هذه لحظة اختبار..
لحظة لا يكفي للنجاح فيها النوايا الطيبة، رغم حاجتنا إليها، ولا يكفي للنجاح فيها الحماس الملتهب، رغم ضرورة وجوده كشرط أساسي لتحقيق حلم مشترك عهد إلينا الناس بتحقيقه عبر صناديق الانتخاب؛ إنما الأمر يحتاج مع الإخلاص والحماس إلى تخطيط محكم، قادر على مواجهة الفشل والإخفاق في تحقيق آمال الناس.
لا أعتقد أن هناك من يظن أن القصة انتهت بأصوات انتخابات جاءت لصالحنا في انتخابات تاريخية تتم في أجواء إثارة عجيبة كانت تهددها فى كل مرة، لكن إرادة الناس كانت غالبة، وكان فضل الله علينا عظيمًا، ولكن أخشى أن يغرينا الفوز بالراحة، وأن نفرح كثيرًا فنتأخر عن حمل أمانة أبت السموات والأرض والجبال أن يحملنها، وبدء السير في بداية الطريق الشاق، طريق بناء وطن جديد، نربت فيه على أكتاف الناس ونخفِّف فيه من آلامهم، ونبعث فيهم الأمل من جديد، بروح الإسلام ونبض الإيمان (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)) (الأحزاب).
نحن في لحظة أعطى الله لنا الفرصة، وأعطى فيها الناس لنا ثقتهم، ولا ينتظر الناس منا غير إجابة عن سؤال واحد: ماذا ستفعلون؟! والتأخر في إجابة هذ السؤال يعني ببساطة الخصم من رصيد هذه الثقة، وإعطاء فرصة لهواجس الإحباط والشك أن تظهر من جديد، ولسهام النقد أن تصوب إلينا بقوة.
وقبل أن نجيب عن السؤال، ينبغي علينا أولاً أن ندرك أننا أمام التحديات الآتية:
1- وعي مجتمع يرى في نائب مجلس الشعب مصباح علاء الدين الذي ينبغي أن يحقق كل الرغبات وكل المطالب، بغضِّ النظر عن مهمته الرئيسية في اقتراح القوانين ومناقشتها، ساعده على ذلك اختفاء مهمة المحليات المنوطة بالخدمات اليومية، وهو ما سيدفعه لأن يصبح طموحه كبيرًا، وطلباته ضاغطة، وأكبر من قدرات نائب الدائرة.
2- ضعف عدد الإخوان بالنسبة إلى طموح الناس، ويزيد من هذا الضعف زيادة الأنشطة اليومية المعتادة من لقاءات تربوية وثقافية ورياضية وخلافه.
3- تربُّص بعض القوى بشدة لانتظار الانقضاض عليك من أي ثغرة من شأنها أن تضعف ثقة الناس فيك.
وسنقترح حلولاً لمواجهة هذه التحديات بعد أن نحدد مراحل العمل في السطور القادمة:
مراحل العمل
يظهر فقه الأولويات بشدة في الأوقات الحرجة، وفقه الأولويات هو أمر من صميم فلسفة الإسلام، فقدم الفهم على الحفظ، في الحديث: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين"، وقدم المقاصد على المظاهر وقدم الاجتهاد على التقليد، ونحن في وقت فيه بدائل العمل ومجالاته مفتوحة أمامنا، طبيعي أن يكون معيارنا في اختيار أولويات العمل هو اهتمامات الناس الأكثر إلحاحًا.
وبالتالي سيكون في مقدمة الاهتمامات مشكلات الناس اليومية، مثل: الخبز، وأنابيب البوتاجاز، والقمامة... إلخ، أعلم أن هذه مشكلات محليات، ولكن وعي الناس لا يدرك هذه النقطة، كما أن اللجان الشعبية أبلت بلاءً حسنًا في هذا المضمار، وكان من يقوم بهذا العمل قبل الانتخابات يدرك أنها أقوى من أي دعايا، وأبلغ من أي كلام.
نستطيع- بما نملكه من قوة شعبية ومن خلال نائب مجلس الشعب- أن نتعاون مع ممثلي التموين لحل مشكلات الخبز والغاز والضغط على المجالس المحلية في مسألة القمامة لزيادة عدد العربات أو زيادة ساعات التشغيل.
المرحلة الثانية: هي أن نقرأ برنامج الحزب، ثم نقوم بتشكيل مجموعات لتنفيذه، مراعين نفس منطق الأولويات في خطوات التنفيذ، والتي أرى أنها تتمثل في الآتي: البطالة، التعليم، الصحة.
وفيما يخص موضوع البطالة سنسير فيه حسب قدراتنا وإمكانياتنا في هذ المرحلة، عن طريق وضع قاعدة بيانات لذوي التخصصات التي لا تعمل، ثم التواصل مع الشركات بهذه المعلومات ومتابعتها، والعنصر الثاني هو إطلاق مشروع " المشروعات الصغيرة، حسب رؤية الحزب لحل مشكلة البطالة.
وفيما يخص موضوع التعليم: يمكننا المساهمة في حل بعض المشكلات العلمية للطلبة التي تعوقهم عن المواصلة مع المدرس والمنهج؛ نتيجة لضعفهم في عملية القراءة والكتابة مثلاً عن طريق فصول تقوية هدفها فقط سد الثغرة التي تمنع التواصل مع عملية التعليم، أو رفع مستوى الطالب إلى المستوى الذي يمكنه من رؤية المنهج رؤيةً واضحةً، تمكنه من استكمال الطريق.
يمكننا أيضًا تنشيط دور الاخصائي الاجتماعي ودعم المدرسة في حل مشكلات الطلبة التربوية والدراسية والنفسية عن طريق الاتصال بالمتخصصين في هذا المجال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم".
وفيما يخص الصحة فيمكن جمع مقترحات من أطباء متطوعين لحل بعض المشكلات في المستشفيات العامة والتأمين الصحي.
المرحلة الثالثة: وهي مرحلة تشكيل مجموعات لتنفيذ بقية برامج الحزب من اهتمام بالمشكلات الاجتماعية ونشر الفن الهادف وزيادة الوعي الديني والثقافي والسياسي.
مواجهات التحديات
التحدي الأول:
تواجه المؤسسات دائمًا بقلة وعي المجتمع، وزيادة سقف طموحه، وحل هذه المشكلة أن يكون هناك نوع من التواصل بين المؤسسة ومن تخدمهم، عن طريق وسيط إعلامي يشرح طبيعة المرحلة والإمكانات المتاحة وما يمكن تحقيقه، كما أنها تستطيع أن تدمج الناس في الشعور بالمشكلة وتطلب منهم المشاركة في الحل، هذا الوسيط ربما يكون: مجلة ورقية أو مؤتمرات أو كلمات عبر اليوتيوب، أو قناة إنترنت، أو بيانات دورية... إلخ، على أن يكون هذا التفاعل الإعلامي على فترات قصيرة.
التحدي الثاني:
يكاد يكون من المستحيل أن نحقق ما يأمله الناس فينا بمفردنا، والحل الطبيعي والحتمي أن نستغل طاقات الشباب والناس من كل طوائف المجتمع، ونفعلهم في اتجاه برامجنا عن طريق التوعية والتدريب، مستغلين حالة الحماس والثقة والأمل، كي نضاعف من قوتنا أضعافًا مضاعفةً.
علينا فقط ان نتولى دفة القيادة، والقيادة تعني وضع الأهداف والخطط ثم توجيه الناس في اتجاهها، وعلينا أيضًا أن ندرك نوعية الفصل بين طبيعة الجماعة والحزب، ومجالات العمل في كل منهما قال تعالى: (و يزدكم قوة إلى قوتكم).
التحدي الثالث:
في العمل السياسي لا سلطة بدون معارضة وهجوم، وكلما زاد حجمك زاد حجم المراقبة التي قد لا تخلو من نوايا تربص واصطياد للأخطاء، هذا طبيعي، وعلينا أن نستمع جيدًا، ونصحح أخطاءنا بسرعة فيما هو خطأ، وأن نصبر ونحتسب على هجوم لا هدف له إلا الهدم والنيل من الآخرين.
واخيرًا.. علينا أن نعيد تقييم كل الأخطاء التي وقعنا فيها، وأن نبدأ في اعداد العمل من الآن، وربما نحتاج كذلك إلى عملية إعادة هيكلة من الداخل بتشكيل لجان جديدة مناسبة للمرحلة الجديدة، كما حدث في إعادة الهيكلة قبل الآنتخابات.
إن ما رأيناه من جهد خلال الانتخابات يقول إن لدينا طاقات هائلة، وإننا نستطيع أن نصنع المستحيل، لكن علينا أن ندرك أن الناس تطلب منا أكثر من الشكر على ثقتهم بالكلام.. إنها تطلب منا أن نشكرهم بالفعل، والعمل المتواصل، وتحقيق آمالهم فينا.
ونحن قادرون على ذلك بإذن الله.
---------