يخطئ من يظن أن دعوة الإسلام هي صعود المنابر وإعطاء الدروس في المساجد وإلقاء الكلمات في المحافل، بل دعوة الإسلام كل هذا ويزداد على ذلك ما هو أهم وأكثر أثرًا وهو أثر الرجال في الناس، زمان قالوا: فعل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل في رجل، وهذا ما رأيناه من أخينا طلعت مجاهد نسأل الله أن يتغمده برحمته ويدخله فسيح جناته، حيث كان داعيًا لربه بالفعل لا بالقول، مربيًا لكل من يتعامل معه وكان من قوله: التربية بناء الرجال.

 

المولد والنشأة

 

ولد طلعت مجاهد في نبروه عام 1956م عاش فيها وعاشت فيه، حبًّا جمًا مفتخرًا بها وتفتخر به، محبوبًا من أهلها محبًّا لكل فرد فيها- حتى الذين أساؤوا له لذا كان من الندرة من يتحدث عنه بسوء- إن وجد- تعلم في مدرسة الشيخ محمود الابتدائية، ثم مدرسة نبروه الإعدادية الأميرية، ثم مدرسة أحمد حسن الزيات حيث قضى بها السنة الأولى، ثم فُتحت مدرسة أشرف جاويش الثانوية فانتقل بها، ثم درس بكلية التجارة جامعة المنصورة، ولقد أشرك في توزيع المكتبة الإسلامية التي كانت توزعها الجماعة الإسلامية في ذلك الوقت عن كلية التجارة.

 

نشأ نشأة دينية حيث كان يذهب ليتعلم على يد شيخنا الشيخ الإمام إبراهيم شولح- رحمه الله رحمة واسعة- فيناقش الشيخ وللشيخ معه رحمه الله مداعبات كثيرة لم تسعفنا الذاكرة لسردها، كما أنه له ذوق لغوي عالٍ لذا كان يذهب خلف الشيخ اللغوي محمد عبد الغني سراج، ثم بعد ذلك كان يحضر خطب شيخنا الدكتور سيد نوح وهوي سماع الأستاذ عبد المجيد صبح فكان لتلك النشأة أثر كبير في البناء الفكري والتربوي له.

 

علاقته بالإخوان المسلمين

 

علاقته بالإخوان المسلمين منذ أكثر ثلاثة عقود ونصف حيث تعرف على عدد منها وبدأ يدعو أستاذ الجيل بالدقهلية للإخوان المسلمين وهو أستاذنا الأستاذ محمد العدوي، في هذا الوقت لا يوجد بيت يستطيع استقبال الأستاذ العدوي إلا بيت أخينا طلعت مجاهد وبيت أخينا الشيخ سيد العطافي- أطال الله في عمر وأحسن عمله- بعد هذه اللقاءات بدأت لقاءات التكوين لهذه الجماعة وتحديد الأسر في ذلك الوقت واستمر مع تلك الجماعة حتى آخر لحظات لحياته وأقرب لقاء له كان يوم الأربعاء قبل الماضي وسهر ليلاً حتى الواحدة فأوصلته البيت رغم ألمه إلا أنه لم يشعر به- تقبل الله منه-.

 

شهامة مبكرة

 

كل من تعامل مع طلعت مجاهد يشهد له بالشهامة فهي طبع فيه غير مكتسب، لذا ظهرت رجولته في وقت مبكر من عمره فلقد مات أبوه وهو صغير السن وبكري أبيه فتحمل مسئولية البيت وقد سافر وهو طالب مرة للعراق ومرة أخرى سافر إلى الكويت فكان شعاره الرجولة كيان الإنسان وحياته فلا ينبعي أن تنفصل عنه لحظة من اللحظات، وكذلك رجولته في الشارع فسلوكه كله يتناسب مع الرجولة فكل سلوك لا يعجبه يقف عليه من أجل تقويمه مثل هذه المواقف موقف حدث في مدرسة أشرف جاويش وهو في الصف الثالث الثانوي وكان أمينًا اتحاد الطلاب بالمدرسة وتدرس له مادة الفلسفة مدرسة تلبس لبسًا لا يتناسب مع كونها معلمة فقال لها: كيف تلبسين هذا الملبس؟ أنت معلمة تدرسين لشباب في أوج قوتهم وثورتهم، فخرجت المعلمة باكية، فما كان من المدير الأستاذ أحمد الرفاعي إلا فصله أسبوعًا من المدرسة، ورغم ذلك كان ذلك المدير يفتخر ويتباهى بموقف هذا الطالب فسألت المدير ولما فصلته، فقال: هذا للمحافظة على هيبة المعلم في المدرسة فلو قال لي ما أدخلتها المدرسة.

 

كرم ما بعد كرم

 

كان كرمه أسبق منه، فلا ينتظر التفكير بل كان سلوكًا تلقائيًّا حتى أني رأيت أنه أكرم من حاتم الطائي، فلقد فتح بيته على مصراعيه لكل اللقاءات الإخوانية، يضاحك الضيف ويقابله ببشاشة الوجه التلقائية وله كلمة مشهور بها لا يستطيع أن يقولها إلا هو آلا وهي (هي لك إن شئت) فإذا مسكت أي شيء خاص به يقول لك هو لك إن شئت وهذه الكلمة تخرج بصفاء قلب ونقاء روح ليس بها تردد فإن شئت أخذتها وإن شئت تركتها، فإن أخذتها أعطاها لك بروح طيبة ونفس سعيد.

 

حدث مرة أن ابن عمه دكتور سيد عبد الهادي كان يفتح عيادته، فإذا به يعطيه ثلاثمائة دولار فلاقى أخاه الحاج مصطفى الزهري فقال له: الحاج طلعت أعطاني ثلاثمائة دولار فقال الحاج مصطفى لقذ أخذهم مني وهو في حاجة لهم.

 

صبره

 

رحمه الله كان صابرًا مدركًا جزاء الصبر من ربه، فلقد عاش صراعًا مريرًا مع المرض، حيث أصيب بالكبد منذ عشرات السنين، فعاش في الصراع الطويل مجاهدًا صابرًا لا يُشعر أحد بهذا الألم لأنه يوقن أن الصبر لا جزاء له إلا الجنة، كما أنه يعلم حديث المصطفى- صلى الله عليه وسلم- "المبطون شهيدًا" وقد زرع الكبد أملاً في الشفاء والراحة ولكنه لم يصل إلى المراد فصارع مرضه قبل الزرع وبعد حتى قال لو طلب أحد مني النصيحة لنصحته بعدم الزرع وها هو يموت مبطونًا فنسأل الله أن يكتبه من الشهداء فإنه ولي ذلك.

 

في الختام أقول اللهم تقبله في الصالحين والشهداء واجعله في جنات النعيم فأنا لا أريد أن أقف مع حياته فحياته مملوءة بالجهاد والصبر والمصابرة فلقد عاش داعيًا للحق وإلى الحق سائر ومع الحق عاش وفي نهاية كلمتي بعدما فقدناه عمرًا طويلاً في سفره للمملكة العربية السعودية، ولما عاد لم يطل به الأجل فإن لله وإن إليه راجعون.