مشهد الترابط بين شباب الثورة في أيامها الأولى بميدان الحرية "التحرير"، كان عنوانه الكبير حب البلد وحب كلُّ من فيها، وبرغم اختلاف الإيديولوجيات غير أن معاني الوطنية كانت كفيلة لصهر كل اختلافات الرؤى والمظهر والجوهر.

 

وكان سر نجاح ثورة الشعب المصري هو شعاره "إيد واحدة"، تارةً تجدها مسلم ومسيحي "إيد واحدة"، الجيش والشعب "إيد واحدة"، الجميع كان يعلي أقصى درجات الوحدة، أما الآن فنجد كثيرًا من إيماءات التخوين وتصريحات الاتهامات سادت وسائل الإعلام، وأصبحت وسيلة رخيصة للظهور الإعلامي، واختلط تحت تأثير أبواق الإعلام الثوري وغير الثوري، فالكل أصبح المتحدث الرسمي باسم الثورة.

 

أقول ذلك بعدما فوجئت مساء الثلاثاء 31 يناير وأنا أشاهد قناة (الجزيرة) مباشر مصر في حلقة حوارية تعليقًا على قيام شباب الإخوان الذين قاموا بتأمين مجلس الشعب بعمل كردون حوله بتعريف مقدم البرنامج أحد الحاضرين بقوله:

"فلان الفلاني" عضو المكتب التنفيذي لاتحاد شباب الثورة!!!

أصابتني الدهشة وفركت عيني مرات ومرات أليس هذا... صديقي مدرس الفرنساوي!!، وأصبت بصدمة شديدة عندما وجدته يتبارى في الحديث عن الثورة، وأنهم هم الثوار الحقيقيون، وأن الإخوان من الممكن أن يكونوا إصلاحيين ولكن ليسوا بثوريين، وأن شباب الإخوان يتحرك بالإشارات ولا يعقل.

 

وأخذ يوزع الاتهامات والتخوين يمينًا ويسارًا، وسبب دهشتي يا سادة أن صديقي هذا كان  ممن تأثروا بالإعلام أيما تأثر في الأيام الأولى للثورة، ولم يخرج من منزله حتى يوم الأربعاء 2 فبراير يوم موقعة الجمل؛ حيث إنني عدت إلى منزلي صباحًا وتحدثت معه أنا وصديق آخر، وحاولنا إزالة الشبهات التي علقت بذهنه عن الثورة والثوار نتيجة ما يبثه الإعلام المصري في ذلك الوقت، وفعلاً اقتنع وجاء معنا إلى الميدان، وما إن وصلنا حتى بدأت الأحداث تشتعل فيما عرف بموقعة الجمل وتفرقنا، وبعد فترة خشيت على صاحبنا أن يكون قد أصابه شيء فاتصلت به فإذا به في المنزل!! ولم يَعُدْ صاحبنا ولو لمرة واحدة للميدان بعد ذلك حتى انتهاء الثورة.

 

آه والله يا سادة هذا ما حدث، والله على ما أقول شهيد، وعند الله تجتمع الخصوم، وأعتقد أن صاحبنا هذا لن يقوى على مواجهتي أو إنكار ذلك أمامي.

 

أفقت من صدمتي وقلت:

لمصلحة مَن إبراز هذه النكرات إعلاميًّا وتصويرهم على أنهم صانعو الثورة، والذي قدَّم فيها كل الشعب الغالي والنفيس؟

 

لمصلحة مَن طمس الحقائق وإهالة التراب على الأبطال الحقيقيين لهذه الثورة، ولا أقصد فصيلاً بعينه؟

 

لمصلحة مَن تأمين الخائن وتخوين الأمين، ومن الذي يدفع ويصنع أمثال هؤلاء ممن لم يعرفوا الميدان ولا أخلاقيات الميدان؟