أصبح الطرف الثالث (اللهو الخفي) متصدرًا المشهد المصري بصفة يومية منذ قيام ثورة 25 يناير حتى ظهر هذه المرة في أحداث العنف في مباراة فريقي المصري والأهلي في مدينة بورسعيد، والتي أدَّت إلى استشهاد أكثر من أربعة وسبعين شخصًا خلال ساعة في إستاد بورسعيد، والذي بات واضحًا للجميع أنه حادث مدبر، ونُفِّذ بكل عناية وإجرام.
وأصبح اللهو الخفي الفاعل المستتر في كل الجرائم، والذي تشير إليه أصابع الاتهام في كل مرةٍ يسقط فيها ضحايا وأبرياء في أعقاب الثورة، وتحديدًا أحداث البالون.. ماسبيرو.. السفارة الصهيونية.. شارع محمد محمود.. شارع قصر العيني.. وغيرها، مخلفًا في كل مرةٍ قتلى ومصابين دون أن يتم الكشف عن هويته!
فليس من المعقول طوال هذه المدة التي قام فيها الطرف الثالث بكل هذه الأحداث المؤسفة أن يظل مبنيًّا للمجهول وغير معروف، ولا تستطيع الجهات الأمنية الوصول إليه!.
وهو ما يستدعي سؤالاً مهمًّا: هل هناك طرف ثالث حقًّا؟ أم أنها كذبة وأن مَن يُروِّج لهذا يريد الانقضاض على الثورة؟.
ما يثير الدهشة أن الطرف الثالث لم يستطع المساس بمجريات العملية الانتخابية، وتمَّت بسلاسةٍ وسلامٍ على عكس ما كان متوقعًا من إمكانية أن تشهد العملية الانتخابية أحداثًا دمويةً وأعمال عنف وبلطجة!.
ولماذا يتم التعامل مع هذه الأحداث ببطء وصمت شديدين في كشف الحقائق ومَن المسئول عنها؟! وبدا المسئولون أمام الرأي العام وكأنهم مفاجئون بها؛ مثلهم مثل أي مواطن عادي متابع للأحداث من خلف شاشات التلفاز ووسائل الإعلام! فهناك مَن يقولون إن تقديم اللهو الخفي والقضاء عليه هو مسئولية المجلس العسكري الذي يدير شئون البلاد، وهو المسئول الأول عن أمن البلاد وسلامة المواطنين، وأنه الوحيد القادر على تقديم الطرف الثالث الذي يظهر في كل واقعة، وعليه أن يأتي به لمحاكمته، وإلا فهذا يعدُّ فشلاً كبيرًا في إدارة البلاد!.
وانتشرت التصريحات الإعلامية والسياسية على ضلوع أطراف ثالثة ومؤامرة من وجهات أجنبية غير معلومة يستخدمون بلطجية مأجورين لنشر الفوضى والتخريب، ويرى بعض السياسيين أن الطرف الثالث معروف جيدًا، وهو ليس جهة واحدة، وإنما هو جهات متعددة تتفق جميعها على إجهاض الثورة، وأن هذه الأيدي العابثة تسعى إلى إجهاض أية محاولةٍ لإعادة الأمن والاستقرار للبلاد، وتؤجج نيران الفتن ويرى البعض أن بقايا نظام حسني مبارك وثورتهم المضادة التي تحركهم رءوس الأفاعي من مبارك وأبنائه ورجاله من خلف سجن طره؛ لأنهم هم أصحاب المصلحة الأولى في تلك الفوضى، ويساعدهم في ذلك بعض رجال الأعمال التابعين للنظام السابق، والمنتفعون القدامى والمتباكون على أيام المخلوع التي ما زالت تتحكم في المشهد السياسي، في حين ينظر الثوار إلى المجلس العسكري النظرة ذاتها؛ وذلك نتيجة لعدم مواجهته الحاسمة لأعمال العنف والبلطجة وقطع الطرق وبطء المحاكمات ضد قتلة الثوار، والذين أفسدوا الحياة السياسية، واتخاذه بعض القرارات وتراجعه فيها؛ كتأجيل انتخابات الرئاسة لما بعد وضع الدستور، واتهامه لبعض القوى السياسية بالخيانة والتمويل الخارجي، وأنهم هم أصحاب الفوضى والفتنة دون الكشف عن أي تفاصيلٍ.
كل هذا جعل المجلس العسكري في موضع اتهام وشبهاتٍ من الإعلام والقوى السياسية والمجتمعية وائتلافات الثورة، وما إن بدأت جلسات مجلس الشعب المنتخب، أكد نوابه ورئيسه في أولى جلساته أنه سيمارس صلاحياته، وسيراقب كل شيء، وأنه سيعيد للشهداء حقوقهم، وسيطهر المؤسسات الحكومية ومنها وزارة الداخلية من الفساد.
واستبشر المصريون بوزير الداخلية الجديد خيرًا، وشعر المواطن العادي ولأول مرة منذ قيام الثورة أن الأمن بدأ يعود للشارع المصري من الجديد إلا وظهر لنا الطرف الثالث بكل قوةٍ لينشر حالةً من الفوضى والبلطجة وما صاحبها من هجوم على المؤسسات المالية والمصرفية، وعلى أقسام الشرطة في الكثير من المحافظات، وانتشار أعمال الخطف والسرقة بصورةٍ غير مسبوقة!.
وبعد كل هذه الأحداث المؤلمة التي أبكت عيون كل المصريين وقلوبهم على شهداء تلك الأحداث والمجازر الدامية أوشك الشعب المصري على أن يضع صورةً قريبةً من الواقع لهذا اللهو الخفي الذي استحلَّ دماء المصريين وأموالهم لمدة عام كامل، ولن يتخلى مجلس الشعب ونوابه عن الشعب الذي انتخبهم، ووثق فيهم في أن يحقق هذا المجلس باقي مطالب ثورة 25 يناير المجيدة، ويكشف عن حقيقة هذا الشيطان الخفي الذي أصبح غير خفي على كثيرٍ منا!.