المتتبع لحالة المجتمع المصري اليوم يرصد حالة من الغموض تكتنف المشهد السياسي؛ حيث توجد عناصر فاعلة في هذا المشهد بداية من المجلس العسكري القائم بأعمال رئيس الجمهورية والحكومة الانتقالية وعلى رأسها الجنزوري والمجلسان النيابيان الشعب والشورى المنتخبان من الشعب ولجنة الانتخابات الرئاسية والقوى السياسية من أقصى اليمين لأقصى اليسار.
وتتعدد المواقف والمشاهد وتزداد حالة اللبس والغموض تارة وتختفي تارة أخرى، ويصاب المواطن المصري بحالة من اليأس والقنوط والإحباط حتى تتلبس الحقائق فيتساءل الناس: أين الحق والحقيقة؟ وكأنه أمر مخطط له يراد أن يصل الناس لهذه الحالة من الخوف من المستقبل بعد أن أملوا خيرًا في ثورتهم المباركة.
في ظل هذه الحالة من الالتباس والحراك السياسي وبدء الحملة الانتخابية للرئاسة ومتابعة برامج التوك شو ومواقع وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية، وما نراه ونقرأه من اتهامات وافتراءات متبادلة بين أنصار المرشحين.
في ظل هذه الحالة أراني أنظر إلى نصف الكوب المملوء؛ حيث اهتمام أفراد الشعب جميعًا وخاصة الشباب منهم بالشأن العام.
ولكن ما أريد أن أسطره أن أتوجه بنصيحة لكل أفراد شعبنا المصري العظيم ألا ننسى ونحن في خضم هذه المعركة الانتخابية أننا شعب له قيم ومبادئ لا ينبغي أن نضيعها أو ننساها في خضم انفعالاتنا وتأييدنا لمن نراه أجدر لمنصب الرئاسة.
ولعلي أذكر كلمات الشهيد حسن البنا في هذا المقام: (أيها الإخوان: ستنتهي الانتخابات وتبقى الحزازات أو المجاملات، فلأن يبقى المعروف بينكم خير، ولا تنسوا الفضل بينكم في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى الوحدة والتساند..
ذلك ما أردت أن ألفتكم إليه رجاء أن تعملوا به، وتشيعوه بين إخوانكم، وتحملوا عليه مَن استطعتم من مواطنيكم ومعارفكم).
أشاهد وأقرأ حالات الغمز واللمز والتنابز بالألقاب على شاشات التلفاز ومواقع وصفحات النت فأقول إنه يجب أن لا ننسى قول الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)) (الحجرات)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم "بحسب امرئ من الشر، أن يحقر أخاه المسلم".
أشاهد وأقرأ من يغتاب المسلمين ويذكرهم بكلمات يعف اللسان عن قولها وتعف الأذن عن سماعها، يفعل البعض هذا استحلالاً، والبعض استغلالاً لحالة الفوضى والفلتان والبعض لا يخشى حرمة كلمة ولا عرضًا فاذكر وأذكر بقول الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ (12)) (الحجرات).
ولعلي أذكر كلمات الشهيد سيد قطب التي قدم بها الآيات السابقة من سورة الحجرات: (أول ما يبرز للنظر عند مطالعة السورة، هو أنها تكاد تستقل بوضع معالم كاملة، لعالم رفيع كريم نظيف سليم؛ متضمنة القواعد والأصول والمبادئ والمناهج التي يقوم عليها هذا العالم؛ والتي تكفل قيامه أولاً، وصيانته أخيرًا.. عالم يصدر عن الله، ويتجه إلى الله، ويليق أن ينتسب إلى الله.. عالم نقي القلب، نظيف المشاعر، عف اللسان، وقبل ذلك عف السريرة.. عالم له أدب مع الله، وأدب مع رسوله، وأدب مع نفسه، وأدب مع غيره. أدب في هواجس ضميره، وفي حركات جوارحه. وفي الوقت ذاته له شرائعه المنظمة لأوضاعه، وله نظمه التي تكفل صيانته. وهي شرائع ونظم تقوم على ذلك الأدب، وتنبثق منه، وتتسق معه؛ فيتوافى باطن هذا العالم وظاهره. وتتلاقى شرائعه ومشاعره. وتتوازن دوافعه وزواجره؛ وتتناسق أحاسيسه وخطاه، وهو يتجه ويتحرك إلى الله).
أسمع وأقرأ كلامًا ينساب من ألسنة لا تراعي للكلام حرمة فأذكر قول الله عز وجل (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً) (البقرة: من الآية 83). والقول الحسن يشمل: الحسن في هيئته؛ وفي معناه، ففي هيئته: أن يكون باللطف، واللين، وعدم الغلظة، والشدة، وفي معناه: بأن يكون خيرًا؛ لأن كل قولٍ حسنٍ فهو خير؛ وكل قول خير فهو حسن ولنتذاكر قوله تعالى (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا (53)) (الإسراء).
وهل نسينا قول الله عز وجل (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)) (ق).
وهل تناسينا قول النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا معاذ رضي الله عنه "ألا أخبرك بملاك ذلك كله" قلت بلى. فأخذ بلسانه فقال: "تكف عليك هذا" قلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم.
قال: "ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يُكب الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم".
هل تذكرون ذلك المصلي الصائم مؤدي زكاة ماله ولكنه من أصحاب النار بسبب لسانه وكلامه؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أتدرون من المُفلس؟" قالوا المُفلس فينا من لا درهم له، فقال صلى الله عليه وسلم "إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيِت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطُرحت عليه ثم طرح في النار".
ولعلي أذكر نفسي، وكل من يستهين بكلام يجري على لسانه ينهش فيه أعراض الناس بهذا المشهد الذي رآه المصطفى صلى الله عليه وسلم وحرص على أن يحدث به أصحابه وكل من آمن به إلى أن تقوم الساعة.
قال صلى الله عليه وسلم: "لما عُرِجَ بي (أي في رحلة الإسراء) مررتُ بقوم لهم أظفار من نحاس يخْمِشُون (يجرحون) وجوههم وصدورهم، فقلت: مَنْ هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم" (أبو داود).
ولعلي في هذا المقام من الحديث أهدي هذه الآية الكريمة للفضائيات وبرامج التوك شو ومقدميها وضيوف هذه البرامج لكي يراجعوا أنفسهم وهل هم يصلحون بين الناس أم يحدثون الوقيعة بينهم. قال الله تعالى: (لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114)) (النساء).
أقرا وأسمع وبيلاً من السب والشتم يتبادله الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي والتي أصبحت بفضل هذا السلوك مواقع للوقيعة والقطيعة فأذكر حينما خرجت الدعوة الخاتمة للعالمين من بين ثلاثمائة صنم يحوطون الكعبة، وآلاف المخمورين الذين يجوبون طرقات مكة، ويطرقون دور البغاء بها صباحًا ومساءً، ومع ذلك نهى الله سبحانه وتعالى المسلمين أن يسبوا الآلهة الصماء (وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الأنعام: من الآية 108)، وامتنعوا هم أن يردوا إلى المشركين إساءاتهم ومكائدهم اللئيمة.
إن العربي الذي كان يقيم حربًا لسنوات طويلة ولا يقعدها من أجل أن فرسًا سبقت أخرى دون حق، صار اليوم بعد أن دخل دين الله يعرف كيف يضبط نفسه، ويشكم جماحها، فقد تعلم من نبيه صلى الله عليه وسلم الإخلاص، فلماذا الثأر والانتقام؟! حاشاه أن يفعل! أما إن كان لله ورسوله ودينه العمل فالخير إذن في الصبر والاحتمال فموطن القدوة هنا من القرآن ومن هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
فإياك أخي أن تكون سبَّابًا لعَّانًا حتى لو كان مَن تسبه وتلعنه يستحق السب واللعن فليس أولى بالسب واللعن من الأصنام وآلهة المشركين, فاضبط نفسك واشكم جماحها وإياك أن يجري على لسانك الفحش من القول.
حينما أرى عقولاً تفتقر إلى التسامح السياسي وتقوم بالتفتيش في النوايا والقلوب والضمائر بهدف تحقير أصحاب الأفكار المعاكسة إلى حد الاغتيال المعنوي لأشخاصهم بشكل يؤدي إلى ازدرائهم ولننظر إلى الحملة الشعواء التي تشن على مجلس الشعب وكذلك الحملة التي يقودها الإعلام ومن يقف وراءه ضد الإخوان المسلمين وأقول حينما أرى هذه الأخلاق تسيطر على المشهد لا بد من أن أذكر نفسي ومن قرأ بهذا الحدث الذي وقع في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أرسل المصطفى- صلى الله عليه وسلم- سرية لتأديب أهل فدك على رأسها غالب بن فضالة الليثي وفيها أسامة بن زيد.. وعندما سمعوا بقدوم السرية هربوا إلا رجلاً واحدًا اسمه مرداس بن نهيك من بني مرة ساق غنمه في كهف بجبل مجاور وصعد هو الجبل عندما رأي الخيل عن بعد فلما تلاحقت الخيل واقتربت سمعهم يكبرون فعرف أنهم من أصحاب الرسول- صلى الله عليه وسلم- فكبر ونزل وهو يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله.. السلام عليكم.
قابله أسامة بن زيد بسيفه وقتله وأخذ غنمه ثم رجعوا إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم- فوجدوه قد علم بما حدث وحزن حزنًا شديدًا. وقال لهم مستنكرًا "أقتلتموه لتستولوا على ما معه؟"، وقرأ على أسامة رد الله على فعلتهم في قوله تعالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94)) (النساء).
قال أسامة أستغفر لي يا رسول الله فرد عليه النبي حزينًا "قتلت رجلاً يقول لا إله إلا الله كيف أنت إذا خاصمك يوم القيامة بلا إله إلا الله؟!" فقال أسامة: يا رسول الله إنما تعوذ من القتل.
فقال له الرسول: "هلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها خوفًا أم لا"، وظل النبي يردد أمامه وهو حزين "أقتلت رجلاً يقول لا إله إلا الله" حتى قال أسامة: وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ ثم استغفر له المصطفى - صلى الله عليه وسلم- وأمره بعتق رقبة.
هذه هي قيمنا ومبادئنا القرآنية وهذه أخلاق نبينا أمرنا بالتخلق بها في الضراء قبل السراء، فعلى هذه القيم والمبادئ تبنى المجتمعات الصالحة النقية الطاهرة، ولذلك نصرخ من أعماق قلوبنا ما أحوجنا للرجوع لهدي قرآننا وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.