لا وقت للخلاف الآن.. يجب أن تتوحد كل القوى الوطنية المخلصة تحت راية واحدة.. راية مصر أولاً وقبل كل شيء.
إنه رهان حقيقي على الشعب المصري العظيم.. الشعب الذي صنع ثورة 25 يناير، الشعب الذي قدم الدماء والشهداء من أجل حريته وعزته وكرامته..
الشعب الذي ثار ضد الظلم والطغيان وحارب الرشوة والفساد.. هذا الشعب الذي حارب الفلول، وقال لا لعسكرة الثورة، لا للعودة للوراء، يستطيع بجدارة أن يكمل المسيرة ويحقق أهداف الثورة العظيمة.. هذا الشعب العظيم بحق وصفه العالم أجمع بأنه يستحق الاحترام والتقدير من كل دول العالم على ما قدم من صورة حضارية رائعة ونموذج للسلوك الحضاري الراقي في انتخاباته الرئاسية ومن قبل في انتخاباته البرلمانية.. رآه العالم عبر شاشات التلفاز في بث حي مباشر وهو يمضي قدمًا نحو مسيرة الحرية والديمقراطية والعدالة.
في هذه الفترة الحرجة من تاريخ مصرنا الحبيبة ومسيرة الثورة المباركة، يجب علينا أن نسمو فوق الخلافات السياسية والحزبية وأن ترتفع كل الأحزاب والجماعات فوق المصالح الشخصية، وأن تضع مصلحة مصر العليا فوق كل اعتبار.
فبقدر ما أسعدنا تقدم الدكتور محمد مرسي ليحتل المركز الأول في النتائج شبه النهائية للمرحلة الأولى من انتخابات الرئاسة ليخوض جولة الإعادة عن جدارة واستحقاق، بقدر ما أدهشتنا بعض النتائج والأرقام.
أولاً: النتيجة في مجملها هي تصويت للثورة بنسبة تقارب الـ65% إذا ما أجملنا أصوات كل من الدكتور مرسي والأستاذ صباحي والدكتور أبو الفتوح، وتأكيدًا لرغبة حقيقية لدى الشعب المصري العظيم في التغيير.. والمضي قدمًا نحو تحقيق أهداف الثورة.
ثانيًا: جاء تقدم الدكتور محمد مرسي في النتيجة الكلية مخالفًا لكل استطلاعات الرأي التي نشرت في الجرائد الرسمية والتي كانت دائمًا تضعه في المرتبة الخامسة أو السادسة في ترتيب المرشحين، بنسبة لا تتجاوز الـ5: 8% على أحسن تقدير، رغم علمنا بتزايد شعبيته وفق الإحصائيات واستطلاعات الرأي الحقيقية؛ مما يثير التساؤلات عن مدى مصداقية هذه الاستطلاعات التي نشرت مرارًا في الجرائد الرسمية واستخدمت للتأثير في الرأي العام كثيرًا قبل الانتخابات.
ثالثًا: مما أثار الدهشة والغرابة لدى الكثير، بل أثار الخوف من العودة إلى نظام ما قبل الثورة، بل أستطيع أن أقول إنه كان بمثابة صدمة قاسية للرأي العام وإحياء لما يسمى "السيناريو الكابوس" كما أشارت صحيفة (الجارديان) البريطانية هو الصعود المفاجئ للفريق شفيق لينافس على المرتبة الثانية من بين المرشحين ويكون المرشح لخوض جولة الإعادة مع الدكتور مرسي؛ الأمر الذي أثار كثيرًا من التساؤلات حول ما نشر من شراء للأصوات في القرى والمراكز والمحافظات المختلفة، وكذلك ما أثير عن دعم أجهزة النظام البائد والتي تخشى فقدان نفوذها في ظل نظام سياسي جديد بكل فلولها وكيانها والوقوف وراءه مسخرين أجهزة وكوادر الحزب الوطني المنحل خلال الخمسة شهور الماضية.
هذا الأمر من الخطورة الشديدة بمكان؛ مما يستدعي وقفة الشعب المصري بكامله يدًا واحدة ضد تزوير إرادته ومصادرة ثورته، فالأمر في الواقع لم يصبح تزويرًا لعملية انتخابية، بل أصبح تزويرًا لإرادة شعب بأكمله.
رابعًا: لعل دفع الإخوان بالدكتور مرسي ومن قبله المهندس خيرت الشاطر كمرشح رئاسي، بعد استحالة الوصول لمرشح توافقي؛ كان نتيجة استشعارهم لخطورة؛ ما يمكن أن يسفر عنه ترشيح أحد أركان النظام القديم، وقد اتضح ذلك من خلال نتائج الجولة الأولى كما نرى.
خامسًا: جاءت نسبة التصويت التي حصل عليها الدكتور محمد مرسي أقل بكثير من التوقعات والحسابات المبدئية، خاصةً في مسقط رأسه محافظة الشرقية، وكذلك محافظات القاهرة والدقهلية والمنوفية والغربية وأيضًا الإسكندرية، الأمر الذي يحتاج منا إلى دراسة عميقة وتحليل دقيق.
دعك من هذا كله جانبًا، فجولة الإعادة الآن بين من يمثل التغيير والدفع بعجلة النهضة للإمام وبين من يعيد مصر للوراء ويعيد إنتاج النظام القديم، بين ثورة بيضاء وقف فيها الشعب المصري الأبي عن بكرة أبيه وقفة رجل واحد وقدم الأرواح ثمنًا لحريته وكرامته، وبين ركن من أركان النظام القديم، قاد موقعة الجمل، وهرّب أموال مبارك للخارج، وسخر من ثوار التحرير.
المعركة الآن أصبحت واضحة بين حق أبلج وباطل أدلج، واتضحت الصورة لكل ذي عقل وبصيرة.
إن هذه الصدمة التي وقعت على الشعب المصري يجب أن تتحول إلى طاقة ايجابية، وإرادة قوية، وحركة بنَّاءة.. تتمثل في نبذ الخلافات جانبًا، والالتفاف حول مرشح واحد، فلم يعد الدكتور محمد مرسي مرشح الإخوان فحسب، بل هو الآن مرشح مصر الثورة، مصر الحرة مصر النهضة، مصر العزة والكرامة.
إنها فرصتنا الوحيدة الباقية كي نجمع الصف ونوحد الكلمة كي تتحد كافة الأطياف الوطنية المخلصة وراء مطلب واحد ألا وهو مصر أولاً وقبل كل شيء.
إنه اختبار وطني من الطراز الأول لكل القوى السياسية والوطنية تكون مصر الحرة الأبية أو لا تكون، فإما أن ندفع بعجلة الثورة والتغيير إلى الإمام وإلا فالعودة للوراء.