سيبقى المسرح من أخصب الحقول الإبداعية تناولاً لثورة الشعب المصري على الطغاة في 25 يناير، وقد تنوعت أساليب المسرحيين في طرح رؤاهم حول هذا الحدث الأسطوري، على مدار عام كامل.
ويبقى توظيف الموروث الشعبي من أسرع الوسائل وصولاً إلى قلب المتلقي ووجدانه، وهذا ما فعله الكاتب المسرحي سليم كوتشنر الذي تخصص في التيمة الشعبية تأليفًا وبحثًا، فاتحد مع المخرج الشاب محمد سليم، وقدَّما عرضًا مسرحيًّا جديرًا بالمشاهدة، فهو يحفل بالبهجة والألم معًا!
محور الصراع في مسرحية "ضحكة لأراجوز" - التي تُعرض حاليًّا على مسرح الغد- يدور بين فريقين أساسيين؛ الفريق الأول يمثله لاعب الأراجوز، الفنان منير مكرم أو"عبده"، وفريقه المكون من الفنانة ناهد رشدي "أم زقطوط"، ومحمود الزيات "زعبلة"، والفريق الثاني: الفنان جلال عثمان "عودة" الذي يمثل إعلام السلطة، وأحمد قنديل "خيشة" الذي يمثِّل سلطة البطش والتنكيل بالمواطنين، وسعيد المغربي "النخاس" الذي يتعهد العبيد، ويضمن بقاءهم في ذلهم وهوانهم، ثم طارق شرف أو "قراقوش بن عبد الله الأسدي" الوزير الأيوبي الذي اشتهر بالبخل والتسلط، وصار من الشخصيات التي يستدعيها كتاب "الفلكلور" كدليل فاقع على الحاكم الظالم!!
والحقيقة أن سيرة قراقوش على غير ما وصلت إلينا في الأدب الشعبي، إذ تُجمع المصادر التاريخية أن قراقوش كان يتمتع بالإخلاص والحكمة، وكان من أخلص وزراء صلاح الدين الأيوبي، كما كان يتمتع بعبقرية فذة في الهندسة، وقد أنشأ قلعة صلاح الدين، وبنى سور القاهرة، وغيرها من الأعمال المهمة، وكان محبوبًا من الشعب.
لكن الذي وضع بذرة تشويه قراقوش في الوجدان الشعبي هو الكاتب والأديب الأسعد بن مماتي الذي استطاع أن يصل إلى مناصب رفيعة في دواوين صلاح الدين، وقاده طموحه إلى الانغماس في دسائس القصور، وحين كشفه قراقوش وأحبط مؤامرته، فرَّ مستخفيًا إلى حلب، ومن هناك ألف كتابًا ضد غريمه قراقوش أسماه "الفاشوش في أحكام قراقوش" اختلق فيه حكايات عجيبة تُصَوِّر قراقوش إنسانًا ظالمًا متعجرفًا، وعرضها بأسلوب ساخر، فتداولها الناس عبر التاريخ!.
وبالعودة إلى العرض المسرحي "ضحكة الأراجوز" نجد لونًا جديدًا مبهجًا من الصراع بين طبقات المثقفين والفنانين والإعلاميين، وهو التقاط رائع من المؤلف، استطاع المخرج أن يوظفه بنعومة دون أن يعلو صوته أو أن يخرج عن إطار الفرجة الشعبية الغنية المسلية.
وبالرغم من أن المألوف في السير الشعبية هو التركيز على دور الفارس أو المخلص، فإن الحال في هذه المسرحية مختلف، فقوى المقاومة وضمير الشعب يتمثل في الأراجوز، وفي فرقته التي قررت أن تفضح ظلم الوزير قراقوش، وأن تفضح إعلامه المضلل، وأن تسخر من رجال شرطته الذين صورتهم بالبلهاء، الذين يصدقون أن الأفيال تطير، وأن الأسود في خفة الفراشات!.
ويسوق المؤلف انخداع الشعب بأباطيل قراقوش حين توافق زهرة ابنة "أم زقطوط"- إحدى مغنيات الـ"بابات" المنددة بالظلمة- على الزواج من "عودة" رمز الإعلام السلطوي، لكنها سرعان ما تكتشف زيفيه فتسعى لفضحه في الأسواق، وتعمل هي وأمها وفريق الأراجوز على فضحه دون اتفاق أو ترتيب بينهما، وتصرُّ على أن يطلقها وتظهر له في الأسواق متخفية وتحرِّض الشعب ضده فيثور الناس عليه ويوسعونه ضربًا ويكسرون أنفه، وهي دلالة واضحة وأتت في موضعها دون افتعال.
وشخصية زهرة في هذا العرض تمثِّل ضمير الشعب الذي كسر أنف الإعلام المضلل، وطعن النخاس الذي قيَّد حرية الشعب، وزيَّن لهم البقاء في الذل والمهانة.
وحين يتحرر الشعب من قَيْد الإعلام وقيد النخاس يبدأ في التدفق من كلِّ مكان وهو يهتف: كفاية سكوت.. قولوها ما تخافوش.. الشعب يريد إسقاط قراقوش، ويبدأ قراقوش في النزول من الكرسي، ويحاول الاحتماء به، وتخفت الإضاءة وهو يلتصق بالأرض ويفقد الكرسي ويفقد السلطة.
حَفَل العرض بالعديد من العناصر الحيوية بدءًا من الديكور المعبِّر عن الحالة، إضافة إلى الملابس ذات الألوان المبهرة، والأغاني المتناغمة مع حالة العرض.
وإذا كان المؤلف قد استفاد من الصورة التراكمية لقراقوش في الموروث الشعبي كشخص متسلط، فإنه لم يوفق في جعل صلاح الدين الحاضر الغائب أو الرجل الضعيف الذي تدار شئون الحكم من وراء ظهره، كمعادل موضوعي للرئيس المخلوع مبارك؛ خصوصًا أن صلاح الدين الأيوبي يتمتع بحضور تراكمي طاغ كفارس ملهم في التغير والتحرر، كما يستعصي على الذوق الشعبي قبول تصويره كرجل ضعيف لا يعرف ما يجري في بلاده!.
وأرى أنه كان يمكن للمؤلف حين قرر اللجوء للتاريخ والفلكلور أن يتناول آخر الخلفاء العباسيين بدلاً من صلاح الدين الأيوبي، فالخليفة العباسي الأخير كانت شئون البلاد تدار دون إرادته وهو قريب الشبه بالرئيس المخلوع مبارك، إذ تمَّ عزله في أواخر حكمه، وكان مجرد صورة.
المسرحية تناولت الصف الثاني في السلطة ودورهم في إفساد البلاد والعباد، دون أن يعرف الحاكم الرئيس ما يدور خلف ظهره، وكأنها بذلك تريد أن تقول إن الرئيس المخلوع مبارك كان في منأى عن إدارة البلاد، وتركها لأتباعه يعبثون بها، ويديرون المؤمرات ويتبعون أصحاب الأهواء من الصحفيين والإعلاميين، وهي صورة توحي بإعفاء للرئيس السابق من كلِّ الجرائم التي كان يرتكبها إعلامه ممثلاً في "عودة"، ويرتكبها وزير الداخلية حبيب العادلي ممثلاً في "خيشة".