في ضوء نتائج انتخابات مجلس الشعب وثقة الشعب في الإسلاميين عامةً وحزب الحرية والعدالة خاصةً، أعتقد أننا أصبحنا في هذا العهد الذي قال عنه الأستاذ البنا عهد الانتقال من حالة الضعف والركود إلى حالة القوة والنهوض- إن شاء الله- بقوله: "وإن أخطر العهود في حياة الأمم وأولاها بتدقيق النظر عهد الانتقال من حال إلى حال، إذ توضع مناهج العهد الجديد وترسم خططه وقواعده التي يراد تنشئة الأمم عليها والتزامها إياها؛ فإذا كانت هذه الخطط والقواعد والمناهج واضحة صالحة قويمة فبشر هذه الأمة بحياة طويلة مديدة وأعمال جليلة مجيدة، وبشر قادتها إلى هذا الفوز، وأدلتها في هذا الخير، بعظيم الأجر وخلود الذكر وإنصاف التاريخ وحسن الأحدوثة (رسالة نحو النور).

 

وعليه فإن من واجب الوقت الآن على العاملين لدين لله الحاملين لهموم أمتهم أصحاب المشروع الحضاري الإسلامي أن ينظروا إلى المستقبل ولا يطيلوا الوقوف عند أحداث الماضي ومناكفات الانتخابات؛ حتى لا نتحول عن هدفنا الرئيسي- إنجاز المشروع الحضاري الإسلامي- إلى فرعيات تستهلك جهودنا وتهدر أوقاتنا في وقت نحتاج توجيه تلك الجهود والأوقات إلى أفكار وإبداعات للمشروع.. ما الفائدة من معارك جانبية الجميع فيها خاسر؟ نحن بحاجة إلى أن تكون ردود أفعالنا على بعض التصرفات غير المستساغة، ردود راقية مستمدة من وحي مبادئ ديننا الحنيف الذي يجمع ولا يفرق، وألا يزيدنا جهل الجاهل علينا إلا حلمًا: (وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا (63)) (الفرقان)، وألا تخرجنا أفعال الآخرين عن غايتنا وأهدافنا الكبرى؛ فالمصالح المشتركة والهموم الوطنية المصيرية أكثر من أن تفرقنا بعض التصرفات..فلنتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه.. من كلام الأستاذ البنا: "ستنتهي الانتخابات وتبقى الحزازات أو المجاملات، فلأن يبقى المعروف بينكم خير، ولا تنسوا الفضل بينكم في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى الوحدة والتساند".

 

والمتتبع لتصرفات وتصريحات الكبار سوف يجدها تتمثل هذا الكلام قولاً وعملاً، علينا أن نركز الجهود في نشر أسس ومبادئ المشروع الحضاري الإسلامي، والعمل على وضعه موضع التنفيذ بنقله من عالم الفكر إلى أرض الواقع من خلال الفرد والبيت والمجتمع، والمشروع الذي يشمل كل جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ويلبي متطلبات الروح والبدن والعقل، ويعالج قضايا الفرد والجماعة والدولة من خلال منهجه الشامل المتكامل.

 

المشروع القائم على الواقعية بجانب المثالية من حيث مراعاته واقع الحياة وتفاوت الناس في استعداداتهم ومطالبهم.. المشروع الذي يصل بنا إلى التقدم الحقيقي دون تبعية ودون تخاذل ودون تفريط في إرادتنا أو قيمنا ومبادئنا إرضاء لضغوط أعدائنا.. المشروع يصل بنا بإذن الله إلى إرشاد العالم وهدايته وريادته (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)) (الأنبياء).