قال صلى الله عليه وسلم: "لا تكونوا إمعة، تقولون إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا" (الترمذي).
ومعنى أن يوطن الإنسان نفسه:
أن يصبح الإنسان جبلاً شامخاً لا تميله العواصف والأحداث، أن يصبح رجلاً قويًّا لا يتأثر بوشاية هنا أو كلمة هناك، أن يصبح عقله مضيئًا قادرًا على تحليل الأحداث والتمييز بين الحق والباطل، والغث من السمين، أن يصبح ذا مناعة نفسية وفكرية قوية لا يؤثر فيها إنسان مهما كان شأنه إلا أن يأتي بالحجة والبرهان.
ولكن السؤال: كيف يوطن المسلم نفسه؟ كيف يصل إلى هذه المرحلة المهمة؟
هناك من الوسائل التي تعين على ذلك ومنها:
قوة الصلة بالله وتدبر آيات القرآن ومعانيه.
وهذه هي أولى الوسائل التي توصل الإنسان إلى توطين نفسه، وخصوصًا عند الأزمات، قال تعالى: (آلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ 173) (آل عمران).
وقال تعالى: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا 22) (الأحزاب).
وقال تعالى: (فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ 61 قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ 62) (الشعراء).
من خلال هذه الآيات نتعلم كيف يغير الإيمان النفوس، ويزوِّد النفس بالسكينة والطمأنينة، وخصوصًا وقت الشدائد.
قراءة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.
هل نتذكر موقف حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم حينما عرض عليه عمه أبو طالب عروض قريش الكثيرة مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، من الملك والمال والوجاهة والسلطان؟ كانت كلمته صلى الله عليه وسلم:
"يا عم! والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته"، فهل رأينا توطينًا للنفس مثل ذلك؟
وانظر إلى مَن رباهم النبي صلى الله عليه وسلم، فها هو خبيب بن عدي رضي الله عنه يعرض عليه أبو سفيان أن يكون حرًّا طليقًا ويكون محمد صلى الله عليه وسلم مكانه، فيقول في ثقة: "والله ما أحب أن أكون في أهلي ومالي ومحمد يشاك بشوكة"، هنا يقول أبو سفيان كلمته الخالدة: "والله ما رأيت أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد لمحمد".
القراءة المتعمقة للأحداث وتحليلها:
فلا يتعود المسلم أن يكون دماغه وعاءً لغيره يضع فيه ما يشاء، ويرفع منه ما يشاء، ولكن عليه أن يقرأ ويتعلم، ويطلع على كل وجهات النظر، فيصل بذلك إلى تحليل الأخبار ومعرفة الصواب من الخطأ، بدون هذه القراءة فأنت في مهب الريح تقلبك كيف تشاء.
والسؤال: هل يعقل من أمة اقرأ ألا تقرأ؟!!
وهل يعقل في ظل هذه الثورة المعرفية والتكنولوجية الهائلة أن يعتمد الإنسان على غيره في نقل الأخبار؟!!
أعتقد أن الأمر يحتاج إلى قراءات كثيرة ومعارف ضخمة من أجل أن يصل الإنسان إلى توطين نفسه على الخير.
الاستعانة بأولي الخبرة والرأي:
فمعرفة التاريخ توفر على الإنسان العديد من السنوات ونقل الخبرات، تجعل الإنسان بصيرًا بالأحداث، فما الأحداث إلا تاريخ يعيد نفسه من فترة لأخرى.
والإنسان مهما بلغ علمه فهو قاصر ويحتاج إلى غيره، فإن الله قد فاضل بين العقول وجعل الناس مختلفين، فكما عبر الحق تبارك وتعالى: (لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا) (الزخرف: من الآية 32) أي معتمدين متعاونين فيما بينكم لتسير قافلة الحياة.
فينبغي للمسلم ألا يتعالى ويعتمد على رأيه فقط، بل مزيد من المشاركات كفيلة بتوطين النفس وتوصيلها إلى أفضل الحالات (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: من الآية 2).
هذه بعض الوسائل التي تعين على توطين النفس، فاللهم وطِّن نفوسنا على حبك وحب الخير لخلقك.