منذ أن انطلقت الثورة المصرية ورعاية الله تحوطها وتسيرها وتوجهها وتحفظها من عبث العابثين وحقد الحاقدين ومكر الماكرين (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30))(الأنفال)، منذ أن انطلقت ثورة يناير المباركة أراد الله لها ما لم يرده لها منظموها ومشاركوها، أُريد لها أن تكون حركة احتجاجية ووقفة ثابتة وأراد الله لها الحراك والدوام، أُريد لها أن تكون مظاهرة وأراد الله لها أن تكون ظاهرة، أُريد لها أن تكون محلية فأبى الله إلا أن تكون عالمية، كانت نخبوية فأراد الله لها أن تكون شعبية وجماهيرية، كانت دون قيادة فكانت يد الله تعمل لها في الخفاء تمهد وتزرع وتغرس لعز الدنيا وكرامة الآخرة، كانت محددة ومؤقتة بوقت فأراد الله لها الاستمرار والبقاء، كانت للمطالبة ببعض الإصلاح فأراد الله لها التغير الشامل، كانت للمطالبة بمنع التوريث فكانت إذانًا بالتمكين (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6))(القصص).
فورث الثقات وأصحاب الكفاءات أماكن صنع القرار، بينما ورث رموز الفساد أماكنهم في أقبية السجون؛ لتمضي سنن الله الغلابة (قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)) (آل عمران) وما كان هتاف الشعب في أولي لحظات الانتصار (الله وحده أسقط النظام) إلا إرجاعًا للفضل له سبحانه وتعالى (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58))(يونس).
فضله جلَّ وعلا في الانطلاق وتسلسل الأحداث، فضله جلَّ وعلا في سلمية الثورة والدنيا حولنا تشتعل نارًا شرقًا وغربًا، فضله جلَّ وعلا في الغشاوة الملقاة على عقول المتكبرين، فضله جلَّ وعلا في إفساد تخطيط المفسدين (إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81)) (يونس).
ظنوا النجاة في القوة والبطش فكان فيها الضعف والهلاك، ظنوا النجاة في القتل وسفك الدماء فكانت دماء الشهداء والمصابين هي الحافز والوقود المحرك للثورة، ظنوا النجاة في العناد والاستعلاء فكان الشعب أكثر عنادًا وإصرارًا، ظنوا النجاة في أباطيل الإعلام فكانت الحناجر أكثر صدًا من الأبواق، ظنوا النجاة في الانسحاب الأمني فكان فيه دحرهم وتعجيل سقوطهم، ظنوا النجاة في الخطاب العاطفي فكان عقابهم بسوء مكرهم في موقعة الجمل، ظنوا النجاة في إطلاق المجرمين من السجون فإذا بشباب الأمة يحمي حماها دون تخطيط ولا إعداد ولا تنسيق، ظنوا النجاة في تهديد الإخوان والقبض عليهم فكان فضل الله بإطلاق سراحهم وإخوانهم الذين سجنوا ظلمًا وعدوًا سنوات وسنوات، ظنوا النجاة في تشويه الشعب ومحاكمة مَن يتكلم منه عن سوءات المخلوع (في البثِّ التلفزيوني لقناة العربية) فكانت مليونيات المحاكمة والإبعاد من شرم الشيخ، وإذا برموز الفساد في أقفاص الاتهام، ظنوا النجاة في عدم الهروب إما تكبرًا وإما اتفاقًا وإما التفافًا على ثورة الشعب، فكانت المحاكمات مصيرهم، راهنوا على تأخير بناء مؤسسات الدولة فكانت كلمة الشعب في انتخابات شهد لها الداني والقاصي بالنزاهة والشفافية.
وبعد طول عناء وفي الذكرى الأولى لموقعة الجمل تتضافر كل الجهود من فلتان أمني متعمد وتواطؤ واضح من رجال الداخلية، وتأخر مستفز من الجيش والأيادي الخفية التي تلعب في الظلام بضمائر وعقول المحتاجين وأصحاب المصالح ورجال أعمال ورموز النظام البائد والأثر الواضح لأيدي مجرمي سجن طره، فكان الرهان على سفك دماء الأبرياء، وإشعال الفتن من جديد في محاولة يائسة بائسة لخطف الثورة والانحراف بها عن مسارها وأهدافها، وتشاء أقدار الله أن تأتي مأساة بورسعيد كفاجعة كبرى على مرأى ومسمع من العالم، وفي وقت تبوء فيه مجلس الشعب مكانته الحقيقية، فيجعلها الله سببًا لينقلب السحر على الساحر، وتكون هي القشة التي تقسم ظهر البعير، وتنتقم لهذا الشعب من معذبيه وسجانيه، فيتفرق مسجونو طره على سجون الجمهورية، ويقر مشروع قانون محاسبة الوزراء جنائيًّا وسياسيًّا، ولا يسقط بالتقادم، وإجراءات فعلية لتطهير وزارة الداخلية، وتقديم انتخابات رئاسة الجمهورية عن موعدها لاختصار المرحلة الانتقالية، وتعلن لأول مرة أسماء متورطين في الانفلات الأمني عن طريق لجنة تقصي الحقائق بمجلس الشعب، واتخاذ إجراءات لعزل النائب العام ومساءلة المجلس العسكري تحت قبة البرلمان، ويستمر الشعب في بناء دولته ومؤسساته تحوطه رعاية الله وحفظه بما كتب الله لهذا الوطن على مدي الزمان (ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99))(يوسف).
------------------------------