التلفاز عندي هو وقت القيام بالمهام المنزلية التي لا تحتاج عناءً أو فكرًا، كالكي والتنظيف، وطي الملابس، وإعداد الطعام.. فتحته كالعادة على إحدى القنوات العربية، كان بها شيخ متواضع الهيئة لا أعرفه، وذهبت إلى المهام المنزلية؛ لكنني وجدتني هذه المرة لا أكمل المهام.. تركت ما بيدي، عدت ألتفت إليه.. أجلس.. أعتدل.. أتأدب وأتأمل في الرجل الذي جذبني منطقه، وأسرني علمه، وقيدني فقهه وروحانية كلماته، وأنتظر أن يبين المذيع عن المتحدث؛ إنه فضيلة الشيخ الدكتور سيد نوح، أستاذ الحديث الشريف وعلومه بكلية الشريعة جامعة الكويت.
سافرت بعدها بقليل إلى الكويت، وفي حضرة أستاذي وأبي- بعد أبي- فضيلة الأستاذ الدكتور "أبو اليزيد العجمي"، أستاذ الفلسفة والعقيدة الإسلامية بكلية دار العلوم، أخبرته بهذا العالم الجليل فضحك قائلاً: إنه شيخنا وأستاذنا و.. وجارنا وسأعرفك به.. بعد أيام قليلة تبينتْ لنا قيمة الرجل في المجتمع الكويتي؛ لا يكاد يختلف على حبه مسلم كويتي، أو وافد عليها، في كل محفل ومنتدى له كلمة علم ودين ودعوة.
ولما كنا حديثي عهد بالبلدة فقد كانت عندنا بعض الأوراق الرسمية والمعاملات نريد إنجازها، قال أحد إخوتنا: ينجزها لكم شيخنا، وفعلنا ظنًّا منا أن أقصى ما سيفعله فضيلته هو أن يرفع سماعة هاتفه، أو يطلب من أحد محبيه أن ينجز المهمة، كما نعلم في دنيا الواسطة.. في اليوم التالي رنَّ الهاتف عندنا رفع زوجي الهاتف، وإذا بوجهه يمتقع وتضطرب سماعة الهاتف في يده، حالة أعرفها فيه حين يستبدُّ به الخجل، ويعروه الحياء، وإذا به يهرول أمامي ويبحث عن ورقة رسمية طلبها من كان على الهاتف.. إنه شيخنا العالم الجليل سيد نوح في الهيئة المدنية يقضي بنفسه لنا حاجتنا!.
ذهب إليه زوجي الحبيب بحيائه يعتذر، ويقول له: لم أتصور هذا، وإذا به يقول له: لماذا تريد أن تحرمني الأجر يا محمود؛ صليت العصر في جماعة، وقدمت الأوراق، وأعطيت درسًا بعد العصر، وجلست لفتيا الناس في قضايا أهمَّتهم، وسأصلي الآن المغرب جماعةً.
علمنا بعد ذلك أن للرجل مع قضاء الحاجات شأنًا.. إنها صلاة له من الصلوات، لكأنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حاضرًا معه لا يفارقه يقول: "لأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد شهرًا" (من مرويات ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج، حديث 176 حسَّنه الألباني)، ويقول صلى لله عليه وسلم في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه".
كان زوجي قد ألمَّ به ألمٌ شديد في ساقه وبدأنا نرتب أن يجيء إلى مصر للعلاج، وكان فضيلة شيخنا قد علم فذهب بعد صلاة القيام التي يؤمُّنا فيها بجزء كامل، وهو في سنِّه هذه.. ذهب يطرق باب جاره شيخنا الدكتور "أبو اليزيد العجمي"، وكان عنده جمع من إخوتنا، يقول لهم: هلُّموا نصلي ركعتين وندعو لأخينا الدكتور محمود بالشفاء.. بعد يوم أو بعض يوم نشهد الله أن الآلام الشديدة قد ذهبت، ودون أدنى علاج، ولولا أننا أُخْبِرنا من أستاذي د. أبي اليزيد بما فعل شيخنا ما علمنا.
لازمْنا الرجل العالم في كل خطبةِ جمُعةٍ له بمسجد الوزان، كنا نغتسل غسل الجمعة ونكتشف ونحن نسمعه أن اغتسالنا الحقيقي يكون عند صنيعه وصدقه وإخلاصه في هذه الخطبة؛ كانت الجمعة عندنا مستراحًا وعلمًا وروحانيةً وعملاً للإسلام، وهمًّا بالمسلمين في كل بقاع الأرض. وكان حرصه على الإفطار الجماعي في مسجد الجامعة فريدًا، وعجيبًا، وجامعًا.
وأما نشيج صوته بالقرآن فلا إخالني سمعت أعذب منه في حياتي.. ينثال القرآن على لسانه انثيالاً، ويكاد ينفطر له قلبك انفطارًا.. يأخذك إلى السماوات، فتنظرَ إلى الدنيا من علٍ فتعتدلَ عندك موازين الأشياء والقيم.
أما فلسطين والأقصى فقد كانتا قضيتَه ورسالتَه؛ لم يعجبه يومًا ما جمعنا من أموال لنصرتهم، فانفجر في الجمع يقول: "... وستأتون يوم القيامة تقولون لرب العالمين إنني- هذا الذي يقف على المنبر- كنت خطيبًا فاشلاً لم أستطع أن أفهمكم، وأقنعكم بعدالة قضيتنا ومسئوليتنا عنها، ستقولون: لو قد فعل يا ربنا وشجَّعنا على طاعتك والإنفاق في سبيلك لعلمنا ولفعلنا، لكنه لم يفعل.. ستجعلونها في عنقي أنا.. حسبي الله ونعم لوكيل.. ولم يزل يردِّد مثل هذا حتى أخذ عصارة أرواحنا معه.
في مرةً أخرى مثيلة لم ينفجر كما سبق، بل في لهجة هادئة تمامًا جعل يقول: أريد اليوم أن أقول لكم: ناموا واستريحوا، واستمتعوا بأموالكم وأهليكم، فالحمد لله ليس هناك مسلم بحاجة إلى أموالكم، ولا دعائكم، الفلسطينيون يرفلون في النعيم، ليس بينهم اليوم جائع، ولا عارٍ، ولا مريض، القدس تحررت، المسجد الأقصى بعافية.. وبقي على هذا التوبيخ الهادئ، حتى أشك أنه قد بقي في المسجد من عاد إلى بيته بفلس واحد في جيبه.
قال يومًا: "لما وجدت اليوم غير كافٍ لإنجاز أعمالي، زدت الورد القرآني لتعود بركة يومي"!.
فأما نوادره في التفلت من حاجات الجسم، واللا مبالاة بها في سبيل الاحتشاد والهمة الدائمة للعمل والجهاد والعطاء فحدث ولا حرج.. بين قاعات الدرس والعلم الأكاديمي والبحثي الرصين، ودروس العلم في المساجد والمنتديات والسعي في قضاء الحاجات وفك الكربات، أخذ به العناء يومًا مأخذًا جعله يبيت أغلب الليلة على مقود سيارته أمام البيت؛ إذ لم يستطع النزول حتى المصعد ليكون في بيته، ولولا قلق البيت، وتفقدهم له لأمضى الليلة كلها بالسيارة، نائمًا على مقودها.
بل إنه في مرض موته الأخير أعيا الأطباء- الذين كانوا يعلمون قدره جيدًا- بالتفلت منهم، وترك المستشفى بين آونة وأخرى ويكتشفون بعدها أنه كان يقضي حاجة لأخ، أو يلقي درسًا في مكان ما.. أمام حجرته بالمستشفى وقفتْ سيدة كويتية تحدث أحبابه وأهله، وتقول: "من ألف حتى مليون لا بد من علاج شيخنا في أي مكان في الدنيا..." وانفجرت باكية: "إنه الشيخ سيد نوح، إنه الشيخ سيد نوح..".
أخذتني معها في بكائها.. لكن بكائي كان ينضاف إليه شيء آخر ذكرتني به كلماتها: سيد نوح هذا يا سيدتي، هذا المهيب الجليل العظيم العالم العامل المجاهد، ولا نزكيه على رب العالمين، لا يعرف بلدُه قيمتَه وقدرَه، إنه الهائم في بلاد الله، مُلاحَق، لا يستطيع العودة للوطن.. إنه من الإخوان المسلمين.
"سيد نوح" رجل عرف الطريق إلى ربه واضحةً جليةً، عاش مشمِّرًا ليله ونهاره، فلم يعد يلوي من الدنيا على شيء، وكان حجة الله علينا في كل حال وموقف وحدث.. فاللهم يا أكرم الأكرمين في عليائك اجمعني به وأبي وأمي وكل أحبتي على حوض حبيبك المصطفى صلى الله عليه وسلم.