منذ أن علمت برحيل شيخنا ومربينا ووالدنا وأخينا الأستاذ عيسى رحمه الله برحمته التي وسعت كل شيء، وتقبل منه كل شيء، ونسأله بكل ما يحب أن يجعله مع من يحب، وألا يحاسبه في شيء، ولا يعاتبه في شيء، منذ أن علمت وأنا في حزن يمنعني أن أكتب عزائي لإخواني وللأسرة الكريمة النبيلة، ثم أقول لمن أكتب عزاء وأنا أولى من يتلقى العزاء؟!

 

لأني أرى نفسي الأكثر انتفاعًا بحياة هذا العالم الجليل وحارس القيم النبيل.. والأكثر خسارة بموته.. ومن عجائب إخلاص هذا الفارس النبيل أن كل من يقترب منه يشعر هذا الشعور، وعلى مثل هذا فليبك الباكون، ولكن لا نقول إلا ما يرضي ربنا.. إنا لله وإنا إليه راجعون، ومثل هذا النموذج الفريد من الرجال ينتفع به الناس حيًّا وميتًا.

 

وإنى لأرجو أنه الآن حيٌّ يمرح في حواصل طيور خضر تحت عرش الرحمن؛ لأنه كان يرجو أن يكون شهيدًا، ورسولنا يبشر من طلبها بصدق نالها، وإن مات على فراشه، ولقد كان شيخنا صادقًا متحركًا، لا لبس فيه ولا دخل، قليل من الرجال من تجد هواه تبعًا لما جاء محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كثر الأدعياء.

 

إنه نموذج للخشية المبنية على علم يجسِّد قول رسول الله: "إنما العلم الخشية"، وقول ربنا عز وجل: "إنما يخشى الله من عباده العلماء"، تراه في مواقف الورع في ثوب الخشية الناصع لا يهزمه هوى ولا يتطرق إليه ضعف بشري.. إنه قدوة تحرج من تأمل فيها وترهق من حاول تقليدها، تراه الأكثر هروبًا من المغانم وكأنها جيفة ستلوث ثوب إيمانه الذي لا يقبل الغبار.. إنه مثال دائم الرقي ودائم الخوف من السقوط، رغم رسوخ الأقدام ومتانة الخلق وكمال الإيمان.

 

تراه إن أردت أن تأخذ رأيه في فتوى مرتجفًا وكأن النار لم تخلق إلا له.. لا يفتي برأي دون الرجوع إلى إخوانه وهو المرجع لنا جميعًا، إلا أنه لا يقطع بأمر إلا بعد شورى.. كان إذا تكلم أوجز وإذا كلِّف بعمل أنجز، ولا يعتذر ولا يعجز.

 

تراه حريصًا على عمله وإخفاء طاعته، وكأنه يحمل كنزًا ثمينًا وسط عصابة من اللصوص.. هذا رجل كنا نتقي فراسته التي قلما تخطئ لأنه يرى بنور الله.. ترى فيه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "اتقِ فراسة المؤمن إنه يرى بنور الله"، ولا يرى لنفسه فضلاً على أحد كحال الإمام الشافعي حين قال: "ما رأيت أحدًا من المسلمين إلا ظننت أنه خير مني".

 

هذا رجل أمده الله بقوة انتصر بها على نفسه، فازدادت رأسه رفعةً في مقامات التواضع والذل لله وداس تحت قدميه على كل عوامل الضعف، فأمنه الله من الفتن ومضى إلى ربه بقلب سليم.

 

فيا أيها السائرون إلى ربكم.. هذا عبد الله بن مسعود ينبهكم، قائلاً: اقتدوا بمن مات فلا تؤمن على حي فتنة، وهذا شيخنا رحل، ونحسب أن الله قد سلمه الله من الفتن.. طبت سيدي حيًّا وميتًا.

 

حاولت يومًا أن أعرف جانبًا من بدايات شبابه في الدعوة بعد أن تطاول أحدهم ممن لا يقارنون بقامة شامخة مثل الأستاذ عيسى عبد العليم وقال إنه اختفى بعد محنة الإخوان في 65 وعرفت منه أنه من القلائل الذين كان النظام الخاص في الإخوان يعدهم إعدادًا خاصًّا يقتضي درجة من الانضباط والحرص لا يعرفها مثل هذا الذي يهرف بما لا يعرف، تراه لا يكترث إن كان مغمورًا أو مشهورًا، وكم نرى من أناس يهلكون أنفسهم رغبةً في الظهور وآخرين تراهم كعروق الذهب هناك بعيدًا في جوف الصخور، لا يصل إليهم إلا من عرف قيمتهم وسعى لهم سعيهم.

 

هذا مثال فقيدنا، جوهرة ثمينة ثقلت وزنًا وقيمةً أن تكون على السطح يتناولها كل أحد.. إنه كنز في قلب هضبة الإخوان لا يرى بريقه الجميل إلا من سلك طريق الأتقياء ممن يؤثرون الخفاء.

 

تراه مهتمًّا بالخلق البسيط العميق؛ ففي ديسمبر 1987 ولد ابني أحمد واتصلت زوجتي بأمها الفاضلة زوج الأستاذ عيسى رحمهما الله.. أخبرتها أن تخبرني بالأمر، ولكن أم أيمن رحمها الله أخبرت شيخنا رحمه الله في وقت متأخر.

 

وفوجئت بعد منتصف الليل به يطرق بابي في جوٍّ بارد، وقد لبس كل ما أمكن من ملابس الشتاء ولم يكن وقتها عندي هاتف ولا في الشارع مواصلات، فقد جاء ماشيًا بعد منتصف ليل ديسمبر وصعد ستة أدوار وهو مريض بالقلب ففتحت منزعجًا وبادرني: لا تنزعج الأمر خير بإذن الله.

فقلت: ماذا حدث؟

فقال: مبروك.. رزقك الله بغلام فتنفست الصعداء، وقلت سيدي لا أدري ماذا أقول لك: هلا انتظرت لترسل أحدًا يبلغني صباحًا؟
فقال الإجابة البليغة الكريمة: وكيف أنتظر على أمر يسرك حتى الصباح، لم لا أعجّل لك السرور؟! ليت دموعي تزيل حزنى ليتني أستطيع أن أعطيه من عمري فهو أنفع للناس مني ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

تراه غيورًا على دعوته وقيمها أشد من غيرة الشرفاء على شرفهم؛ فقد كان يشير إلينا بحكمته وهدوئه حتى إذا رأى خروجًا عن ثوابتنا هبَّ واقفًا كأنما يهمُّ بقتال وكم كان يصرخ فينا، ويل لهذه الدعوة من هذا الجيل، فتعلمنا أن نمشي في طريق الدعوة كما نمشي في حقل الألغام بحذر الذي لا يعرف من أين يأتيه الخطر!.

 

بمثل هؤلاء حفظ الله الإسلام فقد كانو يتركون الكثير من الحلال خوفًا من الوقوع في الحرام..

 

اللهم إنا نشهد أن عبدك عيسى قضى حياته بخالص التوحيد.. غني بك عن العبيد، فتقبله بروح وريحان وجنة ورضوان.

 

اللهم إنا نشهد أنه كان يحب الوقوف ببابك فاجعله يا ربنا مع أحبابك وهبه رحمتك وقه عذابك

 

اللهم إنه قد أقبل إليك بطاعة ورجاء فامنن عليه برفقة النبيين والشهداء.

 

اللهم إنه كان دليلنا إليك فشفعنا فيه وشفّعه فينا ولا تخزنا بين خلقك ولا بين يديك.. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده، واجمعنا معه في الجنة على سرر متقابلين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

وعزاء من القلب لإخوتي الكرام الأستاذ الدكتور علي عبد العليم والحاج أحمد ود. أيمن واللواء أيمن عبد الله والمهندس محمد كمال والأستاذ محمد الشرقاوي والأخوات الفضليات ولكل من أحب حارس القيم النبيل شيخنا الأستاذ عيسى عبد العليم، وإنا لله وإنا إليه راجعون.