- سياساته تُحمِّل الأجيال القادمة أعباءً ضخمة

- قائمة البدائل من داخل مصر لا تنتهي

- جاء ليغرق البلاد في دوامة هائلة من الديون

- استباق متسرع لقرارات السلطة الشرعية المنتخبة

تحقيق: يارا نجاتي

اتخذت حكومة الجنزوري مجموعةً من القرارات المثيرة للحيرة والجدل منذ توليه رئاسة الوزراء؛ حيث قرر اللجوء مرةً أخرى للاقتراض من صندوق النقد الدولي؛ لعلاج عجز الموازنة الذي يتوقع وصوله إلى 160 مليار جنيه، إلى جانب الإجراءات التي أعلنت عنها وزارة المالية بعد تخفيض التصنيف الائتماني عالميًّا لمصر مباشرةً، ببيع أذون خزانة بقيمة 5 مليارات جنيه، بفائدة عالية جدًّا تُقدَّر بـ 14.06% على أذون ثلاثة أشهر 15.14% على أذون تسعة أشهر، كما تعتزم طرح أذون خزانة جديدة بقيمة 2 مليار دولار في الأسبوع المقبل؛ لجمع المال لتمويل العجز الضخم في الميزانية.

 

هذه القرارات والإجراءات التي اتخذتها الحكومة الجديدة تشير إلى أن الجنزوري يتصرف ويتحدث وكأنه جاء ليبقى إلى الأبد، وأنه سيضع السياسات لسنوات ويتعاقد من أجل الاستثمارات المستقبلية، بالرغم من أن عمر حكومته لن يتعدى الـ6 أشهر لتسيير الأعمال وليس للبقاء للأبد، ولكن الحقيقة الخفية لهذه الحكومة هي أنها جاءت لتضع طوقًا حديديًّا اقتصاديًّا وسياسيًّا وإداريًّا ودبلوماسيًّا في رقبة أي حكومة قادمة، وتجعلها عاجزةً أمام الشعب، ومقيدة أمام الخارج.

 

الوضع الاقتصادي في مصر حرج للغاية، بل "غير متصور" حسب وصف الجنزوري نفسه، وهو ما أكده الخبراء أن الحكومة المنتخبة القادمة سوف تجد نفسها طوال عامين أمام قروض قصيرة الأجل عالية الفائدة، علاوةً على الديون طويلة الأجل التي وصلت إلى حدِّ أن الدين الداخلي وحده أصبح موازيًا للدخل القومي للبلاد.

 

ويأتي تأكيد الدكتورة فايزة أبوالنجا وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أن الحكومة تعمل على تنفيذ الخطة الخمسية الحالية التي تستهدف زراعة ثلاثة ملايين و200 ألف فدان منها نصف مليون فدان جاهزة للزراعة فورًا خلال العام المالي الحالي بمشروعات توشكى وشرق العوينات، وهي المشروعات القومية الكبرى التي قام بها الجنزوري في عهد وزارته الأولى، ولم تدر على مصر أي أرباح بل استنزفت تمويلاً ووقتًا طويلاً بدون عائد؛ ليظهر ويوضح الدور الحقيقي لهذا الرجل الذي أصرَّ المجلس العسكري على توليته، رغم سنه الطاعن ورفض الكثيرين له.

 

ومن التحديات التي يواجهها الجنزوري مجموعة الأحكام التي صدرت ببطلان عقود بيع الشركات والمصانع المصرية، والتي يتوقع تزايدها خلال الفترة المقبلة، كحكم بطلان عقد بيع الشركة العربية للتجارة الخارجية، التي تمت خصخصة 90% من أسهمها في (أغسطس 1999م) عهد وزارته الأولى، خلال أيامه الأولى للوزارة وقبل إعلانه عن تشكيلها رسميًّا؛ حيث تمت عملية البيع مقابل 13 مليونًا و680 ألف جنيه، في حين أن قيمة أصول الشركة تتجاوز 400 مليون جنيه، ولم يدفع المشتري منها إلا 50% من قيمة الصفقة، والباقي لم يسدد حتى صدور الحكم.

 

وبعدها بأيام قليلة ظهر حكم آخر ببطلان عقد شركة النيل لحليج الأقطان في 17 ديسمبر، التي بيعت أيضًا في عام 1997م، وسبقه قليلاً الطعن الذي تقدمت به حكومة شرف السابقة ضد استرداد ثلاث من شركات القطاع العام.

 

فترة حكومة الجنزوري الأولى تميزت بأجرأ عمليات الخصخصة؛ حيث يؤكد المراقبون أن معظم عمليات البيع كانت لأغلبية أو كامل أسهم الشركات التي تمَّ وضعها على رأس البرنامج وقتها، وطبقًا لتقرير أعدَّه المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بعنوان "الجنزوري والخصخصة" كشف عن بيع نحو 79 شركة قطاع عام خلال تولي حكومته المسئولية ما بين 1996م إلى 1999م.

 

وقال التقرير إن الجنزوري باع أسهم 38 شركة بالبورصة (بالكامل أو أغلبيتها) بنحو 6 مليارات و50 مليون جنيه، فضلاً عن بيع 14 شركة لمستثمرين، بمليار و975 مليون جنيه، بالإضافة إلى بيع 20 شركة لاتحاد العاملين المساهمين بمبلغ 504 ملايين، إلى جانب بيع الأصول الإنتاجية لنحو 7 شركات بمبلغ قدره 702 مليون و865 ألف جنيه، وتأجير 7 شركات أو وحدات إنتاجية بالكامل بموجب عقود طويلة الأجل، بالإضافة إلى تصفية نحو 16 شركة.

 

السؤال الذي يطرح نفسه الآن ما خارطة الطريق التي ترسمها حكومة الجنزوري لمصر بمثل هذه القرارات؟ وما هو الدور الخفي الذي تلعبه هذه الحكومة؟ (إخوان أون لاين) يجيب على هذه التساؤلات في سطور التحقيق التالي:

 

من جانبه يصف الدكتور عبد الرحمن عليان، عميد المعهد العالي للاقتصاد وأستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس، اللجوء إلى الاقتراض من الخارج لإنعاش الاقتصاد المصري بأنه "خيبة"، موضحًا أن المسئولين على مدار الأشهر العشر الماضية تركوا الاقتصاد ينهار بدون أسباب واضحة، وهو نفسه ما يتبعه الجنزوري حاليًّا، فاستعادة الأمن إلى الشارع المصري والاستقرار السياسي هي أهم العوامل المساعدة لمواجهة التراجع الاقتصادي، وبدونها يكون أي شيء آخر هباء.

 

ويضيف: حتى الأموال التي ستحصل عليها مصر ستكون غير مجدية إذا لم ننظر بجد وبعد دراسات متأنية للأسباب الحقيقية وراء المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها مصر، مشيرًا إلى أن إجراءات بسيطة جدًّا من الممكن أن تخلصنا منها جميعًا، وتعيدنا على المسار الصحيح؛ لكنَّ هناك أياديَ خفية داخلية تتعمد تغافل هذه الإجراءات العاجلة والبسيطة، وتلجأ إلى خطوات غير مدروسة بالمرة.

 

ويوضح أن هذا التصرف بالاقتراض من البنك الدولي سيُحمل الأجيال القادمة أعباء ضخمة، تضاف إلى تركة الأعباء التي ورثتها مصر من نظام المخلوع؛ حيث تصل الديون الخارجية على مصر إلى 32 مليار دولار، أي ما يعادل 200 مليار جنيه مصري، بجانب الديون الداخلية التي تفوق التريليون جنيه!!.

 

ويؤكد أن هذا يشكل عبئًا ضخمًا على مصر، فالاقتصاد المصري في طبيعته يعتمد على الكسب، مثلاً من السياحة التي لم نقم بأي إجراءات لتنشيطها ومواجهة تراجع الاحتياطي الأجنبي بالبنك المركزي، أو محاول تشغيل المصانع المتوقفة من شهور طويلة، وتصل إلى 2000 مصنع، لا تحتاج سوى إجراءات بسيطة لتدور عجلتها من جديد!!.

 

ويتساءل: "هل وضعت حكومة الجنزوري التي تولت البلاد منذ أقل من شهر خطة وبرنامج متكامل لتحديد أوجه الأموال التي ستحصل عليها مصر؟ هل قررت إلى أي مشروعات ستوجهها أو كيف ستساعد على تنمية الاستثمارات بها؟ أم ستكتفي بإغراقنا في مصيبة إضافية وتوجهها إلى المأكل وتوفير الحاجات الاستهلاكية للشعب بدون الحصول على عائد؟".

 

وحول تاريخ الجنزوري خلال فترة رئاسته للوزراء في عهد المخلوع، يقول عليان إنه بقى كرئيس للوزراء قرابة العشرين سنة أي ثلثي مدة حكم المخلوع؛ لذلك فهو محسوب على النظام السابق بكل سياساته اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا، كما أن عهده لم يشهد إنجازًا يُحسب له، مؤكدًا أن المشروعات القومية التي تحدث عنها في مؤتمراته الصحفية خلال الفترة الماضية، لم تحقق أي عائد أو ربح للدولة.

 

كارثة ضخمة

 الصورة غير متاحة

 أحمد السيد النجار

ويتفق معه أحمد السيد النجار، رئيس الوحدة الاقتصادية بمركز (الأهرام) للدراسات السياسية والإستراتيجية، في أن السؤال الحقيقي حول القرض الذي ستحصل مصر عليه ليس فقط في حجم القرض؛ لكن في طرق استخدام هذه الأموال، قائلاً: إن استخدام القرض الذي ستحصل عليه مصر بالمليارات في الإنفاق على الموازنة العامة هي كارثة ضخمة، ينتج عنها مزيد من التقييد للأجيال القادمة بأكوام هائلة من الديون.

 

ويعتبر طرح أذون الخزانة في هذا التوقيت ليس له مسمى آخر غير أنه استمرار لنفس آليات الديكتاتور المخلوع بإثقال كاهل المصريين بمزيد من الديون دون محاولة النظر في الحلول البديلة المتوفرة لنا، موضحًا أنها نفس طريقة حكومات مبارك في مواجهة العجز في الموازنة بطريقين أحدهما اقتراض أذون الخزانة العامة للدولة، أو طبع مزيد من العملات، والذي يعتبر السبب الرئيسي في الارتفاع الشديد في الأسعار الذي نعاني منها حاليًّا.

 

ويؤكد أن طرح أذون الخزانة سيترتب عليه عجز جديد في الموازنة العامة للدولة، بالرغم من توافر عدد من الحلول البديلة والابتعاد عن كل صور الاقتراض لإنقاذ الاقتصاد المصري، أهمها البدء في عمل اتزان في الموازنة العامة للدولة، من خلال إلغاء دعم الطاقة الذي يذهب لكبار رجال الأعمال وحدهم، ويكلف الدولة المليارات؛ حيث يعتبر من أكبر بنود الموازنة المصرية.

 

ويشير إلى وجود طرق متعددة لإنعاش الاقتصاد من خلال البنود الكثيرة التي يمكن توفيرها داخليًّا، كدعم لتشغيل المشروعات المختلفة في مصر، سواء المشروعات الكبيرة منها، أو مساعدة الشباب في إقامة مشروعاتهم الخاصة، بحيث يترك الجنزوري للحكومة المنتخبة القادمة أصولاً إنتاجية جديدة تضاف إلى بنية الاقتصاد المصري.

 

ويؤكد أن سياسة انعدام الشفافية أيضًا ما زالت مستمرة؛ حيث أعلنت الحكومة المصرية أن العجز في الموازنة وصل إلى 134 مليار جنيه، في حين أنه يتخطى الـ234 مليار، بعد إضافة الديون المتوارثة عن الحكومات السابقة.

 

بدائل تنقذ مصر

 الصورة غير متاحة

 أشرف بدر الدين

ويؤكد أشرف بدر الدين، عضو الهيئة العليا لحزب الحرية والعدالة وعضو مجلس الشعب، أن كل القرارات والخطط الاقتصادية التي أعلن عنها الجنزوري، وبدأها بطرح أذون خزانة بمليارات بفوائد مرتفعة، وأيضًا القروض التي سيحصل عليها من صندوق النقد الدولي وغيرها من الدول العربية والأجنبية هي قرارات خاطئة تقيد أي حكومة مقبلة.

 

ويوضح أن مصر تعاني من زيادة حجم الدين الداخلي والخارجي الذي تعدى التريليون و50 مليار جنيه، وما يتخذه من قرارات ستُضاف إلى هذه المديونيات الضخمة، وستؤدي إلى عجز جديد في الموازنة؛ حيث من المفترض سداد 110 مليارات جنيه في عام واحد فقط، وهو ما يوازي 70% من الإيرادات العامة للدولة!!، متوقعًا أن استمرارها سيهدد مصر بأزمة عسيرة كالتي تسيطر على أوروبا حاليًّا ويصعب الخروج منها.

 

ويشير إلى أن قائمة بدائل الاقتراض من الداخل والخارج التي لم يفكر بها الجنزوري كثيرة جدًّا ولن تكلف مصر ما يفوق طاقتها، بل ستوفر لها موارد ضخمة لتنعش الاقتصاد من جديد، موضحًا أنها تبدأ بجدية الحكومة في توفير الأمن للشارع المصري، وضبط وتطهير المنظومة الأمنية كاملة، لإبعاد كل ما يهدد الاستثمارات الأجنبية والعربية لتهيئة جوٍّ مناسب لجذب هذه الاستثمارات.

 

ويتابع: أن ضمَّ حصيلة الصناديق الخاصة بالوزارات المصرية إلى الموازنة العامة للدولة يوفر وحده تريليون و272 مليار جنيه، فضلاً عن توفير المليارات أيضًا إذا قرر الجنزوري تحديد الحد الأدنى والأقصى للأجور في مصر.

 

ويضيف أن إلغاء دعم المواد البترولية من الموازنة العامة للدولة يخلصها من 98 مليار جنيه، تذهب 98% منها لدعم كبار الأغنياء ورجال الأعمال، بالإضافة إلى الإسراع في بيع الغاز الطبيعي بالأسعار العالمية، وإنهاء الفساد في عقود تصدير الغاز، وإعادة تحديد الاتفاقيات عاجلاً سيدخل عوائد بالمليارات.

 

ويقول: إن 17 مليار جنيه يمكن توفيرها سنويًّا في حال تمَّ توصيل الغاز الطبيعي إلى جميع المنازل والمنشآت داخل مصر؛ حيث سيوفر هذا الإجراء فرص عمل ضخمة للشباب، ويساهم في تنشيط الشركات العاملة في هذا المجال، ويجذب مزيدًا من الاستثمارات فيه.

 

ويضيف بندًّا مهمًّا ويسيرًا لقائمة بدائل الاقتراض وهو الحصول على المتأخرات الضريبية التي وصلت إلى 37 مليار جنيه لمأمورية كبار الممولين، بجانب ضرورة تعديل قانون الضرائب، وفرض ضرائب تصاعدية على الأرباح، وعلى البورصة.

 

ويشدد على أهمية وضع خطة حقيقية للتقشف الحكومي، فمازال الوزراء يمارسون السفه أمام أعين الشعب، فيركبون السيارات الفارهة في مواكب طويلة، ومازال مستشاروهم يحصلون على المليارات بدون أي حساب وغيرها من الإسراف الحكومي غير المبرر، كما أن ضبط وإصلاح منظومة الفساد أحد الأمور التي ستوفر أكثر من 50% من الإهدار للمال العام.

 

استباق الشرعية

 الصورة غير متاحة

 د. محمد جمال حشمت

ويرى الدكتور جمال حشمت، عضو مجلس الشعب، أن أقل من شهر يتبقى على تكوين مجلس الشعب كاملاً، والقيام بهذه الخطوات في هذا التوقيت، إنما هو استباق متسرع لقرارات السلطة الشرعية المنتخبة، كما أنه أمر غير مدروس، مبينًا أن اتخاذ الجنزوري لهذا المنحى سيُوقع مصر في مجموعة من المشاكل السياسية والاقتصادية الكبيرة، التي سيمتد تأثيرها السلبي لعشرات السنين على الجانبين الداخلي والخارجي.

 

ويضع بعض المهام التي يمكن للحكومة التي لن تكمل الـ6 أشهر الانشغال بها، وترك القرارات الحاسمة والمؤثرة للحكومة الشرعية القادمة، كالإجراءات التي تحتاج إلى قرارات عاجلة، ويمكن لحكومة تيسير الأعمال القيام بها، مثل: تطهير الجهاز الإداري للدولة من الفساد، وفك حالة الاحتقان الموجودة به، ورفع التعسف عن الموظفين الحكوميين، وإعادة الأمن إلى الشارع المصري، وضبط الأسعار، قائلاً: إن وزارة الجنزوري هي وزارة مؤقتة، لا يحق لها أن تحمِّل مصر أعباءً، وتتخذ من القرارات التي تحتاج إلى دراسات متأنية.