أجمع صحفيون وقيادات نقابية على أهمية تطهير المؤسسات الصحفية القومية من الفساد وجذوره المتبقية من عهد النظام البائد لبداية إحداث نقلة وإصلاح حقيقي فيها، كخطوة أولى تسبق تطويرها وتفعيلها.
وأوضح صلاح عبد المقصود "نقيب الصحفيين السابق بالإنابة" خلال صالون إحسان عبد القدوس الذي عُقد بنقابة الصحفيين مساء أمس، أن اختيار موضوع الصالون بشكل يتواكب مع حالة الحراك التي يشهدها ملف المؤسسات القومية يعد إيجابية كبرى ومواكبة للأحداث، خاصة وأن نقابة الصحفيين تبنت سلسلة حوارات للتشاور مع قيادات تلك المؤسسات، مشيرا إلى أن مجلس الشورى تعجل في إعلان وتحديد موعد التغييرات الصحفية، إلا أنه استدرك ذلك بدعوة ممثلي النقابة للقائه ومشاورتهم الأمر في سابقة جيدة.
وأشار إلى أن محمد عبد القدوس يعد حزبًا بمفرده، حيث إنه طالما ناضل في وقفاته وندواته وأنشطته المختلفة من أجل المساهمة في الإصلاح والتغيير قبل الثورة.
وقال عبد المحسن سلامة وكيل النقابة السابق والعضو المنتخب بمجلس إدارة (الأهرام) إن هذه مبادرة الإصلاح لتلك المؤسسات بدأت وتحتاج لجهدٍ كبير، خاصةً أن سوق الصحافة واعد، مؤكدًا أن أزمة بعض الصحف القومية هي أزمة إدارة؛ لأن بعضها يربح بشكلٍ جيدٍ وحصلت على حصةٍ كبيرةٍ من الإعلانات.
ولمعالجة الأزمة، رأى سلامة أن مؤسسة (الأهرام) على سبيل المثال كانت عليها ديون إلا أنه في 2005م مع تغيير رؤساء مجالس الإدارات تم الاتفاق على تجميد الديون التي للدولة على تلك المؤسسات، وتحملها فقط للديون البنكية، وكانت نسبة ديون المؤسسة مليار و 3, ديون حكومية، ومليار و2, ديون بنوك وموردين مع وجود خسائر في الموازنة، أما الآن بعد خطة الإنقاذ وإسقاط الديون الحكومية ليس علينا أي ديون مستحقة؛ لأن الإدارة اهتمت بحل المشكلة وسوَّت الديون مع الحكومة، وجدولت ديونها للبنوك والموردين، منوهًا إلى أن آثار الثورة والركود الاقتصادي أثَّرت على أرباح تلك المؤسسات.
وتابع أنه كان من الممكن دمج المؤسسات الصغيرة المتعثرة في مؤسسة واحدة والتصرف في أصولهم لتوفير أساسيات ممارسة المهنة، أو الدمج بين الكيانات الضعيفة لتقويتها، لكن الإدارة هي المشكلة ما يستدعي احتياجنا لمرحلة زمنية مؤقتة للفصل بين أهل الثقة وأهل الخبرة والاستعداد لبنية العمل المؤسسي، وتعديل قانون 96 لسنة 96 لتغيير نمط الملكية.
ودعا لإتباع حلول متوازية، بحيث تتحمل كل مؤسسة مسئوليتها، حيث اتفق مع نمط الملكية العامة بشكل جديد ولتكن شركات قابضة وملكية عامة بأسهم مغلقة غير قابلة للتداول في البورصة ولا تورث، ويكون مجلس إدارتها وجمعياتها العمومية تكون بكاملها بالانتخاب، ويشترط ألا تزيد مدة القيادة عن دورتين كل منهما 3 سنوات، مع اتحاد الجميع لوضع رؤية عاجلة؛ لأن الصحافة القومية هي رمانة الميزان للدولة المصرية.
وأكد صلاح عيسى الأمين العام المساعد للمجلس الأعلى للصحافة، أن الإمبراطورية الإعلامية التي تملكها الحكومة من 8 مؤسسات صحفية قومية يصدر عنها 48 إصدار وتضم 24 ألف صحفي وإداري وعامل وبدأ تأسيسها في 24 مايو 1968، وفي سنة 1980 مع صدور قانون سلطة الصحافة ظهر تعبير "المؤسسات الصحفية القومية".
وأضاف أن المؤتمر العام الثالث للصحفيين في 1996 اقترح أن يوظف القانون تلك المؤسسات بأن تتحول لساحة للحوار بين التيارات والاتجاهات، بعد الاستناد للكفاءة والمهنية، وتجميد عضوية قياداتها في الأحزاب المنتمي إليه، في خطوة لتحرر الصحفي بعد كشف أحمد بهاء الدين وقتها عن عقد شفهي بين الحكومات و مسئولي الصحف القومية لغض الطرف الحكومي عنها وعن الفساد المالي والإداري مقابل الولاء الكامل للنظام.
وأضاف أن تلك المجموعة من القيادات سلمت بشكل كامل للنظام واعتمدت على منطق طلب إعفاء المؤسسات من الضرائب، إلى أن تراكم الفساد بداخلها، وأصبح الوضع الآن أبشع مما يمكن تخيله؛ فمن بين 8 مؤسسات هناك مؤسستين فقط (الأهرام والأخبار) فقط المتوازنتين، والباقي منهار اقتصاديًّا لانهيار الموارد الإعلانية وعدم وجود تمويل.
وحول مستقبل تلك المؤسسات قال عيسى إنه في المجتمع الحر لا توجد صحف تملكها الحكومة؛ لأن الإعلام الحر هو المستقل عن الدولة، وهناك أكثر من بعد يجب مراعاته لدى بدء تطهير تلك المؤسسات وهم: حاجة الجمهور لإعلام خدمي، ووضع العاملين والصحفيين بها.
وأشار إلى أن مقترحات بيع أو خصخصة تلك المؤسسات تنطوي على 3 أخطار منها أن بعض تلك المؤسسات جزء من معالم البلد، كما أن خصخصتها ونقل ملكيتها يعني التخلص من العمالة بها سواء صحفيين أو عمالاً، ورغم العلم بأن هناك بطالةً مقنعةً وكثافةً في الخريجين إلا أن الدولة لم تفتح صحفًا خاصةً، وإنما زادت من عدد إصدارات المؤسسات القومية.
وتساءل: "مَن الذي نضع في يده هذه الأمور؟"، ففي الحكومة الأخيرة قبل الثورة هناك اتجاهان أحدهما تبناه بطرس غالي للدعوة لبيعها وخصخصتها للحصول على أصولها، والاتجاه الثاني كان متمثلا في "مبارك" الذي رفض بيع تلك الأصول.
وأضاف: الآن علينا أن نبحث عن حلول، فالبعض نشر ان حزب الأغلبية يريد بيع تلك المؤسسات، ولكننا طالبنا بالتريث لأننا نحتاج لخطوات تدريجية لإنقاذ تلك المؤسسات أولاً من الخسائر التي تراوحت بين 7 إلى 12 مليار جنيه، والدولة لم يكن لديها تصور واضح للتعامل مع هذا الأمر.
واقترح في سبيل ذلك أن تعمل تلك المؤسسات 10 سنوات في إطار الملكية العامة للدولة بشرط الفصل بين الملكية والإدارة والتحرير، وقياداتها يُختارون بدقة، ويتم تجميد عضويتهم الحزبية، وبعدها وبشكل تدريجي تتحول لشركة قابضة يتملك نصفها المحررون والنصف الآخر يطرح في البورصة.
وأكد أن هناك مؤسسات توشك على الانهيار مثل "دار الهلال" و"روز اليوسف"، وعلينا أن نبحث عن البدائل الأكثر ملائمة ونتفق عليها ثم نطرحها على الحكومة، فجميع تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات عن فساد تلك المؤسسات كانت تقدم لمجلس الشورى في عهد صفوت الشريف فتوضع في الأدراج رغم أن بها حقائق مفزعة.
ولفت أنه ليس المهم فقط هو كشف الفساد، ولكن أن نسد الثغرات التي يأتي منها الفساد وإعادة المنظومة بحيث لا نسمح لصحفي بالتذيل للسلطة، ورغم موافقته على إصدارات جديدة مؤخرًا إلا أنه أبدى خشيته من تعيين الكثير من الصحفيين ثم نُفاجأ بغلق هذه المؤسسات ما يتسبب في بطالة الكثيرين نتيجة تعطل المؤسسات.
وفيما يخص دمج المؤسسات الصحفية قال إنه من الناحية العقلانية منطقي، ولكنه شيء خطير إذا لم ينفذ بترشيد مثلما حدث منذ عامين، فمن رفعوا قضية ضد الدمج نظروا لزملائهم من الإصدارات المتعثرة كـ"المسائية والتعاون" بتعالٍ شديد، ففكرة الدمج لا بد أن تكون موجودة، ولكن يتم استخدامها بشكل جيد خاصة للمؤسسات التي لا أمل فيها، ويفضل أن يتم الدمج في المؤسسات التاريخية، أما المؤسسات الحديثة التي لا أمل فيها يفضل توقفها.
وكشف أن مؤسستي (أخبار اليوم) و(الأهرام) خسرتا بسبب الدمج 17 مليون جنيه في عام واحد، داعيًا لبدء لحلقات بحث بمعلومات صحفية لوضع برنامج متدرج ومنظم للتصرف في تلك التركة من الإعلام.
وأشار محمد الشافعي أحد قيادات مؤسسة (دار الهلال) إلى أن التعثر المالي يؤرق تلك المؤسسات، فدار الهلال عمرها 120 سنة ولكنها غارقة في الديون، وطرح الشافعي خطة لإنقاذ المؤسسات المتعثرة عن طريق إسقاط ديونها لبنكي "مصر، الاستثمار"، وكذلك الضرائب والفوائد على أصل الدين والتأمينات، مطالبًا الدولة بالعمل على إسقاط تلك الديون من على كاهل تلك المؤسسات، فالمطابع أصبحت متهالكة، ويجب علينا بحث كيفية إعادة تأهيلها وهيكلتها، والعمال يتقاضوا أجر 11 ساعة وهم يعملون 3 ساعات فقط ما يعد إهدارًا في الموارد ويستلزم تشريع "الأجر مقابل العمل الفعلي".
وأشار إلى أن الاعلانات الإدارية "الحكومية" لو وزعت على المؤسسات بشكل عادل سوف تدعم دخل تلك المؤسسات، ولكن يتم حصرها في المؤسسات الكبيرة فقط، وإذا تم حل مشكلة المطابع نستطيع التنسيق مع وزارة التربية والعليم لطبع كتبها، كما أن هناك صحفيين يعلمون في مؤسستين ويتقاضون رواتبهم وعلاجهم؛ ولذا طالب النقابة بالتدخل لتنقيح ومتابعة ذلك لتوفير تمويل لتلك المؤسسات.
وقال: لو عرضنا أرشيف تلك المؤسسات للبيع سوف يُوفِّر ميزانيةً مهولةً، فمكتبة الإسكندرية سطت على أرشيف "دار الهلال" بالمجان رغم أنه يساوي ملايين، مشيرًا إلى أن الدمج يعد ضمًا معيبًا؛ لأنه ضمَّ الصحفيين ولم يضم الأصول، بمعنى أنه ضم التكلفة وترك الرفاهية، داعيًا المجلس الأعلى للصحافة والنقابة لمخاطبة الدولة وإلغاء الديون حتى تصبح الأزمة قابلة للإنقاذ.
وأشار محمد عبد القدوس مقرر لجنة الحريات وعضو مجلس النقابة، إلى أن الثورة بدأت تطرق أبواب الصحافة، ولم يحدث منذ بداية تاريخ المهنة أن استعانت السلطات التشريعية بنقابة الصحفيين في اختيار قيادات المؤسسات الصحفية القومية مثلما طرح مجلس الشورى مؤخرًا.
وانتقد طريقة اختيار القيادات في عهد الرؤساء الثلاثة السابقين جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك، بالإضافة للمجلس العسكري، واتهمهم بالاعتماد على تقارير أمنية في اختيار قيادات المؤسسات.
وأوضح خليل رشاد مستشار تحرير وكالة (أنباء الشرق الأوسط) أن المؤسسات القومية ليس لها من اسمها نصيب؛ فهي ليست مؤسسات ولا صحفية ولا قومية وتسميتها حاليًّا بهذا الاسم هو إطلاق "مصطلح تجميلي فاقد للمعنى".
ودعا كارم يحيى أحد صحفيي (الأهرام) إلى تحويل النقاش حول المؤسسات الصحفية لنقاش مجتمعي، وتساءل: هل توجد إرادة سياسية للتغيير أم لا؟.
وقال إنه على حزب "الحرية والعدالة" إدراك أن الأمل معقود عليه أن يكون مثل الأحزاب التركية في محاربة الفساد في المؤسسات الصحفية، خاصةً أن إعادة إنتاج المجلس الأعلى للصحافة ومجلس الشورى يزيد الريبة، مطالبًا بفتح ملفات ديون وهدايا وفساد وتربح القيادات السابقة.