كل عام والإخوة المسيحيون بخير وسلام، ومصر كلها في أمن وأمان وحفظ من الرحمن، كل سنة ومصر تنعم بالحرية والإنتاج والعمل والنهضة والتقدم والازدهار، "كل سنة والإيد في الإيد مسلم ومسيحي"، كلنا مواطنون من مصر ولمصر.
إن ذهاب عام، ومجيء آخر أمر يستدعي مِنّا الوقوف مع أنفسنا وقفة جدية للمحاسبة الصادقة بشكل موضوعي، وليسمح لي القارئ الكريم أن أقف مع بعض المحطات:
المحطة الأولى: مع النفس: نفسي ونفسك أنا وأنت ماذا فعلنا لتهذيبها، أنا أعرف وأنت كذلك ما بداخلنا، وما أخطاؤنا وعيوبنا، فهل وقفنا مع هذه الأخطاء وحاولنا تقويمها؟! هل سلكنا الطريق القويم للارتقاء بها؟ لعلها تكون فرصة مع بداية العام الجديد أن نجدد العهد مع أنفسنا ونرتقي بها ونساعدها على أن تكون بالفعل نفسًا مطمئنة راضية فعّالة صاحبة همة عالية، ترنو إلى المعالي وتسعى إلى المجد، مع المحاسبة والمراجعة من حين لآخر، ورحم الله الإمام الشافعي الذي قال:
بقدر الكد تكتسب المعالي *** ومن طلب العلا سهر الليالي
ومن رام العلا من غير كد *** أضاع العمر في طلب المحال
تروم العز ثم تنام ليـلاً *** يغوص البحر من طلب اللآلي
المحطة الثانية: مع المجتمع: الذي يجمع كل الأطياف والتيارات السياسية والفكرية المتنوعة والديانات المختلفة، فلا شك أن هناك قواسم مشتركة بين الجميع وهي كثيرة، ووجهات نظر مختلفة وأظن أنها قليلة، ومن ثمَّ وجب علينا أن نُثمّن المتفق عليه ونزيد منه، ونقلل من المختلف حوله بقدر الإمكان؛ لأنه بتعاون كل أفراد المجتمع في القضايا المتنوعة يكون تقدم ونهضة مصر وبناؤها بناءً حديثًا، وعلى المثقفين والنخب والعلماء أن يؤكدوا دومًا على هذه المشتركات ويشرحوا للناس أهمية التوحد والاتفاق في القضايا الكلية، ولا يتعصب شخص أو جهة لرأيه؛ لأن التعصب بغيض يورث العداوة والبغضاء بين الناس، ويزيد من الفتن والفرقة، ونحن أحوج ما نكون في هذه المرحلة إلى توحيد الصف ولمِّ الشمل.
المحطة الثالثة: مع الإعلام: صاحب الدور الأكبر في نقل المعلومة للقارئ والمشاهد والجمهور بشكل عام، فكلما زادت المصداقية والحيادية والموضوعية ومعالجة القضايا التي تمس المواطن وتساعد على توعيته وتثقيفه والارتقاء بأخلاقه، ساعد ذلك على المساهمة بشكل كبير وفاعل في بناء مصرنا ورقيها وازدهارها في جميع المجالات، أما إذا اهتم الإعلام بإثارة الفتن والضغط عليها وتوسيعها والتحريض، والاهتمام بالأمور والقضايا التافهة التي لا تنفع ولا تغني من جوع، فهذا بطبيعة الحال يؤدي لا محالة إلى تفتيت عناصر الأمة، وزيادة الفرقة بين الناس، ناهيك عن انحلال المجتمع وتفككه على المستوى الفردي والمجتمعي.
المحطة الرابعة: مع المجلس العسكري: الذي وقف مع الثورة وناصرها وأيدها في بدايتها، ولم ينجرَّ إلى مواجهتها، أقول له أحسنت ولكنك أطلت في قيادتك للمرحلة الانتقالية، وعليك مشكورًا أن تُسلِّم السلطة في أقرب وقت ممكن إلى سلطة مدنية منتخبة؛ لتقود البلاد في المرحلة القادمة دون تباطؤ أو تأخير؛ لأن هذا التأخير يزيد من إشاعة الفوضى والخلل في كل مؤسسات الدولة؛ لأن مهمتك الأساسية أن تدفع عن حياض الأمة وتدافع عنها ضد أعدائها المتربصين بها، الذين لا يريدون لها رفعةً أو نهضة، وعلى المجلس العسكري دور مهم في المرحلة الانتقالية، وهو تطهير مؤسسات الدولة من الفاسدين والمُفسدين من بقايا النظام السابق حتى يُسلم الدولة نظيفة نقية.
من كل قلبي أتمنى لمصر العظيمة وشعبها الكريم رجالاً ونساءً أطفالاً وشيوخًا أن يسعدوا بالأمن والأمان والسعادة والإيمان والتقدم والازدهار في العام الجديد، وكل عام وأنتم جميعًا بخير وسلام.