هذا ليس زلة لسان أو عنوانًا لأحد الأفلام البيضاء والسوداء، وإنما حقبة سوداء مظلمة ومضنية عاشها الشعب المصري بواقع أليم حينما تولى (الرجل الثاني) عصام شرف حكومة تسيير الأعمال خلفًا لحكومة شفيق
(الرجل الأول) في الفترة من مارس حتى نوفمبر من العام الأول للثورة، هذا الرجل الذي بدأ يظهر في ميدان التحرير يوم 8 فبراير أثناء الثورة وإبان سقوط مبارك بثلاثة أيام والذي استطاع ركب قطار الثورة بكل سهولة ببعض الخطب الرنانة والكلمات المعسولة والأسلوب الناعم؛ مما أدى إلى جذب بعض جموع الشباب وخداعهم واستثارة عاطفتهم وأنساهم أنه عضو بلجنة السياسات بالحزب الوطني وسرعان ما تم تعيينه من قبل المجلس العسكري مع تساقط آخر ورقة صفراء من ورقات الرجل الأول، وفجأة ازداد الترويج له وبدأت تظهر كراماته المزيفة ومسلسلاته الإعلامية المشبوهة فتارة تسمع أنه ذهب هو وأسرته لأحد مطاعم الفول والطعمية! وتارة تسمع بأن الشرطة أعطت لابنه مخالفة مرورية وعندما اكتشفوا أنه ابنه فألغوا المخالفة ثم يقول هو أنه لا يقبل أن يستثني ابنه فهو مع القانون!!، والذي يفعل كل هذا ليس بعيدًا عليه عندما يمر من ميدان التحرير فيجد رجلاً مصابًا بكسر في القدم فيسارع لإنقاذه ونقله إلى أقرب مستشفى!!!.
وبعد هذه الكرامات التي روجها الإعلام المصري شعر الشعب بأنه سوف يعيش في المدينة الفاضلة ولكن سرعان ما تكسرت تلك الأحلام على صخور الواقع ليبدأ عمله بقرارات سلبية متباطئة أثارت استهجان الشارع المصري حينما تقاعس وتخاذل في سرعة إجلاء المصريين من ليبيا تلك الدولة الشقيقة التي لا يربط بيننا وبينها سوى لحظات بعدما قامت كل الدول الغربية وحتى العربية بإجلاء رعاياها من بينها فرنسا وإنجلترا وأمريكا وتونس وسوريا.... الخ، ومن المفترض أن يكون الرجل الذي جاء من ميدان التحرير مرتديًا عباءة الثورة أن تكون قراراته ثورية ولا يغمض له جفن أو يهنأ له بال حتى يطمئن على كل مصري سواء بالداخل أو بالخارج.
وبعد ذلك غمرت البلاد أحداث من العنف والشغب وأزمات طائفية في مناطق متفرقة لم يستطع خلالها السيطرة والقضاء على الانفلات الأمني واجتثاث المشكلات من جذورها مثلما عجز في بادئ الأمر حينما عجز عن تشكيل وزارة ثورية جديدة تحمل في طياتها أهداف ومبادئ الثورة فاحتفظ بجزء كبير من حكومة الرجل الأول وأضاف إليها أيضًا بعض فلول النظام البائد وبالتالي فمن اعتاد على الخطأ وسكت عليه لا يستطيع تدارك أخطائه، وبالتابعية لم يطهر الوزارات والمؤسسات المختلفة المدججة بمعاوني النظام البائد والذين في صالحهم إبقاء الوضع على هو عليه وإثارة الرعب والفزع في قلوب الشعب وترويعه، ليحققوا مآربهم وينجوا بضالتهم وبذلك أعطاهم الوقت ليمرحوا ويرتبوا ملفاتهم ويخفوا آثار جريمتهم، فتسمع عن حريق في الجهاز المركزي للمحاسبات واختفاء لدفاتر وسجلات ولا يقدم أحد للمحاكمة حتى ولو على طريقة كبش الفداء في نظام حبيب العادلي، ولم يطهر الإعلام بل سمح بظهور مجموعة من القنوات بطريقة مفاجئة شغلها الشاغل التحدث في شئون مصر ومحاولات تضليل الشعب ووأد الثورة في مهدها ولم يضع قانونًا لفرض الحظر على الفلول أو أعضاء المنحل يجرمهم ويحرمهم من حق الترشح، بل سمح لهم بالاندساس تحت أكثر من مسمى في أحزاب مختلفة جديدة لمحاولة التخفي في محاولة جديدة للالتفاف على الثورة.
وعلى الصعيد الدولي لم يستطع استرجاع الأموال المنهوبة ولم يستخدم أي وسيلة لاسترجاعها وترك الأمر برمته وظل يتنقل بين البلاد طالبًا للصدقة ومتسولاً، على مصر قلب العروبة النابض يمينًا وشمالاً شرقًا وغربًا بداعي اقتصاد مصر المنهار ودعم ودفع عجلة الإنتاج، وفرصة أيضًا للبعد عن الضغوط الداخلية من الثوار والهروب من مطالبهم وتساؤلاتهم لكي يتضح مع مرور الوقت أن هناك خزائن بوزارة المالية تحت تصرف المخلوع بها مبالغ قادرة على سد العجز وأيضا حفظ الكرامة من التسول ومن تمنع هذا وذاك وفرض الشروط، أليس أهل مكة أدرى بشعابها؟ ذاك هو الانهيار والتدني الحقيقي فبدلاً من أن يعيد الرجل الثوري كرامة المصريين دفنها في الوحل، فالشرفاء أولى عندهم أن يموتوا من الجوع ولا يمدون أيديهم لأحد ولكن لا يعرف معنى الكرامة إلا الثائر الحق فهو من نشأ عليها وثار من أجلها.
وأيضًا على الصعيد الدولي فشل فشلاً ذريعًا فلم يغير عقود الغاز؛ ففي ظل الوقت الذي كان يصدر فيه الغاز لأوروبا والصهاينة ومختلف الدول والتي يقدر مقدار ثمن أنبوب البوتاجاز لدى الصهاينة بتعريفة، وصل ثمنه إلى خمسين جنيهًا للمواطن المصري ولم يستطع حتى إيجادها فكان مسمارًا في نعش الثورة والثوار فسمح بارتكاب عمليات ممنهجة أضرت الحياة السياسية والاجتماعية في مصر، فلم يحتو موقفًا أو يرأب صدعًا ففي أحداث السفارة لزم الصمت عن الكلام تاركًا العسكر يبنون بأيديهم الجدار العازل داخل الوطن؛ هذا المشهد الذي تفطر له قلبي واقشعر له بدني كسائر المصريين الشرفاء وكان بمثابة العار والخزي على كل من وافق على بناء هذا الجدار وكل من شاركت أيديهم في بنائه ولكن استطاع أبناء مصر البواسل هدم هذا الجدار في لمحة بصر في مشهد يذكرني بقهر خط بارليف على الرغم إني أختلف جملة وتفصيلاً مع موقف اقتحام السفارة أو حتى مهاجمتها ولكن لا أقبل أيضًا قتل جندي على الحدود أو أي مصري بالداخل أو الخارج.
هذا إلى جانب إلقاء القبض على أكثر من 12 ألف مواطن من الثوار ومحاكمتهم محاكمات عسكرية وعدم إلغاء قانون الطوارئ وبالإضافة إلى ذلك أحداث العنف الرهيبة التي أحدثت ضد المصريين في أحداث ماسبيرو والذي راح على آثارها أكثر من 45 قتيلاً، ومئات المصابين لكي يخرج عقبها بحديث هزيل يتأسف ولم يأت بجديد وتعامل مع الموقف كسحابة صيف، ولم يتم التحقيق في الواقعة ولم يضرب بيد من حديد على الإعلام الفاسد الذي أوقد جحيم الفتنة حينما خرجت المذيعة تقول (أنقذوا الجيش من يد الأقباط)، وكلما ازدادت عليه الضغوط والمطالب الشعبية والمطالبة بتقديم حلول تستخدم أسلوب الترفع وتقديم الاستقالة وبعد ذلك لا يستقيل وهكذا مرارًا وتكرارًا وفي كل مرة تسمع بأن المجلس العسكري قد أقنعه وضغط عليه بالبقاء.
وفي نهاية المطاف هل عبادة الكراسي إلى هذا الحد والبقاء في المناصب والسلطة التي لا تدوم أم عبادة الله الواحد القهار والعمل من أجل لقائه؟ فهو الذي وعد وقال سوف أعود إلى ميدان التحرير في حال فشلي في تحقيق مطالب الثورة فشهد على نفسه وشهد شاهدًا من أهلها فالكل احتار في أمره البعض قال إنه يتسم بالخجل والحياء والبعض قال إنه منزوع الصلاحيات فإذا كان الأول فعذر أقبح من ذنب فلا مجال للعواطف في العمل مع أحد ولا مجال للوساطة أو المحسوبية أو التوريث، وإذا كان الثاني فأي كرامة تقبل هذا الذل والمهانة أو ترتضي أن تكون قناعًا أو وشاحًا مدنسًا يمرر من خلاله كل القوانين والأعمال القبيحة فكان من باب أولى أن يستقيل ويحدد أين مكانه هل بجانب الثوار في الميدان الذي استمد شرعيته منه؟ أم بجانب وثيقة السلمي التي تقر بانقلاب العسكر على الثورة بنص مكتوب ومن ثم إعادة هيكلة النظام السابق المخلوع في طريق إلى تبرئته وإعادته للحكم ليقال عقب أحداث شارع محمد محمود والتي كانت محاولة أخيرة للبقاء على الضالة المنشودة أو الرجل الثاني والكنز الثمين للنظام وبتاريخ 10/12/2011 يخرج علينا ليعتذر على صفحات "الفيس بوك" في اعتذار وصفه الشباب بالمتأخر لكي يقول اعتذر لكل من وجد مواقف الحكومة عندما كنت رئيسًا لها أقل من توقعاته وفي النهاية فليقف الجميع أمام الله ليحاسبهم على ما اقترفوه من جرائم حتى في حق أنفسهم أو حق الآخرين.