ما زالت الأحداث تتسارع، والمواقف تتقاذف من هنا وهناك، ويتمايز الناس، ولا يُعرف الرجال إلا بالمواقف، فالمواقف وحدها هي التي تُظهر خبايا كل منا، وخاصةً أوقات المحن.. أيها الإخوان؛ شيوخًا وشبابًا، رجالاً ونساءً وأطفالاً، علماء وعاملين، دعاة ومربين، أيها الصرح الذي استعصى على الهدم، تتقاذف الأحداث والوقائع ما بها، وتندفع تارة بالخير، وكثيرًا بالشر، من وجهة نظر، ولكن حقًّا لو تعلمون الغيب لاخترتم الواقع؛ لأن ما يُقدِّره الله لا يكون فقط "لعله الخير"، بل وبيقين "الخير كله".
دعوتكم عصية
لقد قامت دعوة الإخوان وأسسها الامام البنا يرحمه الله؛ لتقوم هذه الأمة وتنهض، ويحمل أبناؤها هَمَّ بلادهم في ظل الاستضعاف والتهالك الذي كانت تحياه، خرج على الناس بمفرده يدعوهم ويؤلفهم ويتقدم صفوفهم في التضحية والإباء، لا يثنيه إرهاب عدو، أو ظلم قريب، أو تشكيك حاقد أو جاهل، رموه كثيرًا بالكلام الذي لا يليق، ولم يكن يلتفت إلى ذلك دائمًا، يقدِّم نفسه لكل تضحية، كان شابًا في ريعان شبابه، لكنه أفناه في خدمه بلاده وأرضه، حلم بدولة قوية تقود الأمة إلى "أستاذية" العالم، لا لشيء سوى نصرة لشريعة الإسلام وتحقيق لوظيفة المسلم، وليس أصدق على ذلك من روحه يقدمها شهيدًا وهو ما زال في ريعان شبابه، نحسبه على الخير، ولا نزكي على الله أحدًا. يقول عنه د. عبد الحي الفرماوي: إن الإمام البنا مجدِّد الإسلام في القرن العشرين، واحدٌ من القلائل الذين يجود الزمان بمثلهم، وقد منَّ الله به في وقت كانت الأمة أحوجَ إلى من يجدِّد شباب دينها، ويبعث منها الأمل، ويوضح لها طريق العمل على بساط من منهج قويم ومشروع إسلامي عظيم، يربط به الأمة بكتاب ربها وسُنة نبيها، على فهمٍ كاملٍ ونظرٍ ثاقبٍ وعقلٍ راجحٍ وتبصرٍ دائبٍ، وكان من القلائل الذين يبنون الأشخاص قبل عرض النظريات، الأفراد الذين يقيمون الدولة بأرواحهم وقلوبهم، وعقولهم بدلاً من أن يتشدقوا بمعلوماتهم ونظرياتهم وألسنتهم، ولأن ذلك هو السر في بقاء جماعته التي بناها وربَّى رجالها حتى يومنا هذا إلى أن تَرَى أمة الإسلام شريعتها مطبقةً ورايةَ دينها مرفوعةً، لعل ذلك هو السبب في بقاء هذه الجماعة شامخةً صامدةً أمام معاول الهدم وتيارات العداء ومحاولات التشكيك وصنوف الإيذاء بها من كل جانب وحاقد.
لذلك ذلت دعوة عصية على كل من حاول مواجهتها، ففي ظل معتقلات "عبد الناصر"، وسجون "السادات"، وبطش "مبارك"؛ أصبحت دعوة الإخوان تجوب العالم وتنتشر بين ربوعه، والله غالب على أمره.
محنة ما بعدها محنة
فكَّر الصهاينة وأعوانهم وبحثوا عن كل مصادر عزتنا ووجدوا دعوتكم هي نبض الحق وروح الحياة التي تسري في جسد مصر فأرادوا أن يدمروها، وأن يجتثوا ثوابتها؛ فقتلوا مؤسسها، ولم ينفع؛ فجاءوا بأعتى الناس صلافة وجحودًا وجعلوه رئيسًا، وتكفل هو بالقضاء عليهم.. ويقول من عاشوا تلك الفترة: لم يكن أحد يظن أن هناك أحدًا من الإخوان ما زال في قلبه ذرة من فكر ومنهج الجماعة من شدة التعذيب والبطش بهم، إلا أن الله غالب على أمره، فكانت مرحلة ابتلاء وتمحيص، وقدر الله أن يرى صدق الرجال الذين حملوا هَمَّ دعوتهم لا لشيء سوى لغاية واحدة؛ فظلت الدعوة وقويت في نفوسهم أكثر وأكثر، ومات الجلاد وبقيت دعوة الإخوان إلى اليوم؛ لأنه رغم الابتلاء والمحن فقد هيأ الله لها رجالاً حملوها وقاموا بها.
فبعد مقتل الإمام، كانت محنة شديدة على الناس، يقول الأستاذ أحمد البس يرحمه الله واصفًا الجو العام ونظرة الناس للجماعة بعد استشهاد الإمام حسن البنا: من يقبل أن يكون قائدًا لجماعة اشترك الملك ورئيس الوزراء في قتل مرشدهم، من يقبل أن يكون خلفًا لزعيم قُتلَ على قارعة الطريق وتُركَ دمه حتى ينزف كله فيموت، من يتعرَّض لقيادة جماعة منعت الحكومة أن يُشيع جسد مرشدها، وقد حملته النساء على أكتافهن، إلا أن الله هيَّأ لها الرجال.. فيقول الأستاذ عمر التلمساني يرحمه الله: وإذا كان حسن البنا قد مضى إلى ربه وترك النبتةَ يانعةً فتيَّة، فقد كان حسن الهضيبي علاَّمة زمانه، ومشعل عصره، يوم حمل الراية حريصًا لم يُفرط، عزيزًا لم يَلن، كريمًا لم يَهُن، وأدَّى الأمانة أمينًا في عزم، قويًّا في حزم، ثابت الخُطى في فهم، فأكد معالم الفهم السليم للإسلام الصحيح في القول وفي العمل، لم يُثنه حبل المشنقة، ولم يُرهبه سجن ولا تعذيب، بل زاده الأمر إصرارًا على إصرار، وصمودًا فوق الصمود. (مجلة الدعوة، العدد الأول، رجب 1396هـ).
تذكروا ذلك
نعم، تذكروا هذا الموقف الذي حكاه فضيلة الشيخ الخطيب عن خلق الإمام مع المختلفين وسماحة قلبه فقال: دخل عليه أحد زملائه بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، وكان من المتشددين، فقال له: إني أكرهك يا حسن، فردَّ عليه الأستاذ البنا قائلاً له: إني أحبك، فقال له الرجل: والله العظيم إني أكرهك، فقال له البنا: والله العظيم إني أحبك، فقال له الرجل ما تقوله يجعلني أبغضك أكثر، فردَّ عليه البنا وقال له: وأنت ما تقوله يجعلني أحبك أكثر، وكان سبب هذا الحوار هو اعتراض هذا الرجل المتشدِّد على ارتداء الجوَّالة في الإخوان لما يُسمَّى "الشورت". فلا تحزنوا ولا تغضبوا، من اختاركم ووقف في صفكم ومن لم يقف ومن يشكك ومن يؤيد.. إنها سُنة الحياة، وليست الغلبة بكثرة العدد ولا بقوة العصابة التي تؤيدك، إن الغلبة بقوة العقيدة، وسُمو المنهج، وعظمة الرسالة، هكذا نصر الله نبيه بعبيد مكة والمستضعفين فيها الذين أصبحوا سادة وصحبًا كرامًا يخلَّد ذكرهم إلى قيام الساعة.
وأخيرًا.. هي لله
أذكركم يا أهل الصرح والصف وأنتم أهل للتذكير، أن حركة فعلكم هي لله، تقدمون أرواحكم ونفوسكم، تعلنون من داخلكم أنكم متجردون من كل دنس الدنيا، لا يهمكم زيفها ولا بريقها، وقد قدمتم أنفسكم دفاعًا عن أمتكم حينما تتطلَّب الأمر الجهاد وحمل السلاح، رفعتموه في وجهة اليهود، وشهد لكم القاصي والداني بذلك، وحينما رأيتم أن الميدان ميدان عمل كنتم أنتم طليعة الصفوف من المتفوقين في المصانع والمدارس والهيئات والمؤسسات، وحينما كان الميدان ميدان ثورة كنتم دائمًا أهلها، وشبابكم رجالها، وحين كان الميدان ميدان سياسة وانتخاب كنتم أيضًا في المقدمة، تعرضون خدماتكم مستندين إلى مواقفكم وتاريخكم ونصاعة رجال منكم، فكل هذه الميادين غلفتموها بسنوات من السجون والمعتقلات، وقدمتم الشهيد تلو الشهيد.
وقد قدمتم الآن خدماتكم وقدمتم خيرة رجالكم؛ لكي يحملوا أمانة حُمِّلوا إياها، ولهم من الله التقدير والجزاء، فسارَعوا ولبوا، ولم يتخاذلوا ويتراجعوا، وبدموعهم واسترجاعهم قبلوا، فكانوا جنودًا على خير ما تعنيه الجندية، ومن الناس من فهم ومنهم من أخذته نفسه إلى واحات الشيطان، ليعلن أنها رغبة في سلطة أو طمع في جاه، وكأنكم كنتم قبل ذلك لها طالبين أو للغنائم تنظرون، فقد كنتم أنتم مغانم للفاسدين والمتكبرين، لكن من يعي ومن يفهم؟!
لذلك، أهمس في أذنكم بهذه الكلمات، قالها قائد منكم ضحى بحياته فقط لأجل كرامة أمة، الأستاذ سيد قطب يرحمه الله: عندما نعيش لذواتنا فحسب، تبدو لنا الحياة قصيرة ضئيلة، تبدأ من حيث بدأنا نعي، وتنتهي بانتهاء عمرنا المحدود.. أما عندما نعيش لغيرنا، أي عندما نعيش لفكرة، فإن الحياة تبدو طويلة عميقة، تبدأ من حيث بدأت الإنسانية، وتمتد بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض!
فلتعلنوا دعوتكم وتصدعوا بها وتشرحوا للناس بلطف الكلام وبالحكمة والموعظة الحسنة؛ إن اختاروكم وقبلوا فهذا فضل من الله، وإن لم يقبلوا وتكالب عليكم أعداؤكم والحاقدون عليكم والمشككون فيكم؛ فلتعلموا أنه الخير، وإن الله قال لنبيه: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)) (المائدة)، وقال لخليله: "عليك النداء وعلينا البلاغ".
----------
* محرر بمجلة "المجتمع" الكويتية وباحث في العلوم السياسية