يقول الله سبحانه وتعالى في الآية 55 من (النور) (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).
ذلك أيها الإخوان هو دستور الله عز وجل، وذلك هو هديه، وتلك هي سنة الله في الأرض.. إنها شروط التمكين وشروط التعاقد مع الله، تصف الآية الكريمة حال المؤمنين (الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) بأنهم كانوا مستضعفين في الأرض، فهذا هو خباب بن الأرت، بعد شديد العذاب، يطلب من نبيه الحبيب ما أغضبه وجعل وجهه الكريم يحمرُّ غضبًا، فترى ماذا طلب منه خباب؟!
لقد رأى خباب النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسِّد بردةً له في ظل الكعبة، فقال له: "ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "قد كان من قبلكم، يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيُجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيُوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويمشَّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصدُّه ذلك عن دينه، والله ليتمَّنَّ هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون".
إنهم المستضعفون في الأرض، وإنه التمحيص والتربية الربانية التي تخرج رجالاً يستحقون النصر والتمكين، يظل المسلمون بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم في شعب أبي طالب لمدة ثلاث سنوات، لا بيع، لا شراء، لا زواج، في أكبر حركة مقاطعة اجتماعية واقتصادية في التاريخ لفئة ما كان ذنبها إلا أن قالت: ربنا الله، فثبتوا وما وهنوا وما استكانوا لما أصابهم في سبيل الله، وخرجت الجماعة المؤمنة القليلة أشد قوةً وأصلب عودًا.. إنهم المستضعفون في الأرض، وإنها سنة الله وشرطه للتمكين.
وها هي سمية تبذل حياتها ويكون دمها الطاهر هو أول ثمن يُدفع للنصر، وتكون أول شهيدة، ويكون عمار ابنها هو الثمرة الطيبة لتلك الشهادة، ثم يأتي النصر والتمكين بعد دفع الثمن بالكامل.. الإيمان بالله والعمل الصالح.
إنها سنة الله في الأرض، في الأولين والآخرين.. ولن تجد لسنة الله تبديلاً.. وتقوم دول وتنهار دول وكلها خاضعة في القيام والسقوط لقانون الله الذي لا يتبدل لأحد من البشر، وإلا لكان قد تبدل لنبي الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، حين خالف المسلمون أمر رسول الله.. أربعون رجلاً خالفوا الأمر، ليس رغبةً في الهروب من المعركة، وإنما ظنًّا منهم أن المعركة قد انتهت، فكانوا سببًا في هزيمة جيش يقوده رسول الله.. إنها سنن الله في الأرض ولن يغيِّرها لأحد، ولقد عشنا جميعًا ورأينا آيات الله تتحقَّق أمام أعيننا فيما يشبه المعجزات؛ ففي قمة الطغيان وقمة العصيان وقمة العناد مع الله عز وجل وسننه يؤخذ الطاغية من تحته، في نفس الوقت الذي حسب الناس أنه لا يموت أو أنه قدر مقدر عليهم أن يعيشوا تحت ظل طغيانه، وأسقطه الله عز وجل.. أسقطه لأنه قد تخطَّى الحدود وخالف العقد الذي أبرمه الله له بتمكينه في رقاب الناس، فطغى وبدل وتكبر وتجبر، فأخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وها هي الجماعة الربانية، الفئة المستضعفة التي تحمَّلت من نير ظلمه هو ومن سبقوه على مدى أكثر من ثمانين عامًا؛ فكان تمحيصها من الله وتربيتها على منهج الله، وكان مؤسسها المبارك الشهيد حسن البنا رحمه الله نبراسًا ومجددًا لهذا الدين، وكانت آية الله وتنفيذ وعده، وجاء الاستخلاف في الأرض وتبدَّلت الأحوال، وها هم المجرمون اليوم استبدلوا أماكنهم بأماكن من عذبوهم واضطهدوهم، وحظروهم.. إنها آية الله تتحقق أمام أعيننا، وإنه التاريخ يعيد نفسه في مشهد نحمد الله أن عشناه ورأيناه.
إنه وعد الله قد تحقق، وتبقى على هؤلاء المستضعفين الذين بدَّلهم الله بالخوف أمنًا وبالضعف قوةً واستخلافًا، أن يحافظوا على عهد الله، وأن يؤدوا ما عليهم من واجبات تجاه ربهم وتجاه الشعب الذي وثق بهم وحكمه فيهم، وأن يسهروا على حوائج الناس، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال فيما رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة حمراء من أدَمٍ في نحوٍ من أربعين رجلاً، فقال: "إنكم مفتوح عليكم، منصورون ومصيبون، فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله، وليأمر بالمعروف، ولْينْهَ عن المنكر، ولْيصلْ رَحِمَه".
فلنتق الله أيها الإخوان.. لنأمر بكل معروف في كل مجال، ولننه عن المنكر، ولنصل أرحامنا، ورحمنا هو شعب ظل يعاني على مدى أكثر من ستين عامًا ويستحق اليوم بعد أن انتفض على الظلم والظالمين أن يرى منكم خيرًا..
واحذروا أن تأخذكم الدنيا، فكراسيها زائلة، وقد رأيتم بأعينكم، ولو أنها دائمة ما أخذتموها، فلتكن بحقها ولتصدقوا العهد مع الله قبل أن يستبدل بكم كما استبدل بالذين من قبلكم.