجنة خيرٌ من الدنيا وما عليها، والرَّوْحة يروحها العبد في سبيل الله والغدوة خيرٌ من الدنيا وما عليها" (البخاري رقم 2892، فتح الباري 6/85).
أيها الثائرون على الظلم، والمتمردون على الجور، الله معكم، تقبل الله جهادكم، وحرر أرضكم، وحقن دماءكم وأنعم عليكم بنعمة الأمن في الدنيا والآخرة.