يلاحظ المنتقل إلى مدينة السادس من أكتوبر وضواحيها، عن طريق نادي الرماية صوب مدينة الفيوم على امتداد الطريق من الجانبين وبداية من البوابة الأولى لحدائق الأهرام، نموًّا سريعًا هائلاً لتلال ومرتفعات المخلفات بأنواعها، ويحدث هذا ليلاً أو نهارًا (وفي عز الظهر)؛ حيث تفرغ سيارات النقل النشطة حمولاتها في المحيط المتاخم.
ولم يسلم من هذا العدوان السافر والهجوم البري الهمجي حتى ذلك التوسع الجديد في طريق الفيوم بداية من تقاطعه مع طريق الواحات صوب الغرب؛ مثلما لم تسلم الجزيرة الوسطى (الخضراء يومًا)، المواجهة لساحة مدخل حديقة الرئيس الحبيس، من هذا الهجوم الهمجي الضاري، و"اللواري" و"المقطورات" و"اللوادر" و"التريللات" بسرعاتها الصاروخية على الطرق.
وهذه المركبات الثقيلة هي التي تصنع اليوم مستقبل مصر وأهلها، وقد أحالت أرضها من جانب إلى حظيرة (في نظرهم)؛ كما أحالتها من جانب آخر إلى غابة ترتع فيها وتعربد وتجري جري الوحوش الضارية، أو جري حُمُر مستنفرة فرَّت من قسورة.
وإذا كان في نية الدولة التحول من ثقافة الصِّياح إلى ثقافة الفلاح، فإن عليها أولاً أن تستأذن نوَّاب الشعب في فرصة لالتقاط الأنفاس، وتكريس وقت الحكومة للعمل النافع بدلاً من إنفاقه في الاستجوابات والتأهب للاستدعاءات، وعندها ربما يمكن مثلاً لوزارة الداخلية أن تنسق مع وزارة البيئة ووزارة النقل وجهاز الخدمة الوطنية بالقوات المسلحة؛ للتصدي لهذه الكارثة الكبرى.
وإذا كانت الثورة قد ورثت مصر بعد أن صارت أكبرَ مقلب قمامة في العالم (وكانت قبل ذلك صاحبة أكبر متنزه طبيعي في الدنيا)، وهو ما يظل عارًا وشنارًا على كل نفس مصرية من الرضيع إلى من "قدمُه والقبر"؛ فإن 13 شهرًا من عمر الثورة لم تسِر بمصر قيدَ أنملة نحو التخلص من ذلك العار، وإنما تركتها تسير صوب ما هو أفدح وأقبح؛ لأن الكل مشغول بالصياح في وجه الكل وتجريم الكل، ثم الكل ينهش في الكل.
ولعل المدخل إلى علاج هذا الوضع المتردي يبدأ بحصر الأنشطة الإنشائية بالمناطق القريبة لبؤر العدوان والمركبات الثقيلة التي تعمل فيها (ولقد لوحظ أن لوحات معظمها مطموسة)، وإلزام هذه الأنشطة بإزالة جميع التعديات، فلا تتحملها ميزانية الدولة؛ ومصادرة أية مركبة منها بلوحات مطموسة، ومن ناحية أخرى يدرس المشرِّعون آلية التحكم في سرعات مركبات النقل الثقيل (عند الترخيص)، وربما أيضًا الإلزام بتثبيت جهاز تسجيل للسرعات؛ مع تشديد العقوبة على محاولات العبث به، ولعل الحركات ذات الأغلبية الشعبية بالبلاد تكون سباقة إلى تنظيم قوافل تنمية تعُم البلاد وتعيد لها بعون الله، وجهَهَا النضير الذي عرفناه قبل ستين عامًا؛ ورجاء التركيز عامة في المفيد!!