فيلم "عريس لقطة" نموذج عملي وواقعي للعمل دون كلام كثير أو تنظير حول أهمية السينما وما يمكن أن تقدمه من رسالة اجتماعية وقومية ناهضة.
فقد قام فريق من الشباب المبدعين بإنزال حلم السينما النظيفة من علياء الأفكار التي تتهيَّب أن تلامس الأرض وتتنفس هواء حقيقيًّا، لتكون واقعًا نشاهده بأعيننا ونضحك من قلوبنا على المواقف الكوميدية التي تمت صياغتها ببساطة وفنية عالية.
واللافت في هذا الفيلم هو اتحاد فريق "فكرة"؛ ذلك الكيان الذي يضمُّ نخبةً من الشباب الفنانين الذين ينتمي أغلبهم إلى الإخوان المسلمين، ويبدو ذلك من نكهة ما قدموه من أفلام سابقة تتسم بسعة الأفق والاحتفاء بتآزر الشكل والمضمون، وهو اتجاه في الفن لا يقدر عليه إلا فنان واعٍ، يملك أداة الفن ويملك رؤية صاحب القضية.
الفيلم أنتجه شباب مغامرون لا يملكون غير مواهبهم وإيمانهم برسالة الفن، وشاركهم الإنتاج فنان راسخ له تجارب سابقة في إحياء المسرح الإخواني في فترة التسعينيات من القرن الماضي، مع نخبة من نجوم هذه المرحلة، ويحسب لهم أنهم قدموا نماذج من الأعمال المسرحية الناجحة، أعطت الفن القيمي مصداقيةً، وقرَّبته للتصور العام، وأخرجته من مجرد الأفكار النظرية إلى إطار الممارسة العملية.
هذا الفنان هو الأستاذ أحمد الريدي صاحب مشروع بصمة بلون مختلف، والذي ينطلق فيه من إمكانية التعبير الفني الراقي الذي لا يصادم قيم المجتمع ولا يتخلى عن شروط المتعة الفنية.
ويعد فيلم "عريس لقطة" (إنتاج فريق "فكرة" بالاشتراك مع أحمد الريدي) أول فيلم سينمائي بالمعنى القريب من الشكل المتكامل للفيلم السينمائي؛ حيث تقترب مدته من الساعة، وهو بذلك يتجاوز مرحلة الأفلام القصيرة- على أهميتها الشديدة- ويتجه نحو الفيلم الروائي الطويل.
والتجربة جديرة بالتوقف أمامها، بل والتأريخ لها؛ لأن هذا الفيلم سيكون له ما بعده، وسيحسب للمخرج الفنان أبو المكارم العريبي؛ أنه أول من قدم فيلمًا متكاملاً ليكون نقطة الانطلاق على طريق السينما النظيفة المنافسة.
الفيلم يعالج الصعوبات التي تواجه الشباب على طريق الزواج، وما يضطر بعضهم لتبرير اللصوصية، حين تتفق العروسة "فاطمة علاء الدين" مع أحد الشباب على الزواج دون الرجوع إلى أهلها برغم علمها أنه "حرامي".
وحين يذهب العريس "جهاد أبو العينين" إلى أهل العروسة يدور حوار منطقي كوميدي بينه وبين والد العروسة "الدكتور سامي عبد الحليم" يتمكن فيه العريس من إقناعه بأنه "حرامي" وأنه الأفضل لابنته!، ليس هذا فحسب بل إنه نجح في إقناعه أنه لو انتظر أن يأتي لابنته رجل شريف فلا يحلم أن يأتيها رجل قبل الخمسين، وهو العمر الطبيعي لمن أراد أن يُكوّن نفسه من المال الحلال، كما يريد والد العروسة، في ظل البطالة وتدني الرواتب التي يعاني منها الشباب.
يقتنع الأب بفكرة العريس الداهية الذي ساق تبريراته في قالب كوميدي، وبعد أن اعترض ورفض الفكرة في البداية، وجدنا والد العروسة يسأل: هو أنت حرامي قوي؟!
يتفاهم الأب مع اللص وتُعلن الخطوبة، ويبدأ الأب في تبنِّي وجهة نظر الحرامي، حين يخفي حقيقته عن جارهم ضابط الشرطة "أحمد الريدي"؛ لئلا يفلت العريس اللقطة.
وبعد أن كان الأب معترضًا على سلوك ابنه الصغير "خالد جلشاني" حين كان يتحدث عن قرصنة البنوك بدأ يسأله عن كيفية الدخول على مواقع هذه البنوك وتحويل الأموال منها!.
يتوافق الجميع على قبول العريس "الحرامي"، بمن فيهم الجارة الفضولية الكركتر "سماح إبراهيم" التي تقتحم عليهم بيتهم لرؤية العريس أو معرفة ما يدور، برغم جملها القصيرة جدًّا، لكن حركتها واقتحامها البيت من وقت لآخر يشير إلى أنها تفهم ما يدور وتوافق عليه أيضًا!.
ويدخل الأب في دوامة الصراع، وكلما دخلت عليه زوجته "نور" وجدته مهمومًا يحدث نفسه، ويحاول إيجاد المبررات، لكن يقظة ضميره كانت حاجزًا كبيرًا عن استرساله في هذه الفكرة، وينتهي الفيلم بخروجه للبلكونة والنظر في الأفق المظلم المغلق أمامه، وهو توظيف بالغ الدلالة نجح المخرج في استثماره دون تكلف.
وبعد حوار بين الزوج والزوجة يصدر والد العروسة قراره بعدم دخول العريس إذا جاء، ورفض هذه الزيجة التي تعصف بمستقبل ابنته وتُغضب الله تعالى، ويقرر أن يعيشها بالحلال وبما يرضي الله.
تبدو فكرة الفيلم مبتكرة؛ إذ إن موافقة العروسة ووالدها وأمها التي لم تبدِ رفضًا على هذا العريس اللص؛ تعد من مفارقات السياق؛ فالسياق المألوف أن تثور البنت أو يثور أبوها أو أمها أو أخوها الصغير الذي لم يخش معايرة زملائه له.
هذه المفارقة في السياق جعلتنا كمشاهدين على مسافة من الحدث، ولم نكن جزءًا منه كما يحدث غالبًا في الأعمال الدرامية حين ننحاز لطرف ضد طرف، بل إننا كنا محايدين، نضحك من عبثية الفكرة، وكان هناك صوت في اللا وعي يرفض هذه اللعبة وهذه المساومة التي تمارسها الأسرة كاملةً ضد نفسها وضد المشاهد أيضًا!.
الفيلم قصة أحمد أبو هيبة، سيناريو وحوار أشرف يحيى، إخراج أبو المكارم العريبي، وبطولة الدكتور سامي عبد الحليم، وجهاد أبو العينين، أحمد الريدي، والفنانات: نور، فاطمة علاء الدين، سماح إبراهيم، والشاب خالد جلشاني.
---------------------
* كاتب مسرحي ومؤسس جمعية المسرح المستقل- gmtmm2011@gmail.com