كانت الهجرة النبوية- وما زالت- ملهمة لأمة الإسلام على مر العصور،ولم تكن مجرد انتقال من ارض إلى ارض ومن بلد إلى بلد، ولم تكن مجرد حالة هروب أو فرار، إنما هي حركة إيجابية جهادية تمثل قمة الفاعلية والإصلاح والتغيير، وهي تعني معرفة المسلم للحق والإيمان به، والاعتزاز بالانتماء له، ومن ثمَّ الارتحال إليه والثبات عليه والعمل به والبذل له، والتضحية في سبيله من أجل نصرته، والتمكين له.
ومن ثمِّ لم يكن النبي المهاجر صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام ممن آثروا السلامة واختاروا الانسحاب والانزواء، إنما كانت الهجرة نقلة هائلة في عالم النفس البشرية تبعتها نقلة أخرى في واقع الحيـاة، وقد حظيت الهجرة بحفاوة الأمة الإسلامية قديمًا وحديثًا، فلم تزل المؤلفات والأبحاث تترى وتتوالى، وكل جيل يعبر عن تصوراته واستفاداته من هذا الحدث الضخم، وكذلك يسهم في تجلية رؤاه وتظهير جوانب الحكمة وأطراف العظمة فيه، ورحم الله الإمام السيوطي حيث قال: "فإنَّ العلوم وإن كَثُرَ عددها، وانتشر في الخافقين مددها، فغايتها بحرٌ قعره لا يُدرك، ونهايتها طودٌ شامخٌ لا يُستطاعُ إلى ذروته أن يٌسلك، ولهذا يفتح لعالم بعد آخر من الأبواب ما لم يتطرق إليه من المتقدمين الأسباب"، ولهذا ستظل الهجرة مُلهمة للكثيرين بالأفكار والعبر، موحية إليهم بالاستفادات والفكر، تُرشدهم إلى ذخائرها المكنوزة ونفائسها المخبوءة.
ومما وقفت أتأمله من صفحات الهجرة النبوية تلك الصفحة الذهبية التي تصف للبشرية كيف صاغ الإسلام دولته وسط تحديات جسام تكاثرت وتلاحقت، وكيف قامت دولة الإسلام على أسس وقواعد دستورية غير مسبوقة، بل لا أبالغ إذا قلت إنَّ عالمنا البشري اليوم لم يصل بعد إلى آفاق هذه المبادئ العليا التي حوتها وثيقة المدينة والتي تُعد بحق من أقدم الدساتير التي عرفها الناس؛ فما إن استقر النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وفرغ من تأسيس مسجده، شرع في تحديد المراكز القانونية (الحقوق والواجبات والأوضاع) لسكان المدينة؛ خاصة أنهم طوائف وملل، فمنهم المسلمون وهم أكثرية ومنهم قلة على الشرك، ومنهم قبائل اليهود.
وقد اعتنى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بتنظيم شئون الدولة الوليدة، وأراد أن تكون النشأة على أسس واضحة وبينة، ومن ثم كتب "وثيقة المدينة" وضمنها المبادئ العامة التي تحكم شعب المدينة، وتحدد الأطر القانونية الحاكمة، وترسم صورة جديدة للدولة الوليدة على نهج غير مسبوق.
"إن إصدار الوثيقة يمثل تطورًا كبيرًا في مفاهيم الاجتماع السياسية، فهذه جماعة تقوم لأول مرة في الجزيرة العربية على غير نظام القبيلة، وعلى غير أساس رابطة الدم؛ حيث انصهرت طائفتا الأوس والخزرج في جماعة الأنصار، ثم انصهر الأنصار والمهاجرون في جماعة المسلمين، ثم ترابطت هذه الجماعة المسلمة مع اليهود الذين يشاركونهم الحياة المدنية إلى أمد.
ولأول مرة يحكم القانون؛ حيث ترد الأمور إلى الدولة، ومن خلال تغيير شامل وتحول سريع طوى الدستور صفحة اجتماعية طابعها القبلية، وفتح صفحة جديدة أكثر إيجابية وأقرب إلى الترابط والتكافل والوحدة الفكرية" (المرحوم أنور الجندي: الإسلام وحركة التاريخ ص 33.).
لقد كانت "وثيقة المدينة" بمثابة إعلان عام بقيام الدولة الإسلامية وتبنِّيها لما يعرف اليوم بالشرعية الدستورية، ويحلو لكثير من العلماء الأجلاء أن يضفوا على الوثيقة نعوتًا كثيرة ويعطونها أهمية كبيرة وهم محقون في ذلك، فيري الدكتور البوطي "أن كلمة الدستور هي أقرب إطلاق مناسب في اصطلاح العصر الحديث على هذه الوثيقة، وهي إذا كانت بمثابة إعلان دستور فإنه شمل جميع ما يمكن أن يعالجه أي دستور حديث يُعنى بوضع الخطوط الكلية الواضحة لنظام الدولة في الداخل والخارج، ويرى فضيلته أن المجتمع الإسلامي قام منذ أول نشأته على أسس دستورية تامة، وأن الدولة الإسلامية قامت- منذ بزوغ فجرها- على أتم ما قد تحتاجه الدولة من المقومات الدستورية والإدارية". (فقه السيرة للبوطي ص 160).
وقد أورد ابن هشام في سيرته بنود هذه الوثيقة، ونعرضها فيما يلي، ثم نعقب عليها بإشارات وجيزة، وذلك على النحو التالي:
المطلب الأول: وثيقة المدينة
المطلب الثاني: المبادئ العامة التي تضمنتها الوثيقة
المطلب الأول: وثيقة المدينة "الدستور"
قال ابن إسحاق: وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابًا بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه اليهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم واشترط عليهم وقد جاء فيه:
"بسم الله الرحمن الرحيم.. هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس،
وأن المؤمنين لا يتركون مفرحًا- أي المثقل بالدَّيْن كثير العيال- بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل، وألا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وأن المؤمنين المتقين على من بغي منهم أو ابتغي دسيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعًا، ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنًا في كافر، ولا ينصر كافرًا على مؤمن، وأن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض من دون الناس، وأن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم.
وأنه لا يجير مشرك مالاً لقرشي ولا نفسًا، ولا يحول دونه على مؤمن، وأنه لا يحل لمؤمن أقر ما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثًا، ولا يئْويه... وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم- مواليهم وأنفسهم- إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوثع- أي يهلك ويفتك- إلا نفسه وأهل بيته... وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد، وأنه لا ينحجز على ثأر جرح... وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وأنه لم يأثم امرؤ بحليفه وأن النصر للمظلوم.
وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وأنه ما كان من أهل هذه الصحيفة من حث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله... وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها. وأن بينهم النصر على من دهم- أي هجم وانقض- يثرب، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه، إلا من حارب في الدين... وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم... وأنه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم وأثم، وأن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.(انظر سيرة ابن هشام المجلد الأول ص 318).
المطلب الثاني: المبادئ العامة التي تضمنتها الوثيقة
حوت وثيقة المدينة عدة مبادئ عامة تشكل قواعد الحكم و تحدد الحقوق والواجبات لكل مواطني دولة المدينة، وتعبر عن هوية الدولة وركائزها، وتخيرت منها خمسة مبادئ أعرض لها بإيجاز:
المبدأ الأول: اعتبار المسلمين أمة واحدة.
أكدت الوثيقة هذا المبدأ القرآني الخالد (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات: من الآية 10)، وأعلنت أنهم أمة واحدة وهم يد واحدة على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويتكافلون فيما بينهم في المصائب والكروب ويتعاهدون على نصرة المظلوم والأخذ على يد الظالم، ولو كان ولد أحدهم.
هذا المبدأ يشكل الأساس القوي المتين الذي يقام عليه بناء الدولة الفتية.
المبدأ الثاني: الدولة الإسلامية قامت على الحق وتنتصر له، وتقبل جوار الآخر.
أكدت الوثيقة حقوقية دولة الإسلام وأكدت قبول الدولة للآخر، ولو كان دينه يخالف الإسلام، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد سن في ذلك قوانين السماح والتجاوز التي لم تعهد في عالم مليء بالتعصب والتغالي، والذي يظن أن الإسلام دين لا يقبل جوار دين آخر، وأن المسلمين قوم لا يستريحون إلا إذا انفردوا في العالم بالبقاء والتسلط، هو رجل مخطئ بل متحامل جريء.
عندما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وجد بها يهودًا توطنوا ومشركين مستقرين، فلم يتجه فكره إلى رسم سياسة للإبعاد أو المصادرة والخصام، بل قبل- عن طيب خاطر- وجود اليهودية والوثنية، وعرض على الفريقين أن يعاهدهم معاهدة الند للند، على أن لهم دينهم وله دينه" (الشيخ محمد الغزالي– فقه السيرة ص 198).
لقد أتت الوثيقة على صورة غير مسبوقة، وأقرت مفهوم الحرية الدينية وهي في ذلك تؤكد المبدأ القرآني الخالد (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)) (الكافرون).
وتغلب هذا المبدأ القرآني الخالد على قانون فرعون الهالك (قَالَ لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهًَا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ (29)) (الشعراء).
وأقرت الوثيقة أن الأرض تَسَع الخلق وألغت مفهوم "الإبعاد والطرد للمخالفين"، وأعلنت مبدأ التسامح وألغت قانون قوم لوط: (أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56)) (النمل).
وإلى هذا المعنى أشار الدكتور عماد الدين خليل بقوله: "لقد أقرت الصحيفة مفهوم الحرية الدينية بأوسع معانيه، وضربت عرض الحائط بمبدأ التعصب ومصادرة الآراء والمعتقدات، ولم تكن المسألة مسألة تكتيك مرحلي ريثما يتسنى للرسول صلى الله عليه وسلم تصفية أعدائه في الخارج لكي يبدأ تصفية أخرى إزاء أولئك الذين عاهدهم- وحاشاه- إنما صدر هذا الموقف السمح المنفتح عن اعتقاد كامل بأن اليهود (باعتبارهم أهل كتاب) سيتجاوبون مع الدعوة الجديدة وينهضون لإسنادها في لحظات الخطر والصراع ضد العدو الوثني المشترك- كما أكدت بنود الوثيقة نفسها- أو أنهم على أسوأ الاحتمالات سيكفون أيديهم عن إثارة المشاكل والعقبات، ووضع العراقيل في طريق الدعوة، وهي تبني دولتها الجديدة وتصارع قوى الوثنية التي تتربص على الحدود.
ولكن الذي حدث بعد قليل من إصدار الوثيقة، وطيلة سنيِّ العصر المدني غيَّر مجرى العلاقات بين المسلمين واليهود، وجمد البنود المتعلقة بهم لا لشيء إلا لأنهم اختاروا (النقض) على الوفاء، و(الخيانة) على الالتزام و(الانغلاق على مصالحهم القومية) على الانفتاح على الأهداف العامة الكبيرة للأديان السماوية جمعاء" (دراسة في السيرة ص 151).
ليت قومنا يعلمون عظمة دولتهم وشموخها. إن الجدل الذي صدع أدمغة الناس طيلة الفترة الماضية وخاصة على الساحة المصرية عقب ثورة الشعب المصري- حول الدولة المدنية والدولة الدينية وقد عانينا كثيرًا حتى يتم تظهير طبيعة الدولة التي ندعو إليها، وأن دولة الإسلام كانت مدنية الطبع إسلامية الأصول والمرجعية، ولم تكن يومًا دولة ثيوقراطية (أي دينية بمفهوم العصور الوسطى حيث تحكمت الكنيسة وحكمت بمفهوم التفويض الإلهي والحق الإلهي)؛ فالدولة بمفهومنا الإسلامي دولة دستورية ترسي مبادئ القانون وتحمي حقوق كل المواطنين؛ بغض النظر عن الدين أو العرق أو اللغة أو الجنس، بل تحرس هذه الحقوق وتفرض التزامات على أجهزة الدولة والكافة لصيانة هذه الحقوق.
المبدأ الثالث: المساواة العامة بين المسلمين
وهو من المبادئ الخالدة التي قررها الإسلام ونطقت به آيات القرآن الكريم، وأكدها الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات: من الآية 10)، وقال صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه" (رواه البخاري ومسلم).
ويوم أن جاء بنو مخزوم يتشفعون عند الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ليعفو عن المرأة السارقة، وكانت من أشراف قريش فأعلن الرسول صلى الله عليه وسلم غضبه، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "إن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت: فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتشفع في حد من حدود الله تعالى؟" ثم قام فاختطب ثم قال: إنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها". (متفق عليه).
وفي رواية: "فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "أتشفع في حد من حدود الله؟" فقال أسامة: استغفر الله لي يا رسول الله، ثم أمر بتلك المرأة فقطعت يدها".
ومن عجب هذه المبادئ الثلاثة السالف ذكرها والتي تدور حول الحرية، والإخاء، والمساواة لم تكن مجرد شعارات براقة تخلب الألباب وتأخذ الأبصار كما فعلت الثورة الفرنسية منذ قرنين من الزمان، بل كانت هذه المبادئ منهاج حياة عاشها المسلمون عهودًا طويلة.
المبدأ الرابع: المرجعية العليا لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم
وهذا ما أكدته الوثيقة بوضوح وجلاء حيث قررت "كل ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذا إعلان صريح أن الحاكمية لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأن على الكافة الخضوع لسلطان الشرع والاحتكام إلى قواعده ولا يسع أحد أن يفر أو يراوغ في ذلك.
" قررت الوثيقة وجوب الخضوع للقانون ورد الأمر إلى الدولة بأجهزتها للتصرف بالأمور وفي شئون الحرب والسلم، وأن حرب الأفراد وسلمهم إنما تدخل في الاختصاص العام فلا تحدث فرديا، وكذلك معاونة الدولة في إقرار النظام والأخذ على يد الظالم، وعدم نصرة المحدث (المجرم) أو (إيوائه). (أحمد إبراهيم الشريف: مكة والمدينة في الجاهلية والإسلام ص 393، 394).
لقد أكدت الوثيقة أن دولة الإسلام دولة قانون ذات سيادة، وتمارس سلطاتها العليا في الداخل والخارج على أساس من المساواة الشاملة والعدل المطلق. (فتحي عثمان: دولة الفكرة التي أقامها رسول الإسلام عقب الهجرة ص 60).
وأن عهد القبيلة قد ولى، وأن للناس أن يتمتعوا بدولة الإسلام.
المبدأ الخامس: احترام حقوق الإنسان وتكريمه
أكدت الوثيقة هذا المبدأ الإسلامي الخالد أن الإنسان مكرم وأنه مصون في ماله وعرضه ودمه، وأن حقوقه اللصيقة به- كإنسان- محترمة، وأن الدولة تسعى جاهدة لحماية هذه الحقوق.
حق الإنسان في التدين: فقد نصت الوثيقة بوضوح على أن حرية الدين مكفولة فليس هناك أدنى تفكير في محاربة طائفة أو إكراه مستضعف؛ بل تكاتفت العبارات في هذه المعاهدة على نصرة المظلوم وحماية الجار ورعاية الحقوق الخاصة والعامة، واستنزل تأييد الله على أبر ما فيها وأتقاه، كما استنزل غضبه على من يخون ويغش" (فقه السيرة للغزالي ص 199).
بل اعتبر السيد أحمد الشريف أن هذه الدولة فذة في تاريخ البشرية؛ لأنها أقرت مبدأين لا وجود لهما إلا في دولة غير دينية، وأول هذين المبدأين هو حرية الأديان، وهي حرية لا تقرها الدولة الإسلامية وتسمح بها فحسب، بل إنها تتعهد برعايتها.
وثانيهما: هو مبدأ تعريف فكرة الوطن والدولة في أوسع معانيها، تسامحًا وإنسانية، وهو مبدأ يكفل المساواة في الحقوق والواجبات الوطنية بين جميع أفراد الدولة على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم وعاداتهم. (مكة والمدينة في الجاهلية والإسلام ص 383).
حق الإنسان في البقاء في بلده آمنًا وحقه في الخروج والسفر والترحال والتنقل، وهو أمن ما دام منضبطًا بالشرع ملتزم بالقانون؛ فقد نصت الوثيقة على أن "من خرج من المدينة آمن، ومن قعد آمن إلا من ظلم وأثم".
فقد أقرت الوثيقة حرية السفر والخروج من المدينة لمن يريد، وكذلك أقرت حرية البقاء والقعود فيها لمن يحفظ حرمتها، فلا يظلم ولا يرتكب إثمًا يعرضه للمحاسبة.
تلك مبادئ خمسة تعد دعائم الاستقرار الذي امتازت به الدولة الإسلامية الراشدة، وهي مستقاة من "دستور المدينة" الذي وضعه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بعد مدة قليلة من وصوله إلى المدينة المنورة.
لا يخفى على عاقل أن الله تعالى خلق الإنسان حرًّا ومنحه جملةً من الحقوق الأساسية التي تحفظ عليه عقله، وصحته وماله ودينه وعرضه ورأيه، وتحقق له العيش الرغيد، وجعل تلك الحقوق شرعًا يُتعبد به، هذه الحقوق الأساسية للإنسان ارتقت في ظلِّ شريعة الإسلام إلى مرتبة الفرائض الشرعية، بل جُعلت من مقاصد الشريعة.
وإذا ما حدث انتهاك لهذه الحقوق كانت غضبة شديدة تؤكد هذه الحقوق: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟"، كلمة ترددت في الآفاق، وسمعتها الدنيا منذ قرون طويلة، قالها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب حين رُفعت إليه شكوى أحد المصريين ضد ابن والي مصر عمرو بن العاص.
إن العالم كله يقف مشدودًا ويطأطئ رأسه احترامًا وخجلاً، وهو يستمع إلى سيد الرسل محمد، صلى الله عليه وسلم، وهو يعلن بكل وضوح، ويؤكد بلا أدنى شك أن الناس سواسية، وكلهم يخضعون للقانون والشرعية، لا فرق بين فقير وغني، ولا وزير وخفير، وأن الجميع سواء أمام القانون، لقد استمع الخلق لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو يعلن غضبه من فوق المنبر: "يا أيها الناس إنما أهلك من كان قبلكم أنه كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".
بل سجل التاريخ البشري أن وثيقة المدينة المنورة، والتي نُطلق عليها بحق "دستور المدينة" وقد ضمنها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- جملة من الحقوق الأساسية للإنسان، أكدت الوثيقة أن الإنسان مكرم، وأنه مصان في ماله وعرضه ودمه ، وأن حقوقه اللصيقة به كإنسان محترمة، وأن الدولة تسعى جاهدة لحماية هذه الحقوق، حقه في ممارسة شعائر دينه، حقه في الأمن الاجتماعي، حقه في التنقل بحرية، وحقه في السفر والعودة إلى المدينة، ومما جاء في الوثيقة "وأن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم- مواليهم وأنفسهم- إلا من ظلم وأثم" فهذا مفهوم الحرية الدينية بأوسع معانيه، دولة الإسلام تسع كل المواطنين، دون تعصب ولا مصادرة للآراء والمعتقدات.
ما أشبه الليلة بالبارحة وها هي أمتنا تفيق من سباتها وتستيقظ من نومها وتنهض بعد كبوتها وتبدأ في بناء دولها على نهج الإسلام وهدي النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم)، ومن يُمْن الطالع أن تكون بداية العام الهجري الجديد مواكبةً لحركة وفعاليات إيجابية نحو تأسيس الدولة الحديثة في مصرنا الحبيبة وشقيقاتها تونس وليبيا والمغرب، ونأمل أن يلحق بهم يَمَن الحكمة وسوريا الأمجاد، وعسى أن يكون قريبًا.
--------------------------------
* النائب السابق بالكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين 2005م والمحامي بالنقض والدستورية العليا.