صباح يوم 27 فبراير من العام الماضي توفي البروفيسور نجم الدين أربكان عن عمرٍ يناهز الخامسة والثمانين، بعد حياة مليئة بالإنجازات والنجاحات نعيشها، ونرى أثرها في تركيا الآن كدولةٍ لها دور حيوي وفعال في المنطقة.
لقد أخذت إنجازات الأستاذ نجم الدين أربكان اهتمام أقلام كثير من الكتاب والباحثين العرب، خصوصًا الاقتصادية منها وتجربته في حزب الرفاة التي مررنا بذكرى الانقلاب عليه الأسابيع الماضية "28 فبراير 1998م".
والمتابع الجيد للكتابات المختلفة حول نجم الدين أربكان يرى أنها تقتصر حول تاريخ الأحزاب التي أسسها، وما قام به من نهضة صناعية في السبعينيات عندما كان نائبًا لرئيس الوزراء، وتحليلات لمستقبل الأحزاب التي أسسها.
لكن لم يتطرق أحد- إلا القليل- إلى أربكان كمفكرٍ إسلامي أو قائد لحركة إسلامية من "الناحية الفكرية" وديناميكية وبنية الحركة من الناحية النظرية سواء من الطرف العربي أو التركي.
وحتى ما كتب أكثر ما يميل إلى المدح والحماسة ليس إلا.
دراسة وبحث هذا الموضوع له أهمية بمكان، خصوصًا ما يتعلق بأيديولوجية تلك الحركة ومسارها الفكري أولاً لأجل اطلاع العالم الإسلامي على فكر أربكان عن قرب، ومعرفة أيديولوجية الحركة ومقارنتها بالحركات الأخرى في العالم الإسلامي ومقياس نجاح التجربة من عدمها قياسًا مع التجارب الأخرى؛ حيث إن غياب دراسة فكر هذه الحركة يجعل بوصلة تقييم التجربة التركية بأكملها تنحرف عن الحقيقة لأنها مبنية على أسس غير صحيحة، فالأحزاب الأساسية التي أسسها نجم الدين أربكان تنبع من فكرة وليست تجمع بشري للمصالح.
لذلك أخطأ جمع غفير من الكتاب والمحللين في طرحهم وتقييماتهم التحليلية حول الأحداث التي وقعت داخل أحزاب أربكان وأخطئوا كذلك في تقييماتهم حولها؛ لأنهم نظروا لها من منطلق سياسي بحت مبتعدين عن الأساس الفكري للحزب غالب الأحيان.
فيحتاج هذه الأمر البحث المفصل والعميق لاستخراج الدروس المستفادة من هذه التجربة التي إن لم تدرس بحق سوف تلقى بظلالها على الحركات الأخرى في العالم الإسلامي، فيتوجب على مَن عاشوا هذه التجربة أن يسطروها، خصوصًا مع تطور الأحداث في العالم الإسلامي وزيادة المسئولية على الحركات الإسلامية وحاجتها إلى التجديد ووضوح الخطاب.
كان أربكان قبل دخوله عالم السياسة والفكر عالمًا نابغًا في الهندسة ، حصل على أعلى الشهادات أسس المصانع وأوجد أول محرك وأوتوموبيل تركي محلي، تصنع باسمه حتى الآن، فهذا الرجل مثلما كان ناجحًا في حياته الأكاديمية كان ناجحًا في العمل السياسي، فحياته المليئة بالإنجازات والنجاحات المثالية استطاعت أن تجعله قدوة للكثيرين في زمانه.
بعد توجه أربكان للعمل السياسي وتأسيسه حزب النظام 1969م الذي يعتبره المؤرخون الأتراك هو عام انطلاق الحركة التي أسسها أربكان وأطلق عليها حركة "مللي جوروش".
وكلمة "مللي جوروش" تعني باللغة التركية "فكر الأمة"، وتمنع القوانين التركية استخدام كلمة الإسلام بشكل مباشر في المؤسسات والحركات، لذلك أطلقت هكذا ويعني به "ملة إبراهيم حنيفًا" أي الفكر الإسلامي.
تختلف حركة "مللي جوروش" عن الحركات الإسلامية الموجودة في العالم الإسلامي بأنها ليست جماعة أو تنظيمًا بالمفهوم التقليدي المعروف؛ إنما جعلت نفسها سقفًا لكل الجماعات والقطاعات والطرق الصوفية الكثيرة المنتشرة في تركيا، وهذا كان له دور تنويع التكوين الحركي للملي جوروش، ووقوفها علي مستوى واحد من كل القطاعات الموجودة.
لكن على الوجه الأخر هذا كان له أيضًا سلبية من الناحية التربوية والتكونية لأفراد تلك الحركة وكثرة الانقسامات، وهذه في الواقع يحتاج إلى دراسة أخرى متأنية ومقدار نجاح تلك الرؤية من عدمها ومقارناتها مع الحركات الأخرى.
عندما خرجت "مللي جوروش" على الساحة لم تكن ذات "أيديولوجية وبنية نظرية محددة" أو ذات "إستراتيجية وبرنامج واضح"، بل كانت تجمعًا بشريًّا في شكل حزبٍ سياسي ضد النظام الذي كان يحكم في هذا الوقت، ومحاولة لعودة لقيم الأمة التركية وثقافتها؛ حيث إنها تعد "حركة رد فعل اجتماعية"، تطورت بعد ذلك إلى حركة ذات أهداف محددة وواضحة.
تتبلور نظرة "مللي جوروش" في أن هذا العالم قائم على الزيف والظلم، وأنه يحتاج إلى إصلاح وتغيير تغييرًا جذريًّا يخلصه من الظلم والقهر، وأن هناك قوى عالمية "إمبريالية وصهيونية" تتحكم في مقدرات هذا العالم وتظلم الشعوب وتستعبدها.
يربط أربكان كل هذه الأوضاع المتردية للعالم بأن الإنسانية قد ابتعدت عن المنهج القويم الذي أنزله الله للبشر وعن القيم المعنوية وارتباطهم بالمادية التي قضت على البشر واستعبدتهم.
فعمل أربكان على بلورة رؤية وفكر ووعى جديد يتناسب مع الواقع، فكثيرًا ما تحدث عن خطط الصهيونية العالمية، والإمبريالية العنصرية، وتصدي كثيرًا لعمليات تزوير التاريخ، وطالب بضرورة اعتلاء الحق، وضرورة إيجاد عالم جديد يطبق هذا الحق، ولم يتوقف يومًا عن دفع فاتورة ذلك بالعمل والتضحية بالذات.
وفي ظلال تلك النظرية التي تحرك منها أربكان وضع لحركته القواعد والأسس التي تتخذها في فكرها المرتبط بالإسلام، ودائمًا ما أكد أهمية هذه الأسس التي ستساعد على إكمال الطريق واعتلاء فكرتهم التي يؤمنون بها.
أربكان كان يرى أن الواقع السياسي التركي بيئة لاستغلال والكذب وخداع الشعب، وأن السياسيون استغلوا فراغ السلطة وخدعوا الشعوب وواجهوا العادات والأعراف واتخذوا منهج والفكر الغربي المستغل للإنسانية، والذي لبس لباس المعصوم الذي يريد الإصلاح، وأن الأيديولوجية التي يمثلها تستند إلى الفساد والإسراف والمادية تلك التي تستند إلى فلسفة غير عاقلة، وقامت على الدعوى الكاذبة والجنون المستهلك لعقول البشر.
فمن هنا يرى أربكان أن الدعوة التي يحملها في إصلاح الواقع والإنسان هي دعوة "الاعتلاء بالحق"، وتلك الدعوة ليست بالأمر السهل، فالإنسانية قد انحدرت وانحنت تحت القوى الغاصبة، وأصبح الناس يغيرون أصولهم، ويتنازلون عن ثوابتهم.
ودعا إلى ريادة قوة الروحانيات وعُلو الأخلاق، وأن العمل في الطريق يحتاج إلى مواصفات خاصة للتربية النفيسة والأخلاقيات العالية، فبدون هذه الأخلاقيات لن يكن هناك شخصًا يحمل تلك الدعوة بحقها.
ولأجل معرفة مللي جوروش جيدًا يجب النظر إلى الحقيقة الإيمانية ليس فقط بالقلب أو بالعقل؛ بل معًا، فهناك ثلاث أعمدة أساسية رئيسية لها وهي: المعنويات، اعتلاء الحق، تربية النفس.
تتلخص أسس الحركة في النقاط التالية:
كيمياء مللي جوروش
المعنويات
فأساس العمل في الحركة هو الارتباط بالله عز وجل، والعمل ليس للدنيا بل للآخرة، فهي جهاد وعمل.
فتُعتبر السياسة هي أداة من أدوات الحركة فهي تستخدم السياسة كأداة للعمل لخدمة الإسلام.
فكرة اعتلاء بالحق
المدخل الأساسي بهذه النقطة هي "قضية الصراع بين الحق والباطل" وحركة مللي جوروش تتمسك بفكر وقيم الأمة؛ ذلك الصراع الذي بدأ منذ "قصة قابيل وهابيل"، فبعد أن قتل قابيل هابيل؛ وارتبكت أول جريمة وجناية على وجه الأرض، ومن هنا بدا الصراع بين الحق والباطل.
تربية النفس
التربية الحقيقية والمحاسبة المتواصلة شيء آخر يظهر في الشعارات الأساسية للملي جوروش، والذي يأخذ مكانًا مهمًّا داخل شخصية الأخ المسلم؛ حيث يلزم التسليم بأوامر الله عز وجل ويجب محاسبة النفس دائمًا؛ حيث الخوف مما سيأتي غدًا والخوف من شكل الحساب يعني أن نعد النفس ليوم القيامة.
وهذه الثقافة لا بد أن تكون موجودةً لأجل استقامة حقيقية واستسلام ثابت، فطبيعة هذه الدنيا أنها تقبل قاعدة الفراغ، لهذا يجب أن نملأ هذا الفراغ فإن لم يملا بالخير مُلئ بالشر.
ويقول أربكان إن الذي يحافظ على تلك الأسس يهبه الله تلك النعم، وهي فيزياء مللي جوروش:-
فيزياء مللي جوروش
الهداية: وحسب قول أربكان في خطاباته وكتاباته فيقصد بالهداية:- أن يستطيع ألمسلم أن رؤية الحق والباطل.
الفراسة: هي التمكن من الفصل بين الحق والباطل، وهل أنا بعملي أخدم الحق أم الباطل.
الدراية: وهي تتمكن من الدفاع عن الشيء الذي تؤمن به إلى آخر لحظة، والذي تؤمن به هو الحق، والذي تعمل هو الخير.
وباختصار هؤلاء الثلاثة هم:
الشخص العاقل (الهادية) صاحب إيمان (الفراسة) أن يكون صادق وصابر (الدراية)
ويقول أربكان الشخص الذي يمتلك تلك الهوية يستطيع أن يؤسس حضارة.
هذه هي الناحية النظرية أو التربوية لمللي جوروش، أما من الناحية العملية أو ما تريد أن تحققه الحركة هو تأسيس نظام عادل هذا النظام العادل يخلق عالمًا جديدًا يُوفِّر السعادة للإنسانية.
فتبتعد مللي جوروش في طرحها عن التسميات والمصطلحات اليمينية واليسارية في السياسية التركية، وعلاوة على ذلك فهي مختلفة عن جميع الحركات السياسية الأخرى؛ حيث توجد لها خطط عامة وقطرية محددة، وهذه الأهداف ليست مقتصرة فقط على تركيا بل توجد غاية كبرى وهي (عالم جديد) لتتحقق شمائل الإنسان القدوة.
أ- النظام العادل:
يشرح نجم الدين أربكان في إحدى مؤتمراته ما عليه العالم الآن من وضع اقتصادي وسياسي، وتبديل النظام العالمي من الشيوعية بعد إفلاسها إلى الأخ التوأم لها، وهي الرأس المالية ويوضح ما جلبته للإنسانية من مصائب ومخاطر.
يرى كذلك نجم الدين أربكان أن النظام العالمي الآن قد أفلس وهذا كان يعطيه بالأرقام والإحصائيات. وأنه هناك حاجة ماسة للإسلام.
يوضح أربكان رؤيته في أن الحضارة الغربية أنها قامت على مفهوم "القوة" وليس مفهوم "الحق"، وهذه العقلية هي عقلية الفراعنة والحضارات القديمة التي تظلم الناس ليس من منطلق الظلم بل من منطلق أنه من حقهم فعله.
فمفهوم "الحق" الذي منحه الله لجميع البشر يحمي الحقوق الأساسية للإنسان، في حق الحياة، وحماية الأجيال، وحق الملكية، وحق حفظ العقل، وحق التدين.
وانطلاقًا من هذا فإنه يجب على الإنسانية أن تتحد لأن تؤسس نظامًا عادلاً يحفظ الحقوق ويجلب السعادة والعدل للبشر، هذا النظام الاقتصادي العادل له عدة أسس ومحاور.
ب – العالم الجديد
الأساس الثالث من أسس مللي جوروش، وهي من أجل تأسيس "عالم جديد"، وهو عودة العالم للحق والإسلام.
يقوم العالم الجديد على أسس وضعها أربكان في ميثاق اتحاد الدول الثماني الاقتصادية الذي أسسه عندما كان رئيسا للوزراء في 1998 حيث :-
ليس الحرب؛ بل السلام ، ليس الصراع؛ بل الحوار، ليس الازدواجية، بل العدالة، ليس الاستعمار، بل التعاون، ليس التكبر، بل المساواة ، ليس القهر والظلم، بل حقوق الإنسان والديمقراطية.
واتحاد العالم الإسلامي ومن ثم تشكيل :-
أمم متحدة للأقطار الإسلامية، سوق إسلامية مشتركة، إنشاء عملة إسلامية واحدة (الدينار الإسلامي)، إنشاء قوة عسكرية تدافع عن العالم الإسلامي (قوات الدفاع الإسلامية المشتركة)، إنشاء مؤسسات ثقافية تبني الوحدة الثقافية والفكرية القائمة أساسًا على الإسلام.
كينونة مللي جوروش
كما ذكرت أن أربكان عندما توجه للعمل السياسي لم يكن هناك وجود فعلي للحركة، بل تكونت بعد ذلك بالتعاون مع الشخصيات العامة السياسية، والذين عاهدوا أربكان على التعاون في فكره وتشكيل المؤسسات لتحقيق الأهداف.
منذ تبلور فكرة الحركة وأفكارها عمل أربكان على تأسيس عدة مؤسسات كي يتم من خلالها تسيير الشباب وإشغالهم، فيما يفيد المجتمع تأتي على رأيها "الحزب"، وبعدها المؤسسة الشبابية التي تهتم بطلاب الجامعات والقطاع الشبابي، ثم المؤسسات المتخصصة، ويليها المؤسسات الاقتصادية، ومؤسسات الإغاثية، ومؤسسات التنمية المجتمعية إلخ.
--------------------
* ناشط وباحث مصري