كنت قد قررت أنا وأسرتي أن نجعل العطلة السنوية لنا في حاضرة من حواضر الأمة الإسلامية بدلاً من المصايف، وكانت وجهتنا الأولى إلى سوريا الحبيبة، خاصة أن لنا فيها صحبةً غاليةً مذ كنا في رحلتنا لنيل زوجي لدرجة الدكتوراه بكندا. وكما كانت كل بلادنا العربية، وجدت سوريا: تماثيل وأصنامًا وصورًا لحكامها- أقصد لطواغيتها- ولصوصها.. في كل شارع وحارة وزنقة؛ بل في الصحاري والطرق التي لا يكاد يمر بها البشر، لا بد أن تنقبض نفسك برؤية التمثال، وتُقذى عينك بالصنم.
ذهبنا إلى المسجد الأموي نصلي الجمعة، وأخذتني روعة الخطبة: بيانًا، وتذكرةً وفكرًا حتى إنني لم أستطع أن أقاوم إخراج قلمي وأدون بعض الملاحظات، وسألت عن الخطيب فقيل لنا: الدكتور راتب النابلسي، كانت المرة الأولى التي أستمع فيها إلى الداعية الجليل.. قضينا صلاتنا، وخرجنا نسأل عن قبر الناصر صلاح الدين لنسلم عليه، ونستحضر أيام عزنا وكرامتنا، سألنا فوق العشرة من الناس فهالنا أنه لا أحد يعرف، رغم معرفتنا أن المكان قريب من المسجد الأموي، وأخيرًا دلنا شيخ كبير؛ فإذا هي خطوات.. مجرد خطوات!.
دخلنا القبر المهيب، متأدبين، وذاهلين، مندهشين من ذهول الناس عن القبر المهيب وصاحبه، ولما دخلنا أخذتنا الهيبة حقيقة، مع إحساس عجيب بانتماء ورحم وقربى، وفاجأني طفلاي- اللذان أُشبعا بشخصية الناصر صلاح الدين من خلال رائعة الكاتب الدكتور وليد سيف، والمخرج حاتم علي في المسلسل السوري: "صلاح الدين الأيوبي"- فاجآني وقد جثيا على ركبتيهما في إكبار وإجلال، يقرآن القرآن ويدعوان للقائد العظيم، وتنسال دموعهما حرارة وحرقة، كما يفعلان عند زيارة قَبْري جديهما تمامًا، كأنه قبر فرد من أفراد العائلة على وجه الحقيقة والدم، ولو تخيلت أنني أمهما صاحبة القبر، ما تخيلت أنهما يزيدان على ما أرى شيئًا.
همَّ أبوهما، رأفة بهما، أن يُنهِضَهُما لنخرج، قلت له: دعهما فما أروع هذا، إنني لسعيدة ببكائهما؛ إنها رحم الإسلام والتاريخ الحق، ورحم الزعماء الصادقين، دعهما يمدان جسور الأمة الواحدة عبر التاريخ، دعهما يستعيدان حقيقتيهما، ويتأكدان من انتمائهما، دعهما يستمتعان، وأستمتع معهما ببكائهما!.
ألستِ- دمشق- للإسلام ظئرًا **** ومرضعة الأبوة لا تعق؟
صلاح الدين تاجك لم يُجَمل **** ولم يُوْسَم بأزينَ منه فرْقُ
ودَّعنا الناصر صلاح الدين الأيوبي، وقد انفطرت قلوبنا في حضرته، وكنا كأننا نودع قطعة من ذات أنفسنا، وكأنه مات اللحظة، فهي حرارة الفراق الموجع.
ذهبنا نكرر القصة بحثًا عن قبر الملك العادل الشهيد نور الدين محمود، وقد نعرف من التاريخ أن قبره هو الآخر غير بعيد عن المكان، وسألنا قدر ما نستطيع حتى يئسنا، وعدنا إلى الفندق، رأفة بأطفالنا.
وفى اليوم التالي خرجت أنا وزوجي لقضاء حاجة سريعة من حول المسجد الأموي، وإذ بي ألمح، على غير قصد، لوحة رخامية صغيرة خلف بائع جائل في السوق الذي يشبه سوق العتبة والموسكي لدينا، لوحة متواضعة تشير إلى وجود القبر الشريف للملك العادل نور الدين محمود، تركنا ما بأيدينا وأسرعنا نحو القبر، كأنما نخاف أن يضيع منا.. كان القبر في حجرة كئيبة، مغطى ببضاعة الباعة الجائلين، يكاد لا يظهر، ووجدت زوجي الحبيب وقد امتلأ غضبًا، يزيح البضاعة من على القبر؛ كأنه يريد أن يعتذر للملك العادل، ولما كاد البائع يمنعه، بادرته وقد سالت دموعي حنقًا وغضبًا: تفعلون هذا بنور الدين، وتكادون تسجدون للأصنام والطواغيت في كل مكان؟!.
صمتَ الرجل، ذاهلاً من حالَينا، وتركنا مع القبر الشريف حتى قضينا لبانتنا.
عدنا نسير في الطريق إلى الفندق لا يكاد أحدنا ينطق بكلمة، وأنا أعرف أن قمة الغضب عند زوجي أن يصمت فلا يتكلم، أما أنا فلم تتوقف دموعي، ولسان حالنا يتساءل: إلى أين تسيرين أيتها الأمة؟! إلى أين تسيرين؟.
ويتكرر عليَّ هذا المشهد المأساوي؛ ففي اليوم التالي نزور بانوراما حرب تشرين، فإذا معك مرشد يكاد يسبِّح بحمد الطاغوت في كل جملة وعبارة، ونزور بعدها مقبرة الباب الصغير؛ حيث علية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين خرجوا لتبليغ الدين، وفتح البلاد، وتعريف الناس بربهم، وهنا صارت قبورهم، كقبر سيدنا بلال بن رباح، وقبر السيدة أم حبيبة، والسيدة أم سلمة، وغيرهم، وبينما كنا نخرج من المقبرة ألمح ورشة رخام، يسند صاحبها بضاعته على قبر له جدار رخامي، تأملته فإذا هو قبر عالم الأمة ابن قيم الجوزية!!.
كانت سوريا فيما رأيت من هذه الزيارة على شَرَف الهاوية التي تكاد تنمحي فيها حقيقة الإنسان ويفقد إنسانيته: عيون زائغة تتلفت حولها، ألسنة معقودة تخاف النطق، ومعاملات هي إلى الفساد أقرب ما تكون، يكاد لا يصدُق معك بائع، حتى إن أصدقاءنا الذين كانوا معنا في كندا أروع الناس، وكانوا الأقرب من بين العرب جميعًا إلى طبيعتنا المصرية، أنكرتهم، وصارحتهم بأنهم مختلفون عما أعرف، فلقد رأيت الذل في عيونهم وكلماتهم، ولم يكن هذا عهدي بهم، وكان بعضهم يخطط، على كل حال، أن يعود للمهجر ثانية، نصحتهم ونصحوني، فقد كان حالنا في مصر كحالهم، على بعض اختلاف:
نصحت، ونحن مختلفون دارًا**** ولكن كلنا في الهم شرق.
إنه الاستبداد.. إنه الاستعباد.. إنه الفساد.. إنها حقيقة الإنسان وقيمته المنتهكة في الليل والنهار، وتركت سوريا الحبيبة، حاضرة الإسلام، وذكرى الصحابة والتابعين وعلماء الأمة، كنت كأنما أستنهض أرواحهم بين القبور، لكنني شعرت أن أرواحهم تتأبى على الأجواء المزكومة بالفساد والاستبداد، تركتها كمن يفر بنفسه من ضغطة الهوان والقهر إلى...؟ إلى ضغطة الهوان والقهر.
كان هذا عام 2006م، كانت سوريا كمصر، ميتة، والعجيب أنني اليوم، وبعدما أعزنا الله بالثورة في مصر، وتتأجج الثورة في سوريا الحبيبة، ويبلغ عدد شهدائها الخمسة آلاف أجدها عادت حية، سوية.
بلاد مات فتيتها لتحيا**** وزالوا دون قومهم ليبقوا
وللأوطان في دم كل حر**** يد سلفت ودين مستحق
ومن يَسقى ويشربُ بالمنايا**** إذا الأحرار لم يُسقوا ويَسقوا؟
ولا يبني الممالكَ كالضحايا**** ولا يُدني الحقوق ولا يُحِق
ففي القتلى لأجيال حياة**** وفي الأسرى فدًى لهمو وعتق
وللحرية الحمراء باب**** بكل يد مضرجة يُدَق
جزاكم ذو الجلال بني دمشق**** وعزُّ الشرق أوَلهُ دمشق