1: مدخل في شرعية السؤال
كان مما تواتر في التاريخ وتناقلته الصحف على امتداد الزمان وصف الذكر الحكيم بأنه كتاب لا يخلق على كثرة الرد، وربما صح أن يُفهم في أصول التفسير على هامش هذا الوصف الجامع اتساع حدود مرونة النص الكريم، واكتنازه بما لا يتصور من الدلالة والحكمة معًا.
وهو الفهم الذي يؤازره تشجيع نفر من جيل الصحابة، ومن بعدهم أجيال التابعين في مثل القول الذي يقول: "إلا رجلاً آتاه الله فهمًا في كتابه"، وهي مظلة ترقي بأصحاب النظر في كتابه الكريم إلى منطقة مائزة يحوطها التكريم والحفاوة؛ حتى كان ابن حنبل رحمه الله تعالى فيما أخرجه البيهقي في كتابه مناقب الشافعي شديد الحفاوة بعمل عقل الإمام الشافعي على حداثة سنه في كتاب الله تعالى.
وبما يشبه القاعدة في أصول التفسير صك ابن عباس رضي الله عنهما قولته الذائعة الصيت: "القرآن يفسره الزمان"، و هو ما يعني أن لكل زمانٍ مطالبه التي يوفيها النص حقها مع دوام النظر، والفحص والتفتيش في الذكر الحكيم.
وفي سبيل التمهيد للإجابة عن السؤال الذي تقدَّم في عنوان هذا المقال بالإيجاب يحسن بنا أن نسوق الملاحظات التالية:
أولاً: ظهرت ملامح العناية بتفسير الذكر الحكيم ابتداءً بما جمعه علماء الحديث النبوي الشريف من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي فسَّر فيها عددًا من آيات الذكر الحكيم، وهو ما تجلَّى في أبواب التفسير في كتب الصحاح على ما يظهر مثل له في صحيح الإمام البخاري رضي الله عنه.
ثانيًا: سرعة ظهور تيارٍ واسعٍ بين الصحابة والتابعين يرعى تفسير القرآن الكريم بغير طريقه رواية الآثار النبوية الكريمة، بمعنى أن عددًا من الصحابة والتابعين اجتهدوا في مواجهة الذكر الحكيم بهدف تفسيره وبيانه، ولعل المحاولات المتقدمة على يد ابن عباس رضي الله عنهما فيما عُرِفَ تاريخًا بسؤالات نافع بن الأزرق لابن عباس التي تأسست على إعادة استثمار الشعر العربي الجاهلي القديم، بما هو أساس ودليل وشاهد على صحة ما فسَّره الصحابي الجليل، وهو نوعٌ من أنواع التفسير المخالف بدرجةٍ من الدرجات لمدرسة رواية الآثار النبوية في الميدان نفسه.
ولم يكن مجهود ابن عباس رضي الله عنهما فذًّا وفريدًا في هذا السياق؛ ذلك أن جهودًا أخرى ظهرت في السياق الزمني نفسه من أمثال جهود أبي الدرداء، وابن مسعود، ومجاهد التفسيرية، مع وجود بوادر قليلة التأويل القرآن الكريم، فيما رُوي في سياق التدليل على منزلة ابن عباس في تفسير القرآن الكريم.
ثالثًا: اتساع تيارات التفسير بالرأي المحمود، وهو اتجاه مخالف لمدرسة المرويات التفسيرية، التي عُرفت منهجيًّا بمدرسة التفسير بالمأثور، وقد اندرج تحت هذه المدرسة التي فسَّرت القرآن بالرأي مجموعة كبيرة من المدارس الفرعية من مثل
أ- مدرسة التفسير الفقهي (تفاسير الأحكام).
ب- مدرسة التفسير اللغوي والنحوي (تفاسير معاني القرآن).
جـ- مدرسة التفسير البلاغي أو الإعجازي.
د- مدرسة التفسير العلمي (وهي مدرسة قديمة في التراث التفسيري عند المسلمين).
هـ- مدرسة التفسير الحركي (وهو اصطلاح صككناه؛ بما لاحظنا من تأمل تفسير الأستاذ/ سيد قطب رحمه: (في ظلال القرآن).
وقبول الأمة بهذه المدارس الفرعية على امتداد تاريخ العناية بتفسير القرآن الكريم دليل حاسم على الإيمان بضرورة تجديد التفسير للذكر الحكيم جيلاً بعد جيل.
رابعًا- الإيمان بأن القرآن هو الكتاب الخاتم يبعث على و جوب تجديد النظر فيه للوفاء بمتطلبات الأمة التي تتجدد من عصر لآخر.
هذه العلامات الأربعة السابقة تشير من طرفٍ غير خفي إلى أن ثمة اتجاهًا ظاهرًا يقرر أن الأمة أجابت على السؤال المتقدم عنوانًا لهذه المقالة بالإيجاب بما كانت تُفجِّره من مدارس واجتهادات في جانب تفسير الذكر الحكيم.
2
من التفسير الحركي إلى التفسير الحضاري
(السير في اتجاه مطالب العصر) إن فحص بعض جوانب المنجز التفسير للقرآن الكريم في العصر الحديث أو نعيينا في القرن الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي يقود إلى أن ظهور (في ظلال القرآن) تعيينًا، وبعض اجتهادات أبي الأعلى المودودي، وسعيد النورسي، وفتح الله كولن في (أضواء قرآنية) يمثل ظهورًا لا يخفى لما يمكن أن يُسمَّى بمدرسة التفسير الحركي؛ ويقصد به تفسير النص القرآني الكريم بما هو نص كبرى غاياته ضبط حركة الجماعة المسلمة، وهو التعبير المعاصر لغاية الهداية التي تنوع التعبير عنها في الذكر الحكيم، بما هي غاية حاكمة لنزوله، وهو ما يظهر في أمثال قوله تعالى:
} - ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) {(البقرة)
-} شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ{( البقرة: من الآية 185)
-} وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ{ (النحل: من الآية 89).
-} تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ (1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2){ (النمل)، إلى غير ذلك مما هو مبثوث في الذكر الحكيم.
وإذا كان تفسير (في ظلال القرآن) وما ظهره بجواره من محاولات أقل اكتمالاً منه أسهمت في نضج الحركة الإسلامية في العصر الحديث، وما تزال تمارس هذه الجهود التفسيرية الحركية تأثيرها في إلهام أبناء هذه الحركة- فإن طبيعة المرحلة التي تطيف بالأمة المسلمة اليوم في مركزها العربي وما بدأ يظهر من علامات الوعي والإفاقة في هذا المحيط يفرض علينا معاودة النظر في الكتاب الحكيم من زاوية جديدة توائم متطلبات هذا العصر الجديد، ولعل مطالب هذه اللحظة تفرض افتتاح باب جديد نفسر فيه الذكر الكريم تفسيرًا حضاريًّا بما يرعي مراد الله تعالى في أن تكون الأمة المسلمة قائمةً بواجبها في الحياة، بما هي الأمة المهيمنة، والأمة (العليا) التي تستخدم علوها من خبرتها وإيمانها، ولا سيما في ظلِّ ما يُعرف عن معاني القرآن الكريم من أنها متزاحمة وليست متخاصمة.
إن مفهوم الحضارة بما هو مواجهة الحياة بكل إيجابية، وبكل ما من شأنه قهر التوحش والهمجية والجفوة، مراد ظاهر من مرادات الإسلام، وغاياته العظمي، وقد صح أن القرآن الكريم ضد كل ما هو سلبي والحضارة التي ينشدها هي الحركة في الحياة بإيجابية تامة.
إن الدعوة إلى تفسير القرآن الكريم تفسيرًا حضاريًّا مطلب ملح، ولا سيما أننا ما زلنا نعيش أجواء قرون مظلمة أصبح فيها العالم الإسلامي "مهددًا بزوال هويته الحضارية" على حد تعبير خالص جلبي في كتابه (النقد الذاتي: ضرورة النقد الذاتي للحركة الإسلامية، طبعة مركز الراية المعرفية، بدمشق 2007م ص 35)، وإن كان، أيضًا لم لم يمت حضاريًّا.
3
في التفسير الحضاري: محاولة جديدة لتفسير يراعي مطالب المرحلة
إن تأمل القرآن الكريم منذ نزوله على قلب النبي صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة يُمكِّن من استخراج ركيزتين ظاهرتين لما يمكن أن يُسمَّى بالتفسير الحضاري للقرآن الكريم يمكن إجمالهما فيما يلي:
أولاً- ركيزة تأمين الحياة الإنسانية.
ثانيًا- ركيزة تنمية الملكات الإنسانية.
وسنحاول في السطور التالية تأمل الذكر الحكيم تعاطيًا مع هاتين الركيزتين بما هما برهان على حاجة الأمة إلى تفسير القرآن تفسيرًا حضاريًّا.
أولاً- تأمين الحياة الإنسانية- محور من محاور التفسير الحضاري للقرآن الكريم.
إن القرآن المكي وفحصه وتأمله يقود إلى ما يمكن التعبير عنه بقولنا إن الله تعالى لم يدعُ إلى عبادته إلا بعد أن أحاط جيل الدعوة بعلامات ظاهرة ترعى تأمين حياة الإنسان بدنًا ونفسًا.
وفي هذا السياق أرجو أن نتأمل معًا النقاط التالية:
1- استقر منذ نزول القرآن المكي محورية رعايته لتأمين الحياة الإنسانية حتى إنه ليصح أن نقرر أن الله تعالى أمر بعبادته بعد كفالة مَن دعاهم، أليس هو القائل سبحانه } فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ 3 الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ 4{ (قريش)، وهو ما يعني أن القرآن المكي يرى أن الأمر بعبادة الله تعالى إنما كان منه بعد استقرار الحياة الإنسانية، واستقرار توفير مادة بقائها، فيما حققه لهم من إجراءات الحصول على الطعام، وجعله عادةً مألوفة، ومصحوبة ببعضٍ من نوع المتعة والرفاهية في طريق الحصول عليه من سفرٍ في رحلة شتوية وصيفية.
ولم يكن الحصول على الطعام بما هو مادة بقاء الأبدان معزولاً عن مطالب أمن النفس
وإنما كان مشمولاً بتحقيق أمن النفس، بما فرضه في الزمان (الأشهر الحرم)، وبما فرضه في المكان؛ حيث أحيطت مكة وقريش بمواقيت مكانية من جهاتها جميعًا، لأعماق ممتدة بلغت أحيانًا آلاف الأمتار.
2- وقد استقرَّ كذلك أن ثلثي رحلات الجماعة المسلمة الأولى كان لتحقيق مطالب تأمين الحياة الإنسانية بمعنى أن رحلتين من مجموع ثلاث هجرات هي هجرة الحبشة الأولى والثانية كانتا لطلب الأمان وحفظ أبدان المسلمين الأوائل في مقابل هجرة واحدة كانت لطلب الإيمان.
3- وقد استقر كذلك أن غالب العقوبات المكفرة للجنايات في الشريعة الإسلامية رعت جانب تأمين الحياة الإنسانية، إن بتحرير الرقاب وإن بإطعام الأبدان وإن بكسوتها.
4- وقد استقر أن عددًا من مناسك الإسلام رعت جانب تأمين البدن فجعلت الإطعام سبيلاً إلى إقامة الشعائر والمناسك؛ في الهدي، والأضاحي والعقائق، والولائم وغيرها، ثم استقر كذلك امتداح الإنسان المؤمن في الذكر الحكيم بوصف دوار هو إطعام الطعام على حبِّ الله تعالى أصناف العاجزين من خلقه سبحانه.
5- وقد استقر كذلك أن محورين من محاور عناية الله تعالى بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل بعثته توجها إلى إيوائه، وإغنائه، وما الإيواء والإغناء إلا قيام بموجبات تأمين البدن إطعامًا وكسوة وإسكانًا وتزويجًا وتمليكًا إلخ.
لقد منّ الله على نبيه فقال: } أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى 6 وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى 7 وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى 8{ (الضحى)، فكان مجموع ما منَّ به سبحانه عليه مفضيًا إلى تقرير أن القرآن المكي جعل محور تأمين حياة الإنسان أساسًا أصيلاً في التصور الإسلامي، شريطةَ أن نفسر القرآن الكريم تفسيرًا حضاريًّا.
6- وقد استقر أيضًا حفاوة القرآن الكريم بأصل تأمين الإنسانية في نفسه بما ورد منذ نزول القرآن في مكة من تعانق حفظ مادة بدن الإنسان بتحقيق أمن نفسه، على ما ظهر من آيات سورة قريش، وعلى ما تواتر في الشريعة، ونصوصها العالية من حرمة تفزيع النفس، وحياطتها بما يحقق أمنها بكل صنوف الندب والتكريم.
ثانيًا- تنمية الملكات الإنسانية: محور من محاور التفسير الحضاري للقرآن الكريم.
وفي خطوة تالية متعانقة مع صاحبتها يمكننا أن نقرر أن القرآن المكي يقف أمام محور تنمية الإنسان، بما يقود إلى تقرير أنه محور آخر مركزي من محاور قيام الأمة المسلمة بواجب سيادتها وهيمنتها وعلوها، إذا ما تحاورنا مع القرآن الكريم من زاوية منهجية تفسيرية جديدة، وهي زاوية التفسير الحضاري.
وهذا المحور المركزي، نرى أن يوزع على ثلاثة فروع متكاملة غير متنافرة وهي:
أ- تنمية الملكات العملية (عمل الجوارح).
ب- تنمية الملكات العقلية (العلم).
جـ- تنمية الملكات النفسية (التزكية).
وفيما يلي محاولة موجزة للتحشية على بنود هذا المحور من محاور النظر في الكتاب من زاوية التفسير الحضاري.
أ- تنمية الملكات العملية:
إن المتأمل لطبيعة الفكرة الإسلامية، في نصها الأعلى، وفي تطبيقات صاحب البلاغة صلى الله عليه وسلم يجد عجبًا في هذا الباب، إذ قد توافرت العلامات التالية بشكل يبعث عن التأمل الجاد:
1- جاء النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان شغله منصرفًا نحو تغيير ثقافة العرب نحو المهنة والعمل اليدوي، بما رتبه من أجر العمل اليدوي: "من بات كالاًّ (متعبًا) من عمل يده بات مغفورًا له" وبوصفه لليد الخشنة من أثره بأنها يد يحبها الله ورسوله، وبما عاون فيه صحابته في الأعمال اليدوية، جمعًا للحطب، وحملاً لنتائج حفر الخندق، وحطمًا لصخور خيبر.. إلخ.
2- فشا في الذكر الحكيم الإخبار عن الأنبياء جميعًا بأنهم عملوا أعمالاً يدوية مهنية في البناء (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) (البقرة: من الآية 127)، ومنها الحدادة (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ)(الأنبياء: من الآية 80).
3- ربط الله سبحانه بين أداء العبادات وبين منجز الحضارة من عمل اليد، فاشترط ستر العورة في الصلاة، وطهارة الماء، بل إن الزكاة لن تكون إلا بعد غنى أفراد الجماعة المسلمة، وتراكم الأموال والحيوان وعوائد التجارة وآثار صناعات التعدين وغيرها.
4- استقر في بعض القصص القرآني أثر العمل اليدوي، بما هو منجز حضاري في تغيير أمم كاملة، والانتقال بهم من الكفر إلى الإيمان، وتأمل قصة مملكة سبأ بعد دخول ملكتهم الصرح رأت تقدم منجز سليمان عليه السلام وقومه حضاريًّا أقرت بظلمها نفسها، وإسلامها مع سليمان لله رب العالمين، والمدهش حقًّا هو تعقيب سليمان الذي قال (وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ 42) (النمل) وهو ترتيب عجيب يستحق التأمل الطويل؛ حيث جاء العلم قبل الإسلام.
وهذه العلامات كفيلة بأن تصحح مسيرة المجتمعات الإسلامية التي تهمش التعليم الصناعي وتؤخر رتبته في بناء الأمة.
أ- تنمية الملكات العلمية (العلم)
وفي فرع ثان لتنمية الإنسان في التصور القرآني، يظهر العلم أساسًا فاعلاً في هذه التنمية لملكات الإنسان، بحيث نراه في الدعاء والذي دعا به نبينا صلى الله عليه وسلم لنفسه (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا 114( (طه) وفي عدد آخر من العلامات، يمكن إيجاز بعضها فيما يلي:
1- جعل القرآن أساسًا في مؤهلات الملك (إن الله زاده بسطة في العلم والجسم) ليتقدم في الوزن النسبي على القوة والمال معًا.
2- افتتاح الذكر الحكيم بفعل ظاهر معناه طلب العلم في (اقرأ) مع توافر النص من ذكر العلم، وأدواته، وامتداحه، وامتداح طالبيه.
3- استقرار فضله في تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم على ما روي في حديث البخاري من كلام ورقة بن نوفل، وهو رجل عالم بالكتاب القديم الذي ذكر فيه للنبي صلى الله عليه وسلم أن الذي جاءه إنما هو الناموس أو الوحي الذي نزل على مَن سبقه من الأنبياء.
4- استقر فهم السلف على سبق العلم للإيمان والعمل، وهو ما استخرجه البخاري فيما ترجم به لباب (العلم قبل الإيمان والعمل).
5- استقرار تسويته بالحياة بما يظهر من حكم النبي صلى الله عليه وسلم على أسرى بدر افتداء أنفسهم بتعليم كل أسير عشرة من أبناء المسلمين الكتابة.
6- استقرار الحكم بتبعية المتعلم للعالم مع تفاوت المراتب، وهو نص ما فهمه القرطبي من قوله تعالى: (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا 66) (الكهف) ومن عجيب ما قد يظهر في هذه القصة أن الله رتب للعبد الصالح الاشتراط على موسى، "وعتابه، وعقابه"، ورتب لموسى أن يتابع ويقبل الشرط، ويعتذر عن النسيان، وينزجر بالعقاب للعبد الصالح.
7- لقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم زيدًا في بعثه لتعلم لغة من اللغات، وفي هذا برهان لهدم من يحاول الانتصار لنوع معرفة في مواجهة إهدار نوع معرفة آخر.
8- ولقد استقر تقدير القرآن الكريم لأنواع العلم جميعًا؛ فقد قدر المعلومات الغفل من التحليل في مثل: (أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ 22( (النمل)، وقدر رتبة مقاومة الجهالة، وارتقى بمقام الوحي وجعله حاكمًا ومصححًا لغيره من المعارف.
ومجموع هذه العلاقات تقرر أن العلم جناح ظاهر الأهمية على طريق تنمية الإنسان في التصور القرآني منذ تنزَّل الذكر الحكيم في مكة المكرمة.
ب- تنمية الملكات الإنسانية النفسية (التزكية)
وإذا كان الغرب قد خطا أشواطًا واسعة في البابين السابقين- فإن واحدًا من سيناريوهات المستقبل ظاهر في تدمير الكون بالمنجز الحضاري المفتقد إلى التزكية.
ومن هنا فإن فضيلة الحضارة في التصور القرآني ظاهرة في ترشيد تنمية الملكات الإنسانية العملية والعلمية، بما يضبط حركتها وآثارها بروح التزكية.
وفيما يلي محاولة لتأمل هذا الفرع الخطير في قائمة صوانع التنمية الإنسانية.
1- لقد أمر الله تعالى بالتزكية بما هي تطهير شامل للنفس الإنسانية، وبأساليب متنوعة في مثل قوله تعالى (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا 9) (الشمس)، وقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى 14) (الأعلى)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (وزكها أنت خير من زكاها).
وهذا التنوع يضخم من قيمة الأمر بها، وهي قائمة على جناحين، جناح الهبة الربانية (بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء) (النساء: من الآية 49) وجناح الجهد البشري، وفي هذا السبيل رسم الشرع الحكيم طريقًا من إجراءات كثيرة لصناعة التزكية.
2- يظهر من فحص مقاصد العبادات أنها محققة للتزكية والتطهير؛ فقد جعل الله تعالى العبادات المادية طريقًا للتزكية: فالوضوء والصلاة، والصوم، والحج عبادات مقصود في بعض قوائم مقاصدها تحقيق التزكية لممارسيها، وطلب تحقيق التزكية ظاهر في النص عليها، فالصلاة مرتبطة بنفي البغي والمنكر والصوم لخلق التقوى، والزكاة للطهرة عمومًا وخصوصًا، والصدقة للتطهير.
3- وقد جعل الله سبحانه حفظ البدن من المعاصي سبيلا للتزكية والتطهير، وهو ما يظهر من قوله تعالى: (وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ).
4- وجعل الله تعالى التلاوة والعلم والحكمة سبيلاً مألوفًا لتزكية الأنفس، يقول تعالى: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ 129( (البقرة).
5- وقد حذر القرآن الكريم من سبيل سلوك التزكية عن طريق اغتيال الطبيعة البشرية، فراعى الغريزة ووضع منهجًا لإشباعها فأباح الطعام، وأباح لذاذته، وأباح الزواج، وأثاب على متعه، وقد كان ظاهرًا تشديد التطبيقات النبوية في هذا المقام على من يبالغ في اغتيال الطبيعة البشرية، ولو في طريق طلب تحقيق التزكية.
6- وقد استقر في التصور القرآني منذ مكة أن التزكية لا تعني إسقاط التدبير، وهو ما فهمه المفسرون من قوله تعالى: (آتِنَا غَدَاءنَا) (الكهف: من الآية 62) مما يدل على عمل الزاد في الرحلة، والعبد الصالح وفتاه، وليًّا كان أو نبيًّا حملا الزاد، ودبرا للرحلة.
7- و قد استقر في التصور الإسلامي التسوية بين الرجال النساء في تحقيق مقام الولاية إذ كمل من الرجال كثيرون، وكمل من النساء أيضًا عدد منهم مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم.
8- واستقر في الشريعة أن للطعام الحلال أثرًا في تزكية النفس، فقد طلب أهل الكهف من صاحبهم أن يمدهم بما هو أزكى طعامًا، ورتبت السنة استجابة الدعاء على طُعمة من الحلال.
9- واستقر في السنة حياطة الإنسان بمعية الله تعالى في كلِّ الأحوال بما شرعه من الأذكار جميعًا.
4
خوفًا من انكماش القرآن
في مواجهة الإيمان بمرونة القرآن، واكتنازه بالحكمة والخير والهداية، فإن ثمة مخاوف حقيقة من أضداد هذه الأوصاف، وهو ما يعني انكماش القرآن لو منعنا من تجديد التفسير للوفاء بمطالب الحياة المتجددة.
لقد حذر بعض المفكرين الإسلاميين المعاصرين من هذا المعنى، على أنه بعض ما يمكن فهمه من قوله تعالى الذي يحكي شكاية النبي صلى الله عليه وسلم قومه الذين اتخذوا القرآن مهجورًا (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا 30) (الفرقان)، ويقول الدكتور خالص جلبي في كتابه سابق الذكر ص (255-256) فيما عنوانه: انكماش القرآن: إن "القرءان وهو يضم مائة وأربع عشرة سورة نرى أنه على لسان خطباء يوم الجمعة قد انكمش إلى آيات معدودة"!.
والدعوة إلى التفسير الجديد للقرآن الكريم هي دعوة إيجابية؛ لمقاومة انكماش القرآن الكريم، ومقاومة كل محاولات هجرانه.
----------
* كلية الآداب جامعة المنوفية- مصر