بسم الله الرحمن الرحيم، لله الحمد والمنة والفضل، والصلاة والسلام على سيدنا وقدوتنا، أما بعد فاسمحوا لي إخوتي وأحبتي في أرض الكنانة أن أنهل معكم من الماء الذي لطالما سقيتمونا، من ينابيع فقه الدعوة، ومن فقه الشدة أو الأزمة على وجه الخصوص.
أحبتي لا يخفى على متابع ما يُحاك ضد مصر ودعاة نهضتها من مؤامرات شديدة ومتواصلة، وما يثار من شبهات من أبواق النفاق تدق طبول الخوف من مشروعكم تارةً، وتحرض عليه في أخرى، وتُثير غبار الشبهات ليلاً ونهارًا.. تستهدف معنوياتكم وترمي ثقة الناس بكم لينفضوا من حولكم ما أظنهم تركوا شيطانًا من الإنس أو الجن إلا واستخبروه عن وسيلة خبيثةٍ تواجه مشروعكم، يكذبون ويفترون ويتآمرون ويدبرون ويمكرون لا يقر لهم قرار منذ أن أنعم الله على مصر بثورتها المجيدة.
ولكن أين هم من مكر الله وتدبير الله الذي مضت إرادته سبحانه بجعل الذين استضعفوا في الأرض أئمة.. فلا تنسوا أنكم تجاوزتم محنًا أقسى وابتلاءات أشد مذ كنتم قليلاً مستضعفين يتخطفكم الناس.. إنه الله سبحانه يقذف بالحق على الباطل فيدمغه.. تأملوا... فإذا هو زاهق.
فلا تخشوا الناس وقولوا حسبنا الله يكفيكم.. من هنا ففي الوقفة الأولى أردت أن أذكركم بأن الله لن يخذل مَن جعلوه غايتهم، وهو مَن يرعاكم ويسدد رأيكم ورميكم، وقيادتكم وشوراكم.. فلا تترددوا وقد بذلتم منتهى سعيكم وجهدكم وتوكلتم على الله؛ فالخير بيده وهو الذي يختار لكم فلعله سبحانه وتعالى يريد أن يُربي جنده ويُدربهم ويبتليهم بالشر والخير ليصفيهم من الخبث، فأنتم عمود نهضة المسلمين يُعدِّكم الله لما هو قادم يعدِّكم لأمر تعلمون حينها أن نهضة مصر شرط ومقدمة ومرحلة لها ما يتلوها، فهو سبحانه الذي اختار زمان الثورة ومكانها ونتيجتها وظروفها وملابساتها، وهو العليم الحكيم يرى ويسمع ويطلع على القلوب وينصر المؤمنين.
أما الوقفة الثانية فمع حشد كل الطاقات الإسلامية في خندقٍ واحد، وفي جبهة متراصة ما أمكنكم إلى ذلك سبيلاً، وقد تعلمنا منكم الكثير في هذا المجال؛ لأن المستهدف من ورائكم هو المشروع الإسلامي، فالظرف يجعل مع توحيد الصف تجميع الطاقات أولوية فكل وطني يريد العزة لمصر هو في صفكم ولو اختلفت رؤاه، وأنتم بهذه الوحدة تضمنون أمضى سلاح تجابهون به هذه التحديات المتلاحقة والرياح الهوج والأمواج العاتية، ومكر الليل والنهار.
والوقفة الثالثة مع فقه السمع والطاعة ولزوم رأي الجماعة، ففي وقت الشدة تشتد الحاجة لتفعيل هذا الفقه؛ إذ لا يكفي أن نسمع ونطيع في الرخاء لنكون قد بررنا بالبيعة التي في أعناقكم.. فشورى الجماعة أولى من أحسن فرد نحبه ونحترمه، ولكننا أبدًا لا ينبغي أن نتردد لحظة أو يتسرب إلينا شك يجعل رأيه أحسن من شورى الجماعة، وإلا لانفرط العقد ولحق كل معجب بشيخه.
وما كان للقيادة المباركة أهمية، فاتباع القيادة والثقة اليقينية المطلقة في شوراها في هذا الظرف خاصةً هي الحصن الذي نتشبث به ونتقي به كل الزوابع ونثبت به كالجبال فثقة أربع وثمانين عامًا لا يمكن أن تهزها، فرقعة هنا أو إعصار هناك.. إنها الثقة الثقة والجماعة الحماعة.. فلا ترددوا ما يذيع به المنافقون من فسقٍ وما تصيح به أبواقهم التي لم تهدأ ولن تهدا ولن يرضوا عنكم ولو (قليتم لهم السمن بأكفكم) إلا أن يردوكم عن فكركم ومنهجكم وغايتكم، فلا تنشغلوا بما يُثيره أعداؤكم من إشاعات أميتوها بعدم ذكرها انشغلوا بالعمل والثقة والدعاء لقيادتكم فهذا جانب من فقه الأزمات الذي تعاهدنا عليه.
فلا وقتَ للجدل والعدو يتربص بنا، فبعد الشورى لا جهدَ إلا في التنفيذ، وإلا فما هو السمع وما هي الطاعة.
فإلى الوقفة الرابعة.. وبعد أن نوحد مصدر معلوماتنا بمَن نثق ونضمن ألا نكون عرضةً لتياراتٍ من الأقوال تأخذنا شمالاً ويمينًا علينا إخوتي الأحبة أن نعيش جوِّ المعركة الثقيلة، وأن لا نبسّط الأمر ونهوّن من شأن الحدث فنحن نعيش معركة أخطر من معركة السلاح فعلينا أولاً أن نستشعر أجواء المعركة بخيلها ورجلها وأراجيفها وكذبها ونفعّل كل طاقاتنا الفكرية والعملية المناسبة لحجم المعركة.. نرفع المعنويات ونثق بالله ونذكره كثيرًا.
ونعد العدة في كل لحظةٍ ونتهيأ لأي طارئ، ونتأكد أن ماكينات العدو لا تغفل ولا تتوقف عن الكذب.. مصدر معلوماتنا واحد حتى لو حيل بيننا وبينه في ذروة الأزمة!!!، وعيوننا على النصر الذي به ننصر مصر بنصر دين الله..
يلزمنا ونحن نرابط على هذه الجبهة ألا ننتظر من مجلس الشورى والقيادة أن يكونوا ملائكة لا يخطئون أو أن نتوقع أن إحداث تغيير بالمستوى المنشود.. تغيير مصيري وحاسم في مشهده تفاصيل معقدة ومتداخلة أمر بسيط لن يكتنفه تعدد في النظر أو تباين في الرأي أو أخطاء بشرية.. لا تتخيلوا وأنتم في خضم هذه المعركة أن حسم رأي في مجلس الشورى والقيادة لا يتطلب أكثر من فنجان قهوة واجتماع سريع وانتهى الأمر.
ضع نفسك مكانهم وقد أُوكلت إليك أمانة مصر.. إنهم والله أعلم لا ينامون ليلاً أو نهارًا فليس لنا إلا الدعاء لهم بالتوفيق والعون والتسديد.. ففي فقه الأزمات لا أقل من أن نترك للقيادة شئونها بكل ثقةٍ ويقينٍ وننشغل بمهامنا ويضطلع الجند بمسئولياته.
إنها معركة أحبتي تجعل مصر وتضحيات أبنائها وثورتها ومستقبلها على المحك.. فأعان الله كل مخلص أمين يعمل في مثل هذه الظروف، فالقضية مصر ومن ورائها الأمة وربيعها وقد أوكلت ملايين مصر إلى حركتكم الأمانة.. فالفقه الفقه والفهم الفهم، ومصر بكل ما تعنيه الميم والصاد والراء أهم من كون هذه المعركة تضع حركتكم أمام امتحان عسير.. سامحونا.
--------
* الأردن